أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - الشهبي أحمد - حين تدافع الضحية عن جلادها: المازوخية النفسية في البيوت المغربية














المزيد.....

حين تدافع الضحية عن جلادها: المازوخية النفسية في البيوت المغربية


الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي

(Echahby Ahmed)


الحوار المتمدن-العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 04:49
المحور: حقوق الانسان
    


هناك شيء ثقيل يسكن البيوت ولا يُرى. لا يُسجَّل في محاضر الشرطة، ولا يُروى كاملًا في جلسات العائلة، لكنه حاضر في التفاصيل الصغيرة: في نبرة صوت، في صمت طويل، في عينٍ اعتادت الانكسار حتى لم تعد تحتج. هناك نساء لا يعشن فقط تحت سقف واحد مع أزواجهن، بل يعشن داخل معادلة قاسية تجعل الألم جزءًا من اليومي، وتحوّل الإهانة إلى حدث عابر لا يستحق الوقوف عنده. والأغرب، أن بعضهن لا يكتفين بالصمت، بل يرفعن درع الدفاع عن نفس اليد التي تؤذيهن.

المفارقة هنا ليست سطحية، بل عميقة إلى حد الإرباك. كيف يمكن لامرأة أن تُهان، ثم تبرّر؟ أن تُجرح، ثم تدافع؟ أن تُسلب منها كرامتها، ثم تقول: “راه فيه الخير”؟ الجواب السهل هو اتهامها بالضعف، أو السذاجة، أو حتى الرغبة في الألم. لكن الواقع أعقد من هذا الحكم السريع، وأقسى.

ما يُسمّى بالمازوخية النفسية لا يظهر في حياتنا كما تصفه الكتب، بل يتخفّى في هيئة صبر مفرط، وتحمّل غير مشروط، وتبرير دائم لما لا يُبرَّر. هو ليس حبًا للألم بقدر ما هو اعتياد عليه، تكيّف معه، ثم إعادة تعريفه حتى يصبح مقبولًا. حين تعيش امرأة سنوات داخل علاقة مؤذية، يتغيّر معيارها الداخلي. لم تعد تقيس الأمور بما يجب أن يكون، بل بما اعتادت أن يكون. وهنا يبدأ الخلل: حين يصبح الطبيعي هو المؤلم، ويغدو الاستثناء هو الاحترام.

في الواقع المغربي، تتغذى هذه الحالة من تربة خصبة. تربية تُلقّن الفتاة منذ الصغر أن الصبر فضيلة مطلقة، وأن الحفاظ على البيت أهم من الحفاظ على الذات. نصائح جاهزة تُمرَّر من جيل إلى جيل: “صْبري راه الراجل هكا”، “الطلاق ماشي حل”، “المرأة خاصها تتحمّل”. ومع كل جملة من هذا النوع، تُضاف طبقة جديدة من القبول، حتى يصبح الرفض نفسه فعلًا غريبًا يحتاج إلى شجاعة غير مألوفة.

تدخل المرأة العلاقة وهي محمّلة بفكرة أن الزواج اختبار تحمّل، وأن الألم مرحلة عابرة ستنتهي بالصبر. لكن المرحلة تطول، والصبر يتحول إلى نمط حياة، ثم إلى قناعة، ثم—في حالات كثيرة—إلى دفاع مستميت عن الوضع نفسه. هنا لا تعود المسألة مجرد خوف من المجتمع أو من الوحدة، بل تتحول إلى ارتباط نفسي مع الألم ذاته، كأنه الشيء الوحيد المألوف في عالم متقلّب.

ولأن الإنسان بطبيعته يبحث عن المعنى، فإن العقل لا يترك هذا التناقض دون تفسير. فيبدأ بتلميع الصورة: “ماشي ديما خايب”، “كيعيّط ليا من الخدمة”، “كيضحك مع الدراري”. تفاصيل صغيرة تُستخرج من بحر كبير من الأذى، وتُقدَّم كأدلة على أن العلاقة “ما زالت بخير”. وهكذا، لا يتم إنكار الألم، بل يتم تقليصه، تحجيمه، ثم وضعه في خانة المقبول.

في لحظة ما، يحدث التحول الأكثر خطورة: حين تصبح الضحية حارسةً للسردية التي تؤذيها. تدافع عن الزوج، تغضب ممن ينتقده، ترفض أي تدخل خارجي، وتعتبر النصيحة تهديدًا لا إنقاذًا. هنا لم يعد الأمر مجرد صبر أو خوف، بل تماهٍ عميق مع العلاقة رغم سمّيتها. كأنها لم تعد ترى نفسها خارج هذا الإطار، أو لم تعد تؤمن بإمكانية حياة لا يكون فيها الألم جزءًا من الروتين.

