إكرام فكري
الحوار المتمدن-العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 10:09
المحور:
ملف : ظاهرة البغاء والمتاجرة بالجنس
المال ليس مجرد ورق أو أرقام.. المال، في كثير من الأحيان، فكرة عن المستقبل… وعد بأن الغد سيكون أسهل….ولهذا لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى المال نفسه كي يغير سلوكه. يكفيه أن يصدق أنه قد يأتي. وهنا يبدأ «الاحتمال» في اكتساب قوة لا يملكها الواقع.
أما المال المحتمل فلا حدود له. يمكن للعقل أن يمنحه أي قيمة يريد. أن يجعله خلاصًا. أن يجعله بابًا للدراسة. أو سفرًا. أو بيتًا. أو خروجًا من حياة لم تعد محتملة. وهكذا يصبح المستقبل حاضرًا في الجسد قبل أن يصل.
ننتظر شيئًا لم يحدث، لكننا نبدأ بالدفع من أجل حدوثه. وهذه إحدى أكثر المفارقات قسوة في علاقة الإنسان بالمال: أن الشيء غير الموجود قد يصبح أكثر تأثيرًا من الشيء الموجود. قد لا يصل المال. لكن الانتظار يصل. قد لا يتحقق الوعد. لكن التنازل يتحقق. قد لا تأتي الحياة التي تخيلناها. لكن الوقت الذي أنفقناه في انتظارها لا يعود.
ربما لا تكون أكبر الخسائر تلك التي تحدث بعد الصفقة. ربما تبدأ الخسارة قبل الصفقة أصلًا. في اللحظة التي نمنح فيها شيئًا حقيقيًا مقابل احتمال.
ومن هنا تتغير علاقتنا بالآخر. لا يعود الآخر إنسانًا كاملًا له رغباته وحدوده وغموضه. يصبح احتمالًا. رجلًا يمكن أن يساعد. علاقة يمكن أن تؤدي إلى مكان ما. رسالة قد تحمل فرصة. صورة قد تكون بداية.
ويحدث شيء بالغ الخطورة: يتحول الإنسان من غاية إلى وسيلة، ويتحول الآخر كذلك. لم نعد نلتقي. نحن نحسب. لم نعد نقترب. نحن نستثمر. لم نعد نسأل: «هل أريد هذا؟» بل: «إلى ماذا يمكن أن يؤدي؟»
وهكذا يمكن أن يعيش الإنسان سنوات وهو يتحرك كثيرًا، لكنه لا يذهب إلى أي مكان يخصه حقًا.
ثم يدخل الجسد في هذه المعادلة. وهنا يصبح الأمر أكثر مأساوية. لأن الجسد هو أول بيت للإنسان. قبل أن يكون صورة، أو رغبة، أو موضوعًا لنظر الآخرين، كان الجسد المكان الوحيد الذي عاش فيه الإنسان.
ومع ذلك، يستطيع المال أن يجعل الإنسان ينظر إلى بيته الأول كأنه أصل من الأصول. شيء يمكن تقديمه. شيء يمكن استخدامه. شيء يمكن أن يحقق عائدًا.
لا يحدث ذلك دفعة واحدة. بل يبدأ بجملة صغيرة: «إنها مجرد مرة.» ثم تصبح المرة الثانية أسهل. ثم يصبح ما كان مستحيلًا بالأمس قابلًا للتفاوض اليوم. ليس لأن قيمة الجسد تغيّرت. بل لأن معيار القيمة نفسه تغيّر.
وهنا تكمن المأساة: حين يصبح الإنسان قادرًا على تسعير نفسه، يصبح من الصعب عليه أحيانًا أن يتذكر الأشياء التي لا تُسعّر.
كيف تسعّر الحرية؟ كيف تسعّر الطمأنينة؟ كيف تسعّر قدرتك على أن تقول «لا» دون أن تحسب ما ستخسره؟ كيف تسعّر علاقة تستطيع فيها أن تكون حاضرًا لأنك تريد، لا لأنك تنتظر شيئًا؟ وكيف تسعّر تلك اللحظة النادرة التي تنظر فيها إلى نفسك ولا تشعر أنك مدين لأحد بشيء؟
بعض الأشياء لا تملك سعرًا. وحين تدخل السوق، لا تصبح أرخص. بل تصبح مُساء فهمها.
