مزهر جبر الساعدي
الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 22:18
المحور:
الادب والفن
(أنها لعبة) قصة قصيرة
قلت لنفسي
:- لأجلس على المصطبة التي تعودنا، انا وصديقي اياد الجلوس عليها لسنتين خلت، منذ بدأنا معا، في يوم واحد، العمل في الجريدة.
المصطبة، تقع تحت شجرة سدر وارفة الاغصان في حدائق ابي نواس في قبال المنطقة الخضراء، يفصل نهر دجلة المنطقة الخضراء عن مبنى الجريدة. حيث مقر الحكومة والبرلمان والسفارة الامريكية؛ أذ تتوسط الاخيرة زند نهر دجلة او لا يفصلها عنه سواء شارع بممرين، اي انها والشارع يتوسدان كتف النهر، وعلى مقربة من مقر الجريدة، لا يفصل المصطبة عن بوابة الجريدة سوى الطريق بممريه ؛ حيث أعمل فيها منذ سنوات مع صديقي اياد، والصديقة المشتركة السيدة نوال العراقية الفلسطينية، والتي تعمل كما الشعلة، دؤوبة ومثابره في القسم السياسي للجريدة منذ عدة سنوات. دخلت الى القسم الثقافي في الدقائق الاولى من بداية المباشرة في عملنا لهذا اليوم وهي تقول لنا.
:- سأذهب الآن الى السفارة الامريكية، والتي هي قيد الانشاء. اروم ان اكتب تقريرا عنها؛ مساحتها، مرافقها، وكل شيء عنها. كانت الساعة تؤشر عقاربها الى الخامسة الا دقائق قليلة لا تتجاوز السابعة الا دقائق حسب مؤشرات عقارب ساعتي؛ وهي الساعة او الوقت الذي تقترب فيها الشمس كثيرا من الرحيل تاركة السماء لتحل بعد حين فيها نجوم الليل. لم تمض عليَ في جلستي وحيدا على المصطبة وفي هذا الغروب الحزين او أنا الحزين في الحقيقة؛ في انتظار صديقي الذي تركته منذ ما يقارب نصف ساعة على أمل ان يلتحق بي الى هذا المكان الذي تعودنا أنا وهو؛ ان نمضي بعض الوقت فيه؛ للتخلص من ضغط العمل في الجريدة وضغوطات الحياة، والتفجيرات والسيارات الملغمة، والاجواء المشحونة بالترقب والألم والدم الذي يسفك على كل الطرقات. في هذه اللحظة رأيت نوال وهي تخرج من بوابة الجريدة. كانت ترفع احد يديها الى الاعلى، وهي تؤشر جهتي. برزمة اوراق تمسكها بيدها المرفوعة الى الاعلى. عبرت الطريق بمساريه.
:- مساء الخير حسن. لماذا تجلس هنا وحيدا على هذه المصطبة؟
:- اهلا وسهلا بك، ست نوال. انتظر اياد صديقي فقد تركته قبل نصف ساعة في محلات الكرادة؛ كان يريد ان يبتاع هدية لأبنه بمناسبة عيد ميلاده السابع.
:- انظر الى هذا التقرير الذي كتبته عن مباني السفارة الامريكية، والتي هي في قيد الانشاء، إنما في المراحل الأخيرة. من ثم ناولتني التقرير الصحفي المكون من ثلاث صفحات.
:- أقرأ.. قالت
عندما وصلت الى مكان مباني السفارة الامريكية والتي ارتفعت وظهرت بشكلها النهائي تقريبا؛ وقفت على مبعدة منها. لم اتحرك خطوة واحدة، خانتني نفسي، وخانني جسدي ايضا. تسمرت في وقفتي كأن قوة هائلة وشديدة البأس شدتني الى الأرض التي وقفت عليها ثابتة كأن جسدي صار وتدا دُقَ عميقا في الارض تحتي. من ثم اخذ طوفان التخيلات تطوف في مخيلتي كأنها اشباح احس بدبيبها في رأسي كأنها تمشي ببطء وئيد في دروب دماغي. سألتني
:- كيف ادخل إليها وهي محاطة بكل هذا العدد الكبير من الجنود الامريكيين المدججين بالسلاح؟
اشعرتني وقفتي بألم ممض حتى ان رأسي كاد ينفجر من شدة الوجع والألم الذي بدأ يفتك في دماغي حتى وجدتني ادور بعيوني على جميع زوايا المكان. ساورتني فكرة ان اتراجع عن هذه المهمة والتي أنا من اختارها وفرضتها على رئيس التحرير الذي في البدء رفض ذلك، مع الحاحي قبل على مضض. جلت على الاشجار المعمرة وعلى الطرق الضيقة بينها. تحركت خطوات قليلة وانا ساورني هاجس العودة من غير ان اكتب تقريري هذا؛ فقد احسست بشيءِ ما، لم ترتاح له نفسي، او ان امرا يشبه العار او اي امرا من هذا القبيل كان قد تلبسني في هذه اللحظة. نظرت إليها، مباني السفارة، افترت عيناي عليها، عمال في حركة دائبة في صعود ونزول بين طوابقها، وأخرون يدرون حولها، اصواتهم تشتبك مع دوي الآلات. قلت لنفسي
:- كيف اعود من دون ان اكتب تقريري عن هذه التي هي الآن امامي، على مبعدة امتار؟ ماذا اقول لرئيس التحرير؟