هذا لا يعني أن كل امرأة تتحمل هي “مازوخية”، ولا أن كل علاقة صعبة هي مرض نفسي. التبسيط هنا ظلم مضاعف. هناك عوامل واقعية لا يمكن تجاهلها: تبعية اقتصادية، غياب سند عائلي، أطفال يُستخدمون كورقة ضغط، نظرة اجتماعية قاسية تجاه الطلاق، وإحساس داخلي بالعجز عن البدء من جديد. كل هذه العناصر تجعل البقاء خيارًا “أقل سوءًا” في نظر كثيرات.

لكن الخط الفاصل يظهر حين لا يعود الألم مجرد شيء يُحتمل، بل شيء يُدافع عنه. حين تتحول الإهانة إلى أمر مفهوم، والعنف إلى “طبع”، والكرامة إلى تفصيل يمكن تأجيله. هنا، لا نتحدث فقط عن علاقة مختلة، بل عن وعيٍ أعاد تشكيل نفسه ليتعايش مع ما كان يجب أن يرفضه.

المشكلة لا تقف عند حدود الفرد، بل تمتد إلى نظرتنا الجماعية. مجتمع يصف الصبر دون أن يحدد حدوده، ويمجّد التحمل دون أن يسأل: إلى متى؟ ويطلب من المرأة أن “تحافظ على بيتها” دون أن يسأل إن كان هذا البيت يحافظ عليها. في مثل هذا السياق، يصبح الألم عاديًا، والاعتراض مبالغًا فيه، والخروج من العلاقة مغامرة محفوفة بالحكم قبل أي شيء آخر.

ربما لا نحتاج إلى تشخيصات معقّدة بقدر ما نحتاج إلى إعادة طرح السؤال البسيط: متى يصبح الصبر خيانة للنفس؟ ومتى يتحول التحمّل من قوة إلى قيد؟ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث، ليس أن يؤذيك أحد… بل أن تتعلم كيف تبرر ذلك الأذى، وتدافع عنه، وتمنحه اسمًا آخر غير اسمه.

هناك نساء لا يحتجن إلى من يلومهن، بل إلى من يعيد لهن تعريف الأشياء كما هي: أن الإهانة إهانة، ولو تكررت حتى صارت عادية. وأن الكرامة ليست ترفًا، بل شرطًا لأي علاقة تستحق أن تُعاش. وأن الخروج من دائرة الألم ليس ضعفًا… بل أول خطوة نحو استعادة النفس التي ضاعت في الطريق. #المجتمع_المغربي #العنف_الأسري #المرأة_المغربية #الكرامة #الوعي



#الشهبي_أحمد (هاشتاغ)       Echahby_Ahmed#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المكان والهوية والذاكرة: قراءة نقدية في «رحلتي بين النيل وال ...
- حُرّاس بوابات الإيمان
- الشرق الأوسط على شفير الهاوية
- زمن خارج القانون
- مغرب تحت وطأة العواصف
- التحولات المناخية القصوى وتأثيرها على الدينامية الفيضية في أ ...
- صمود باتريس لومومبا في وجه الجهل والذاكرة الممزقة
- المغرب بعيون العليان
- رقصة الديك المذبوح بعد قرار مجلس الأمن
- الحيط القصير… أطباء وممرضون وأساتذة تحت أنقاض المنظومة
- صحافة الطبل والغيطة
- أقلام للتلاميذ… وديون للآباء
- أمّة اقرأ لا تقرأ
- رسالة مفتوحة إلى أحمد عصيد: دفاعك عن الحرية… أم هوايتك في اس ...
- الربا حرام… والغيبة من فُنون الجلوس
- المستشفى بعين شاهد على الحدث
- -بين خطابين: حين تتحاور الحداثة والهوية-
- الصحافي الحرباء… حين يكتب اللون لا الحقيقة
- شدولارين: عندما يكتب القلب نفسه ويتطهر بالحبر والحنين
- شدولارين: قراءة نقدية وتحليلية في رواية د. فتحية الفرارجي – ...


المزيد.....




- ألمانيا تفكك شبكة تهريب استغلت وثائق لاجئين سوريين لإدخال مه ...
- الأمم المتحدة: أكثر من 80 ألف مهاجر قتيل أو مفقود منذ 2014
- المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة: غوتيريش يرحب بإعلان ...
- في اللحظة الأخيرة.. عفو مفاجئ ينقذ سجيناً يمنياً من الإعدام ...
- الأمم المتحدة: صعوبات تعترض عودة 4 ملايين نازح في السودان
- برفقة الصواريخ.. الآلاف يتظاهرون ضد الولايات المتحدة وإسرائي ...
- الأمم المتحدة: تصاعد العنف في غزة إلى أعلى مستوى أسبوعي منذ ...
- السلطة القضائية الإيرانية: الادعاء الجديد لترامب بأن 8 نساء ...
- تصاعد التوقيفات في إيران منذ اندلاع الحرب.. منظمة حقوقية توث ...
- طهران تشكو للأمم المتحدة احتجاز الولايات المتحدة سفينة إيران ...


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - الشهبي أحمد - حين تدافع الضحية عن جلادها: المازوخية النفسية في البيوت المغربية