لهذا فإن المشكلة ليست في المال نفسه. المال أداة. يمكن أن يحرر الإنسان من الحاجة، ويمكن أن يمنحه فرصة، ويمكن أن يفتح له بابًا لم يكن يستطيع فتحه وحده. لكن الأداة تصبح خطرة حين تتحول إلى معيار وحيد للقيمة.
حين يصبح السؤال عن كل شيء: كم يساوي؟ كم يساوي هذا العمل؟ كم تساوي هذه العلاقة؟ كم تساوي هذه المرأة؟ كم يساوي هذا الرجل؟ كم تساوي هذه الحياة؟
وعندما يصبح لكل شيء سعر، يبدأ الإنسان في نسيان الفرق بين القيمة والثمن. الثمن هو ما يمكن دفعه. أما القيمة فهي ما لا ينبغي أن يُدفع أصلًا.
ولعل المجتمع يقع في الخطأ نفسه. إنه يرى النتائج أكثر مما يرى الطرق. يرى المرأة التي عادت من الخارج. يرى السيارة. يرى البيت. يرى السفر. يرى الصور. ثم يختصر حياة كاملة في كلمة واحدة: نجحت.
لكن ماذا نعرف نحن عن الأشياء التي لم تُصوَّر؟ عن الليالي التي لم تظهر في الصور؟ عن الخوف الذي لا يُكتب في السيرة الذاتية؟ عن العلاقة التي لم يكن فيها القلب موجودًا؟ عن الحرية التي أصبحت مشروطة؟ عن الإنسان الذي اضطر إلى إقناع نفسه بأن ما يؤلمه لا يستحق الألم، لأن المقابل ــ كما قيل له ــ كبير؟
نحن غالبًا نحتفل بالنتيجة لأن النتيجة مرئية. أما الثمن فغالبًا يعيش في الداخل.
وربما لهذا تبدو بعض صور الثراء حزينة لمن يعرف أن الصورة ليست الحياة. قد يرى الناس بيتًا واسعًا. لكنهم لا يرون ضيق الروح داخله. قد يرون امرأة إلى جانب رجل ثري. لكنهم لا يعرفون كم مرة كان عليها أن تقنع نفسها بأن غياب الحب تفصيل يمكن تجاوزه. قد يرون المال. ولا يرون السنوات التي دُفعت مقدمًا.
وهنا يظهر وهم آخر: أن الوصول يبرر الطريق. لكن ليس كل وصول انتصارًا. يمكن للإنسان أن يصل إلى المكان الذي كان يحلم به، ثم يكتشف أنه لم يعد الشخص الذي أراد الوصول إليه. ويمكن أن يربح الصفقة، ويخسر نفسه. ويمكن أن يحصل على المال، لكنه يفقد الشيء الذي كان المال يفترض أن يشتريه: الحرية.
لهذا ربما يكون السؤال الأخلاقي الحقيقي ليس: «هل يجوز أن أبحث عن المال؟» بل: «ماذا يحدث لي وأنا أبحث عنه؟»
هل أصبحت أكثر حرية؟ أم أكثر اعتمادًا؟ هل أصبحت أمتلك المال؟ أم أصبح المال يمتلك قراراتي؟ هل أنا أختار؟ أم أن حاجتي هي التي تختار بدلًا مني؟
فالإنسان لا يفقد حريته فقط حين يُجبر على شيء. أحيانًا يفقدها حين يصبح احتمال الحصول على شيء أقوى من قدرته على الرفض.
وهذا هو ثمن الاحتمال.
قد يقضي الإنسان سنوات وهو يطارد «ربما». ربما هذا الرجل. ربما هذه العلاقة. ربما هذه الصورة. ربما هذه الرحلة. ربما هذه المرة. ربما بعد هذا التنازل. ربما بعد قليل. حتى تصبح كلمة «ربما» طريقة كاملة للعيش.
والمشكلة أن «ربما» لا تشبع. لأنها لا تعطي شيئًا، لكنها تطلب دائمًا المزيد. المزيد من الوقت. المزيد من الصبر. المزيد من الانتظار. المزيد من التنازل. ولهذا يمكن للإنسان أن ينفق عمرًا كاملًا على شيء لم يحدث.