اخيرا تغلبت على غضبي الملتهب في اعماق نفسي وعقلي. توقفت. ادرت وجهتي صوب مباني السفارة. حزمت امري وتقدمت. عندما اقتربت من الجنود الامريكيين؛ لم يسمحوا لي بالدخول الى المباني بحجة الضرورات الامنية. إنما بعد اصراري في اجراء او كتابة تقرير صحفي عن مباني السفارة الامريكية، وبعد عدد من الاسئلة عن هويتي، وعن مجال عملي، وعن الاتجاهات السياسية للجريدة التي اعمل فيها؛ مع كل هذه الاستفسارات لم يسمحوا لي بالدخول الى المباني والتي هي قيد الانشاء، وفي المراحل النهائية. بعد الالحاح من قبلي وبإرادة مني وبإصرار مني عنيد؛ تطوع احد الضباط الامريكيون بإعطائي صورة كاملة عن مباني السفارة من دون ان يسمح لي بالدخول فيها. قال
:- السفارة تقع على كتف نهر دجلة، بمساحة واسعة جدا، فيها مهبط للطائرات من ذات المراوح المتحركة، فيها ايضا ملاعب لكرة الطائرة والسلة وكرة القدم. فيها عدة قاعات، وايضا فيها نادي للترفيه. اضافة الى كل الخدمات الأخرى. قلت له
:- انها مدينة كاملة ومتكاملة
:- نعم مدينة كاملة، وهي أكبر سفارة للولايات المتحدة الامريكية ليس في الشرق الاوسط فقط، بل في كل العالم. ان الإدارة الامريكية او اقول لك جميع المؤسسات الامريكية من الكونغرس الى مجلس الشيوخ الى غيرهما كلهم ارادوا ان تكون سفارتنا هنا في العراق؛ عبارة عن مدينة متكاملة في الخدمات والترفيه والامن والى غير ذلك الكثير.
:- حسن، انظر. لقد جاء اياد.
رفعت رأسي عن الورقة التي كنت أقرأ فيها تقرير ست نوال والذي لم أقرأ سوى صفحة واحدة فقط منه. رأيته وهو يتهيأ لعبور الطريق المكون من ممرين، وجزرة وسطية تفصل بين الممرين، جزرة تعلوها من جانبيها اشجار معمرة، الواحدة منها بعيدة عن الأخرى بما لا يقل عن عشرة امتار، ان لم يكن اكثر. عندما ابصرته وهو يستعد للعبور. حضرني الوقت، قبل نصف ساعة عندما قال لي صديقي.
:- حسن صديقي سأذهب الى محلات الكرادة لجلب هدية لصغيري في عيد ميلاده السابع. انتظرني على ذات المصطبة، لن اتأخر كثيرا، ربما اقل من نصف ساعة. رأيته على الرصيف المقابل، يستعد للعبور. يحمل في يده اللعبة الهدية. لاحقا بعد ثواني تعرفت عليها. بندقية كأنها بندقية حقيقية، بندقية جيسي حديثة جدا، لا تظهر كأنها لعبة. وهو ينتظر فراغ الطريق من السيارات التي كانت في حينها مزدحمة في سيرها حتى يعبر الى جهتي، تتقدم كما السلحفاة في سيرها؛ اخرجها صديقي من الكارتون. طوح به الى جانبه. من ثم بدأ يهزها، تاليا، وجهها نحوي وهو يضحك. المفاجئة في هذه الثواني أو في اقل من ثانيتين تقدم من بين السيارات المتزاحمة على الطريق بممريه، لم انتبه له قبل هذه الثانية بسبب اكتظاظ الشارع بالسيارات؛ رتل من الهمرات الامريكية على الطريق. جميع السيارات تنحت الى الجانبين. صديقي ربما هو كما أنا؛ لم ينتبه الى الرتل الامريكي المتقدم، والذي اصبح على مقربة منه، صار امامه تماما. هكذا رسم خيالي تفسيرا لتصرفه، بعد الذي حدث في الثانية التالية بعد الثواني التي قبلها. فقد بدأ اياد في الثواني قبل هذه الثانية، وفي غمرة لهوه معي وجه فوهة البندقية اللعبة نحوي. في هذه الثانية التي تلت الثواني قبلها؛ تناهي الى مسمعي دوي الرصاصة. رأيته يسقط على الرصيف. في الوقت ذاته واصل الرتل الامريكي سيره من دون ان يتوقف ولو لثانية. صدمة، ذهول، مفاجئة، ألم، وجع، تخيل للحظة التي سبقت سقوط صديقي على اسفلت الرصيف، بسرعة ضوئية؛ كلها جعلتني في جزء الثانية التالية؛ اصرخ بكل ما في حنجرتي من قوة.. بحيث ابتلعت صرختي، صرخة نوال في الفضاء، فقد صرخنا معا بصرختين متزامنتين كأنهما صرخة واحدة.
:- اياد.. اياد...اياددددددددددددددددد.
خلال هذه الثواني، ربما لا اكثر؛ وجدتني فيها، في هذه الثواني؛ اتيه واضيع لا اعرف ما عليَ عمله. كانت نوال الى جانبي تبكي بكاءًا مرا. بصوت واحد، جماعي، غاضب، موجوع، متألم؛ صراخ صعد هادرا، مدويا، غاضبا من نوافذ كل السيارات
:- الامريكيون قتلوه
كاتب وقاص
#مزهر_جبر_الساعدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