أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - الشهبي أحمد - لماذا نخاف من الموت رغم أننا نعرف أنه حتمي؟














المزيد.....

لماذا نخاف من الموت رغم أننا نعرف أنه حتمي؟


الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي

(Echahby Ahmed)


الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 16:47
المحور: قضايا ثقافية
    


دار بيني وبين صديقي، ذات مساء، حديث بدأ من خبر عابر عن وفاة شخص لم يكن مريضًا، ولم يكن أحد يتوقع رحيله في ذلك اليوم. قال صديقي وهو يضع هاتفه جانبًا:

— الموت مخيف جدًا.

سألته:

— ما الذي يخيفك فيه بالضبط؟

قال بعد لحظة صمت:

— فكرة أنني سأختفي يومًا ما، وأن كل ما أفعله الآن سينتهي.

ابتسمت وقلت له:

— لكنك تعرف منذ ولدت أنك ستموت. ما الجديد في الأمر؟

نظر إليّ باستغراب وقال:

— أعرف ذلك، لكن المعرفة بشيء لا تعني أننا قادرون على تقبله.

فقلت له:

— وهذا هو السؤال الذي يحيرني. لماذا نخاف من الموت رغم أننا نعرف أنه أكثر الأشياء حتمية في حياتنا؟ نحن نعرف أن الشمس ستشرق غدًا، ولا نخاف منها. نعرف أننا سننام الليلة، ولا نقضي يومنا نفكر في النوم. أما الموت، فنحن نعرف أنه قادم، ومع ذلك نحاول ألّا نتحدث عنه.

قال:

— لأن الموت يأخذ منا كل شيء.

قلت:

— ربما لا يخيفنا الموت بقدر ما تخيفنا الأشياء التي سيأخذها منا.

سألني:

— مثل ماذا؟

قلت:

— الأشخاص الذين نحبهم، الأماكن التي اعتدنا عليها، أحلامنا المؤجلة، الكتب التي لم نقرأها، المدن التي لم نزُرها، والأشياء الصغيرة التي نظن أننا سنفعلها يومًا ما. نحن لا نخاف فقط من أن نموت، بل نخاف من أن نموت قبل أن ننتهي من الحياة التي كنا نخطط لها.

صمت قليلًا، ثم قال:

— إذن أنت ترى أن الإنسان يخاف الموت لأنه يحب الحياة؟

قلت:

— إلى حد كبير. لو كانت الحياة بلا معنى بالنسبة إلينا، لما كان فقدانها مرعبًا إلى هذه الدرجة. نحن نخاف الموت لأننا متعلقون بأشخاص وأشياء وذكريات ومشاريع، ولأن داخل كل واحد منا شعورًا غريبًا بأن قصته لم تكتمل بعد.

قال:

— لكن هناك من يقول إن الخوف من الموت سببه الخوف مما بعد الموت.

قلت:

— صحيح. وهذا جزء من المسألة بالنسبة إلى المؤمن. لكنه لا يفسر كل شيء. حتى الإنسان الذي يؤمن بحياة أخرى قد يخاف لحظة الموت نفسها. لأن الإيمان بالمستقبل لا يلغي غريزة البقاء الموجودة في الإنسان.

ثم سألني:

— وهل تعتقد أن الإنسان يستطيع أن يتخلص من الخوف من الموت؟

فكرت قليلًا وقلت:

— لا أعتقد أنه يستطيع التخلص منه تمامًا، وربما لا ينبغي له ذلك. شيء من الخوف من الموت هو الذي يجعلنا نتمسك بالحياة، ونحمي أنفسنا، ونبحث عن العلاج عندما نمرض، ونقلق على من نحب. المشكلة ليست في أن نخاف الموت، بل في أن يتحول خوفنا منه إلى سبب يجعلنا لا نعيش.

قال:

— كيف ذلك؟

قلت:

— انظر حولك. كم شخصًا يؤجل حياته إلى الغد؟ يقول: عندما أملك المال سأعيش، عندما أتقاعد سأرتاح، عندما ينتهي العمل سأزور المكان الذي أحبه، عندما يكبر أبنائي سأفعل ما أريد. ثم يأتي الموت أحيانًا قبل كل تلك المواعيد.

ابتسم صديقي وقال:

— كأننا نعيش وكأن لدينا عقدًا مضمونًا مع المستقبل.

