أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - الشهبي أحمد - طاحت الصَّمْعة علّْقوا المغرب















المزيد.....

طاحت الصَّمْعة علّْقوا المغرب


الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي

(Echahby Ahmed)


الحوار المتمدن-العدد: 8760 - 2026 / 7 / 8 - 16:47
المحور: القضية الفلسطينية
    


حين انتهى الشوط الأخير من مباراة مصر والأرجنتين، وتُطوى الصفحة رياضيًا بخسارة لم تكن مفاجئة لكثيرين ممن تابعوا المشوار، بدأ فصل آخر لا علاقة له بكرة القدم على الإطلاق. لم يمرّ وقت طويل حتى امتلأت بعض الصفحات والحسابات بخطاب غاضب، لكنه غضب موجّه إلى وجهة غريبة: لا إلى أداء اللاعبين، ولا إلى قرارات الحكم، ولا حتى إلى الخطة التكتيكية التي وُضعت لمواجهة منتخب بحجم الأرجنتين، بل إلى طرف لم يكن أصلًا داخل الملعب. المغرب، بكل بساطة، وجد نفسه متهمًا في قضية لم يكن شاهدًا عليها.

والمثير في الأمر أن هذا النوع من الخطاب لا يظهر لأول مرة، لكنه يتكرر بشكل يدعو للتساؤل. في كل مناسبة رياضية تشتد فيها الحساسية، يصبح المغرب هو الملاذ الجاهز لتفريغ الإحباط. وكأن الهزيمة، مهما كانت أسبابها الفعلية، تحتاج إلى كبش فداء خارجي حتى لا يُعاد النظر في الأسباب الحقيقية داخل الملعب وخارجه. وهذا بالضبط ما يجعل الأمر يستحق التوقف عنده، لأنه لا يتعلق بمباراة عابرة، بل بنمط متكرر من التفكير.

ما حدث هذه المرة لم يكن مجرد تعليقات عفوية من متابعين غاضبين، بل تحوّل إلى حملة منظمة نسبيًا، تبنّتها بعض الصفحات التي وجدت في الحدث الرياضي فرصة لإعادة إنتاج خطاب قديم. فبدل أن يُناقش أداء المنتخب، أو الخيارات التي اتخذها الجهاز الفني، أو حتى القرارات التحكيمية التي أثارت جدلًا فعليًا في المباراة، انزلق النقاش بالكامل نحو اتهام المغرب بـ"التواطؤ" العاطفي مع الخصم، وكأن تشجيع فريق في مباراة كرة قدم بات جريمة تستوجب المحاسبة.

الأغرب من ذلك أن بعض هذه الحسابات لم تكتفِ بالانتقاد الرياضي أو حتى الساخر منه، بل قفزت مباشرة إلى توصيف سياسي جاهز، واستحضرت عبارات مثل "صهاينة العرب"، وكأن هذا الوصف وُلد للتو، عقب صافرة نهاية المباراة مباشرة. وهنا تحديدًا يكمن الخلل الأكبر في هذا الخطاب، لأنه لا يقوم على قراءة تاريخية حقيقية، بل على انتقائية واضحة توظّف التاريخ متى احتاجت إليه، وتتجاهله تمامًا في باقي الأوقات.

فالحقيقة التاريخية، البسيطة والموثقة، تقول إن أول دولة عربية وقّعت اتفاقية سلام رسمية مع إسرائيل لم تكن المغرب، بل كانت مصر، وذلك سنة 1979، أي قبل عقود من أي نقاش حول التطبيع في المنطقة العربية. أما المغرب، فلم يستأنف علاقاته الرسمية إلا سنة 2020، بعد أكثر من أربعين سنة من تلك الخطوة المصرية. هذا التسلسل الزمني ليس رأيًا قابلًا للنقاش، بل واقعة تاريخية يمكن لأي شخص التحقق منها بسهولة. ومع ذلك، حين يتعلق الأمر بتوزيع الاتهامات، يُطوى هذا التاريخ جانبًا، ويُستحضر المغرب وحده كأنه الاستثناء الوحيد في المنطقة، بينما الوقائع تقول عكس ذلك تمامًا.

هذه الانتقائية في التعامل مع التاريخ ليست تفصيلًا بسيطًا، بل هي جوهر المشكلة. فحين يُعاد تدوير خطاب سياسي قديم في سياق رياضي بحت، دون أي محاولة للتحقق من صحته، فإن الهدف الحقيقي لا يكون البحث عن الحقيقة، بل البحث عن عدو جاهز يمتص الغضب الناتج عن الخسارة. والمغرب، في هذه الحالة، لم يُختر لأنه فعل شيئًا، بل لأنه كان الأقرب لتحمّل هذا الدور.

أما الادعاء الآخر الذي رافق هذه الحملة، والقائل بأن "المغاربة شجعوا الأرجنتين"، فهو ادعاء لا يصمد أمام أبسط قواعد المنطق. المغرب، كأي مجتمع، ليس كتلة واحدة متجانسة تفكر بصوت واحد وتشجع بقرار جماعي موحّد. مواقع التواصل الاجتماعي، على الرغم من انتشارها الواسع، ليست استفتاءً شعبيًا يمكن الاستناد إليه لإصدار أحكام عامة على شعب بأكمله. والواقع، لمن يريد أن يبحث فعلًا لا أن يفترض، يقول إن عددًا كبيرًا من المغاربة عبّروا عن دعمهم لمصر، قبل المباراة وبعدها، وهو ما توثقه منشورات كثيرة ما تزال متاحة للعيان على مختلف المنصات. في المقابل، اختار بعض المغاربة، كأفراد لا كموقف جماعي، تشجيع الأرجنتين، إما لإعجابهم بأسلوب لعبها، أو تعاطفًا مع نجومها، أو لأسباب رياضية بحتة لا علاقة لها بأي موقف سياسي أو قومي.