ثم تأتي لحظة هادئة، لا يعرف أحد أهميتها. يدخل المال من باب آخر. راتب. عمل. قرض للدراسة. مشروع صغير. شيء بطيء، واضح، لا يحمل وراءه وجهًا ينتظر شيئًا.
قد لا يكون المال كثيرًا. لكنه لا يطلب تفسيرًا. لا يطلب امتنانًا شخصيًا. لا يطلب جسدًا. لا يطلب علاقة. لا يطلب أن يصبح الإنسان شخصًا آخر كي يستحقه. إنه فقط مقابل وقت وعمل.
وفي تلك اللحظة قد يكتشف الإنسان شيئًا بسيطًا ومدهشًا: أن المال الذي يأتي ببطء قد يكون أكثر حرية من المال الذي يأتي بسرعة. ليس لأنه أنظف في ذاته. بل لأن صاحبه يعرف أين يبدأ الثمن وأين ينتهي.
وربما هنا يبدأ الخروج الحقيقي من الوهم. ليس بأن نكره المال. ولا بأن نمجد الفقر. ولا بأن ندّعي أن الحاجة لا تؤلم. بل بأن نستعيد الحدود بين الأشياء.
أن نقول: هذا عمل. وهذه علاقة. وهذا جسد. وهذه حرية. وهذا مال.
ليس كل شيء مادة للمقايضة. وليس كل ما يمكن الحصول عليه يستحق ما يُدفع من أجله.
ربما يكون النضج، في النهاية، هو أن يصبح السؤال مختلفًا.
لا: كم سأحصل؟ بل: من سأصبح وأنا أحاول الحصول عليه؟
لا: ماذا سيعطيني هذا الشخص؟ بل: ماذا سيأخذ مني وجودي معه؟
لا: هل يستحق الأمر؟ بل: هل أستحق أنا أن أدفع هذا الثمن؟
وعندها فقط يبدأ الإنسان في رؤية الاحتمال بحجمه الحقيقي. ليس كخلاص. ليس كباب سحري. بل كاحتمال فقط. قد يحدث. وقد لا يحدث.
أما الشيء المؤكد فهو ما ندفعه الآن.
⸻
ولهذا ربما لا يكون التحرر الحقيقي في أن يصل المال. بل في أن نتوقف عن دفع الثمن قبل وصوله. أن نترك المستقبل في مكانه. وألا نرهن الحاضر بوعد لم يُكتب بعد.
أن نفهم أن «ربما» ليست عقدًا. وأن الاحتمال ليس دينًا علينا أن نسدده. وأن الإنسان ليس مضطرًا إلى تقديم أجزاء من نفسه كي يثبت أنه يستحق حياة أفضل.
فالحياة الأفضل التي تُبنى على فقدان الذات تحمل داخلها تناقضها منذ البداية.
⸻
في النهاية، ليست المأساة أن الإنسان أراد المال. المأساة أن يُقنعه العالم بأن كل شيء يمكن تحويله إلى وسيلة للوصول إليه. ثم يصفق له حين يصل. ولا يسأله عمّا تركه خلفه.
قد يصفق الناس للبيت. للسيارة. للسفر. للزواج. للصورة الجميلة. لكن هناك أشياء لا تظهر في الصورة. أشياء دفعت ثمنها الروح بصمت.
ولهذا، حين يسأل أحدهم: «كم ربحت؟» قد يكون السؤال الحقيقي الذي يستحق أن يُطرح: «وكم بقي منك بعد كل ذلك؟»
فبعض الخسارات لا تُرى في الحساب البنكي. وبعض الأرباح لا تستحق الاحتفال. وبعض الأشياء، مهما كان الثمن الذي يُعرض مقابلها، يجب أن تبقى خارج السوق.
الجسد. والحرية. والكرامة. والقدرة على اختيار «لا». والقدرة على العودة إلى النفس دون أن يشعر الإنسان أنه غريب عنها.
أما المال الذي لم يصل… فلا ينبغي أن يكون قد أخذ شيئًا من كل ذلك.
لأن أقسى ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يدفع ثمنًا كبيرًا مقابل المال.
بل أن يدفع نفسه ثمنًا لمال كان، منذ البداية، مجرد احتمال.
#إكرام_فكري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