قلت:

— بالضبط. وهذه ربما واحدة من أكبر أوهام الإنسان. نحن نعرف أن الموت حتمي، لكننا نتصرف وكأنه بعيد دائمًا. نؤجل الاعتذار، ونؤجل الحب، ونؤجل السفر، ونؤجل القراءة، ونؤجل الأحلام، وكأن الغد حق مكتسب.

ثم قلت له:

— ربما لا ينبغي أن نسأل دائمًا: كيف أتخلص من خوفي من الموت؟ ربما السؤال الأهم هو: ماذا أفعل بحياتي ما دمت أعرف أنني سأموت؟

نظر إليّ وقال:

— يبدو أن الموت، بدل أن يكون سؤالًا عن النهاية، يمكن أن يكون سؤالًا عن طريقة العيش.

قلت:

— نعم. وربما هذه هي المفارقة الأكثر غرابة: الموت هو الشيء الذي نخافه لأنه ينهي الحياة، لكنه في الوقت نفسه هو الذي يمنح الحياة قيمتها.

فلو كنا خالدين، ربما لما استعجلنا لقاء من نحب، ولما شعرنا بقيمة الطفولة، ولما احتفظنا بالصور، ولما كتبنا الذكريات، ولما خفنا على آبائنا وأبنائنا، ولما شعرنا بأن الوقت ثمين.

نحن لا نبكي لأن الحياة بلا قيمة، بل نبكي لأننا نعرف أنها لن تستمر إلى الأبد.

ولهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا نخاف الموت؟

بل: لماذا ننتظر الموت حتى نفهم قيمة الحياة؟



#الشهبي_أحمد (هاشتاغ)       Echahby_Ahmed#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ديداكتيك الجغرافيا: من نقل المعرفة إلى بناء التفكير في المكا ...
- طاحت الصَّمْعة علّْقوا المغرب
- حين تدافع الضحية عن جلادها: المازوخية النفسية في البيوت المغ ...
- المكان والهوية والذاكرة: قراءة نقدية في «رحلتي بين النيل وال ...
- حُرّاس بوابات الإيمان
- الشرق الأوسط على شفير الهاوية
- زمن خارج القانون
- مغرب تحت وطأة العواصف
- التحولات المناخية القصوى وتأثيرها على الدينامية الفيضية في أ ...
- صمود باتريس لومومبا في وجه الجهل والذاكرة الممزقة
- المغرب بعيون العليان
- رقصة الديك المذبوح بعد قرار مجلس الأمن
- الحيط القصير… أطباء وممرضون وأساتذة تحت أنقاض المنظومة
- صحافة الطبل والغيطة
- أقلام للتلاميذ… وديون للآباء
- أمّة اقرأ لا تقرأ
- رسالة مفتوحة إلى أحمد عصيد: دفاعك عن الحرية… أم هوايتك في اس ...
- الربا حرام… والغيبة من فُنون الجلوس
- المستشفى بعين شاهد على الحدث
- -بين خطابين: حين تتحاور الحداثة والهوية-


المزيد.....




- تسرب مياه يهدر 3 ملايين غالون ويغلق مدارس في أوكلاهوما.. وال ...
- لماذا قدمت أمريكا مبلغا ماليا كبيرا ومفاجئا لمنظمة بأفريقيا ...
- الكرملين: مهمتنا الأولى تحقيق أهدافنا العسكرية وصياغة هندسة ...
- الجيش الإسرائيلي: الضفة الغربية على وشك الانفجار
- المقاتلات الروسية تستخدم قنابل انزلاقية مزودة بمحرك توربيني ...
- بن غفير يقتحم قسم الأسيرات الفلسطينيات ويصورهن متوعداً بـ-ال ...
- إيسلنديون يتفاعلون مع نتائج استفتاء الاتحاد الأوروبي
- توسع الاتحاد الأوروبي - هل يستطيع التكتل استيعاب دول الكتلة ...
- عكس التيار الأوروبي.. إسبانيا تتجه لتسوية أوضاع نصف مليون مه ...
- الإعلام الإسرائيلي يترقب شراكة استراتيجية بين الصين ومصر باس ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - الشهبي أحمد - لماذا نخاف من الموت رغم أننا نعرف أنه حتمي؟