وهذا في الحقيقة أمر عادي جدًا في عالم كرة القدم. الجماهير في كل الدول العربية، بل في العالم كله، تشجع أحيانًا فرقًا لا تنتمي إليها، لأسباب فنية أو عاطفية أو حتى مزاجية بحتة. لا أحد يُسائل جمهورًا عربيًا شجّع منتخبًا أوروبيًا في بطولة سابقة، ولا أحد يعتبر ذلك خيانة لهويته. فلماذا يتحول الأمر فجأة إلى قضية حين يتعلق الأمر بالمغرب تحديدًا؟ هذا السؤال وحده يكفي لكشف أن المسألة ليست عن التشجيع في حد ذاته، بل عن رغبة مسبقة في إيجاد ذريعة.

المشكلة الأعمق في كل هذا ليست في تغريدة هنا أو منشور هناك، بل في التحول الخطير الذي يجعل من المنافسة الرياضية أرضية لتصفية حسابات سياسية أو وطنية لا علاقة لها بالملعب أصلًا. الرياضة، بطبيعتها، مساحة للمنافسة الشريفة، تنتهي فصولها بصافرة الحكم النهائية، وتُطوى غالبًا بمصافحة بين الفريقين مهما كانت النتيجة. لكن حملات التخوين والاتهامات المتبادلة لا تنتهي بهذه السهولة، لأنها تترك في العلاقات بين الشعوب أثرًا أعمق بكثير من أي نتيجة مباراة، مهما كانت مؤلمة.

وهنا يجب أن يُقال بوضوح: المغرب لا يحتاج إلى أن يبرر لأحد من شجّع في مباراة لم يكن طرفًا فيها أصلًا. فهذا حق طبيعي لأي فرد، في أي بلد، أن يشجع من يشاء دون أن يخضع لمحاسبة جماعية. وبالمثل، لا يمكن اختزال أي شعب، سواء كان مصريًا أو مغربيًا أو غيرهما، في منشورات متفرقة لبعض مستخدمي مواقع التواصل، الذين لا يمثلون بالضرورة الرأي العام، ولا يعكسون بالضرورة مشاعر الأغلبية الصامتة التي لا تجد وقتًا ولا رغبة في خوض هذه المعارك الافتراضية.

ما يحتاجه الفضاء العربي اليوم ليس مزيدًا من الشحن العاطفي، ولا مزيدًا من تبادل الاتهامات كلما خسر منتخب عربي مباراة مهمة. المطلوب هو قدر أكبر من الإنصاف في التعامل مع الأحداث، وقدر أكبر من احترام الوقائع التاريخية قبل إطلاق الأحكام الجاهزة. فالتاريخ لا يُستدعى بانتقائية لخدمة موقف عاطفي آني، والرياضة لا يجب أن تتحول إلى ساحة لإعادة إنتاج خطابات سياسية عفا عليها الزمن. وحين تُدرك الشعوب العربية أن خسارة مباراة لا تستدعي البحث عن عدو، بل مراجعة هادئة لما جرى فعلًا، عندها فقط يمكن الحديث عن نضج رياضي حقيقي يليق بحجم هذه الشعوب وتاريخها.



#الشهبي_أحمد (هاشتاغ)       Echahby_Ahmed#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تدافع الضحية عن جلادها: المازوخية النفسية في البيوت المغ ...
- المكان والهوية والذاكرة: قراءة نقدية في «رحلتي بين النيل وال ...
- حُرّاس بوابات الإيمان
- الشرق الأوسط على شفير الهاوية
- زمن خارج القانون
- مغرب تحت وطأة العواصف
- التحولات المناخية القصوى وتأثيرها على الدينامية الفيضية في أ ...
- صمود باتريس لومومبا في وجه الجهل والذاكرة الممزقة
- المغرب بعيون العليان
- رقصة الديك المذبوح بعد قرار مجلس الأمن
- الحيط القصير… أطباء وممرضون وأساتذة تحت أنقاض المنظومة
- صحافة الطبل والغيطة
- أقلام للتلاميذ… وديون للآباء
- أمّة اقرأ لا تقرأ
- رسالة مفتوحة إلى أحمد عصيد: دفاعك عن الحرية… أم هوايتك في اس ...
- الربا حرام… والغيبة من فُنون الجلوس
- المستشفى بعين شاهد على الحدث
- -بين خطابين: حين تتحاور الحداثة والهوية-
- الصحافي الحرباء… حين يكتب اللون لا الحقيقة
- شدولارين: عندما يكتب القلب نفسه ويتطهر بالحبر والحنين


المزيد.....




- نظارات ماكرون الشمسية تعود.. ما قصتها؟
- فضل شاكر أمام إخلاء سبيل محتمل: كيف بدأت القصة وأين وصلت؟
- رداً على تصريحات ترامب.. رئيسة وزراء الدانمارك: غرينلاند ليس ...
- -الأوكتاغون-.. أكبر مجمع عسكري في العالم في بلد يئن من الفقر ...
- دواء سريع الفعالية للحساسية
- تحذير من منتجات أطفال خطرة تُباع عبر منصات التسوق الإلكتروني ...
- روسيا تؤكد استمرار تقدم قواتها على جميع جبهات القتال وتكبيد ...
- سبح حتى الإرهاق ثم اختفى.. مصرع المؤثر الأمريكي كونور ميرفي ...
- النوم والصحة الجنسية.. دراسة تكشف رابطا مهما لدى الرجال
- موناكو.. استمرار التحقيق في محاولة اغتيال الأوليغارشي الأوكر ...


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - الشهبي أحمد - طاحت الصَّمْعة علّْقوا المغرب