أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - وسام الحسيني - كبر أبي ...














المزيد.....

كبر أبي ...


وسام الحسيني

الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 13:38
المحور: قضايا ثقافية
    


كَبُرَ أبي... وورِقَت عظامُه

حين كنت صغيرًا، كنت أظن أن أبي لا يكبر.

كان قويًا في عيني، ثابتًا كجدار البيت، وصوته حين يناديني يشبه قانونًا لا يمكن كسره. كنت أراه يعرف كل شيء: كيف نعيش، وكيف نواجه الناس، وكيف نعود إلى البيت مهما ابتعدنا.

وكان يقول لي دائمًا:

«يا بني، الأولاد لا نصنعهم بالخبز وحده، ولا بالثياب، ولا بالمدارس. نحن نصنعهم بما نتركه في أرواحهم.»

لم أفهم كلامه يومها.

كنت أظن أن التربية هي الأوامر: افعل، لا تفعل، اذهب، عد. لكنني اكتشفت مع الأيام أن أبي لم يكن يربيني بما يقوله فقط، بل بما يفعله.

علمني الصدق حين رأيته يختار الحقيقة رغم صعوبتها.
وعلمني الكرامة حين رأيته يتعب ولا يمد يده بما لا يحق له.
وعلمني الرحمة حين رأيته يخفي حزنه كي لا نحزن.

ومضت السنوات.

كبرت أنا، وبدأ أبي يصغر في عيني بطريقة لم أكن مستعدًا لها.

انحنى ظهره قليلًا، وورِقَت عظامه، وأصبح الرجل الذي كنت أختبئ خلفه يحتاج أحيانًا إلى يدٍ يتكئ عليها.

يومها فقط فهمت.

فهمت أن الأب لا يربي أبناءه ليبقوا صغارًا حوله، بل ليكبروا يومًا ويصبحوا قادرين على حمله عندما يتعب.

اقتربت منه ذات يوم، وأمسكت يده. كانت يده التي بدت لي يومًا أكبر من الدنيا، أضعف مما أتذكر.

نظر إليّ وقال مبتسمًا:

«الآن أصبحتَ رجلًا.»

سألته:
«ومتى أصبحتُ رجلًا يا أبي؟»

قال:

«حين لا تخاف أن تكون طيبًا، وحين تعرف أن القوة ليست في أن يطيعك الناس، بل في أن تحمي من يحتاجك. وحين تفهم أن ابنك لن يتعلم من كلامك، بل من الطريقة التي تعيش بها أمامه.»

صمتُّ طويلًا.

ونظرت إلى أبي.

وفهمت أن الأب لا يرحل من أبنائه حين يضعف جسده، لأن بعض الآباء يتحولون مع الزمن إلى شيء أكبر من الجسد.

يتحولون إلى صوتٍ داخلنا يقول:
كن صادقًا.
كن كريمًا.
لا تكسر قلبًا.
ولا تنحنِ إلا لله.

عندها أدركت أن تربية الأبناء ليست صناعة أشخاص يشبهوننا، بل صناعة بشر يستطيعون أن يكونوا أفضل منا.

وأن أعظم ما يتركه الأب لأولاده ليس بيتًا ولا مالًا، بل ضميرًا يعرف الطريق عندما يغيب الأب.

كبر أبي...

ورِقَت عظامه...

لكنني كلما كبرت، اكتشفت أنني ما زلت صغيرًا أمام الرجل الذي صنع في داخلي إنسانًا، ثم تركني أتعلم كيف أصنع إنسانًا آخر.



#وسام_الحسيني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أحترِم ألألم!
- لستِ حبيبتي بعد عقدين من الزمن
- أبغض الحلال !!
- اسطورة الصداقة
- شرفٌ لي أن لا تراني..
- عاشق متأخر
- امي جنة..
- حينما يغتصب العقل !!
- كُرّة عينكم !!
- عفيه بلد مابيه شريف !!
- إجعلوها ثورةً على هبل !!
- اعلوا هبل ..اسقطوا هبل !!
- معلش احنه بنتبهدل ..!!
- عرقنة الصومال
- لُطّفَاَ ..السِفَارَةْ في اَلّعِمَارَة !!
- طغاة نوعية فاخرة..صنع في العراق!!
- ثقافة المجاملات ..إلى أين!!
- أحبكِ أبداً
- قنبلة العمامة المسيسة .. إختراع لتدمير العقول!!
- لَستِ حَبيبتي ..حَبّيبتي لا تَكّذبّ..!!


المزيد.....




- أول تعليق لمبعوث ترامب عن -المحادثات- مع وفد إيران
- الشرع في حوار شامل.. ماذا قال عن إسرائيل و7 أكتوبر و11 سبتمب ...
- بعد استبعاد -يابلوكو-.. هكذا تُدار لعبة الحكم في روسيا
- الشرع: القوات التركية دخلت سوريا ضمن ظروف معينة تتعلق بأمن ا ...
- مسؤول إماراتي: يمكن تحويل الذكاء الاصطناعي إلى فرصة لمواجهة ...
- الشرع لترامب: امنح نيوجيرسي لإسرائيل كونك تمتلكها أما الجولا ...
- أمين عام الناتو: الحلفاء اعتمدوا كثيرا على أمريكا في الدفاع ...
- بورنهام: مستعدون للعب دور في الشرق الأوسط.. التوسع الاستيطان ...
- شي جين بينغ يبدأ أول زيارة رسمية للولايات المتحدة منذ 11 عام ...
- نزلاء السجون في الولايات المتحدة سيخيطون قمصانا رياضية للجيش ...


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - وسام الحسيني - كبر أبي ...