أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد حسب الرسول الطيب - أبو ذر الغفاري في الأدب الثوري العربي: النضال المباشر ضد الإقطاع والسلطة















المزيد.....

أبو ذر الغفاري في الأدب الثوري العربي: النضال المباشر ضد الإقطاع والسلطة


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 02:48
المحور: الادب والفن
    


1. تمهيد إبستمولوجي لقراءة أثرية

قبل الشروع في تفكيك النصوص الأدبية التي أعادت إنتاج رمزية أبي ذر الغفاري في المخيال الثوري العربي، لا بد من وقفة منهجية تحدد طبيعة العلاقة بين الحدث التاريخي وإعادة تشكله في الكتابة الأدبية. فالأدب هنا ليس وعاءً شفافاً ينقل سيرة زاهد من القرن الأول الهجري، بل هو ممارسة أيديولوجية تعيد إنتاج رمزية أبي ذر وفق أفقها السياسي المعاصر، وتؤسس له بوصفه بطلاً للنضال ضد الإقطاع والسلطة في سياق الصراع الطبقي العربي الحديث.

إن مسرحية صلاح عبد الصبور، ورواية عبد الحميد جودة السحار، وكتاب أحمد عباس صالح، وأعمال نجيب سرور وأمل دنقل ومظفر النواب، ليست توثيقاً تاريخياً بقدر ما هي استدعاء رمزي لشخصية تتيح لهؤلاء المبدعين أن يتحدثوا عن قضاياهم الراهنة عبر التاريخ. فكل عمل أدبي من هذه الأعمال هو بمثابة "مثقف عضوي" بحسب تعبير غرامشي، يحمل صوتاً طبقيّاً محدّداً في سياقه التاريخي الخاص. الكتابة عن أبي ذر في عصر النهضة العربية والقومية واليسار لم تكن حياديّة، بل كانت مشاركة في بناء وعي تاريخي نقدي يواجه الأنظمة القمعية التي تمثلت بالنسبة لهؤلاء الكتاب بـ"الإقطاع" و"السلطان" و"النظام السياسي الظالم".

السؤال الأساسي الذي تطرحه هذه المقالة ليس "من هو أبو ذر في التاريخ؟" بقدر ما هو "أي أبا ذر أعاد الأدب الثوري العربي إنتاجه؟" الإجابة تكمن في تفكيك ثلاث استراتيجيات سردية وأيديولوجية:

1. استراتيجية التقديس الثوري: تحويل الزاهد الورع إلى بطل ثوري يضحي بحياته في سبيل العدالة. هذا المسار يمثله جودة السحار وصلاح عبد الصبور اللذان قدّما أبا ذر كنموذج أخلاقي أعلى يفضح انحراف السلطة، ليندرج هذا الطرح في سياق الأدب القومي والأخلاقي الذي يبحث عن أبطال "مخلصين" يفشلون سياسياً ولكنهم ينتصرون أخلاقياً. فجودة السحار يضع دراسته عن الاشتراكية في الإسلام مدخلاً لفهم سيرة الرجل، ملمحاً إلى أن هناك "اشتراكية إسلامية" يمكن الاستدلال بها في النضال المعاصر.
2. استراتيجية الصراع الطبقي: تقديم أبي ذر كنموذج للصراع بين منطق المساواة ومنطق التراكم الإقطاعي. مسرحية صلاح عبد الصبور تعيد إنتاج أبي ذر كصوت "اليسار الديني" الذي يصطدم بالنظام السياسي، فيما يذهب كتاب أحمد عباس صالح إلى أبعد من ذلك عبر عرض أبي ذر في سياق الصراع بين التيارات اليمينية واليسارية في الإسلام. هذا التوجه يروّج لفكرة أن الصراع من أجل العدالة الاجتماعية ليس وليد العصر الحديث، بل هو جزء من بنية الإسلام الأخلاقية والسياسية التي أجهضتها النخب الحاكمة لاحقاً.
3. استراتيجية التأبين الشعري: توظيف أبي ذر كرمز تأبيني للشهداء والمضطهدين. قصائد أمل دنقل (كـ"كلمات سبارتكوس الأخيرة" و"إلى أبي ذر") ونجيب سرور في ديوانه "الأميات" ومظفر النواب في قصائده السياسية تستعير أبا ذر كمرآة لمعاناة الطبقات الفقيرة والمقهورة في العصر الحديث، وتحوله إلى أسطورة نضال تطغى فيها الدلالة الرمزية على الدقة التاريخية.

ويأتي في هذا السياق النص الشعري "صياعة مع الغفاري وأهل الله في زمن غلط" لمحمد الحسن سالم حميد، ليمثل امتداداً لهذه الاستراتيجية لكنه يتجاوزها إلى مستوى من المباشرة والوحشية في المواجهة، حيث لا يكتفي الشاعر باستدعاء أبي ذر كرمز تأبيني، بل يشركه مباشرة في المعركة، ويصوغ خطابه كنداء مباشر له: "بالذات الزيك يا أب ذر / بالذات الزيك لو جاء". القصيدة تضع أبا ذر في "زمن الزيف المنشر / والتشريعات العوجاء"، حيث تحولت قيم العدالة إلى نقائضها، وأصبح الصراع حول تأويل الدين نفسه الذي تستخدمه النخب لتبرير التراكم والقمع: "أجلاف كنزوها بلايين / والناس بي الله ويا آمين / بتحلحل دين الكنتين". كما ترسم القصيدة فضاءً عربياً موحداً من القمع ومحاكم التفتيش، حيث تتحول المدن العربية إلى سجون مفتوحة: "الأمن .. محاكم التفتيش / في كل المدن العربية". وتنتهي القصيدة بمصير المتمرد كالعزلة الحتمية، حيث يكتب الشاعر بنفسه مصير أي متمرد اليوم: "راح تفضل وحدك في البر / لا زوجة لا قطة ولا غطاء".

تشترك هذه الاستراتيجيات الثلاث في منحيْن رئيسيين: الأول هو نقل الصراع من الفردي إلى البنيوي، حيث يصبح أبو ذر رمزاً لمقاومة ظلم الإقطاع والسلطة، وليس مجرد رجل زاهد. والثاني هو تجاوز النص الديني الوصفي إلى الخطاب السياسي، حيث تتحول أحاديثه وآثاره إلى مبادئ اشتراكية أو تقدمية معاصرة. وهذا يحيلنا إلى موقف إشكالي في هذه القراءات الأدبية: هل نحن أمام إسقاط أيديولوجي يخلط التاريخ بالراهن، أم أمام اكتشاف مشروع لمواقف سياسية مضمرة في التراث الإسلامي وتم إجهاضها تاريخياً؟

غير أن هذه الأعمال الأدبية، رغم تنوعها وثرائها، تظلّ أسيرة النص الأدبي في لحظة حاسمة: فهي تنجح في خلق أسطورة نضالية ملهمة، وتفشل في تجاوز حدود التمثيل الرمزي نحو تحليل البنى الفعلية للسلطة والثروة. فالشخصية الأدبية، مهما كانت قوتها التخييلية، تبقى محكومة بشرطها الجمالي: أن تكون رمزاً، لا أداة تحليل. صحيح أنها تستدعي أبا ذر كسلاح في المعركة الأيديولوجية، لكنها تظلّ عاجزة عن تفكيك آليات الإنتاج الاقتصادي والاجتماعي التي تنتج التفاوت، وتكتفي بإعادة إنتاج صراع أخلاقي بين "الخير والشر" أو بين "الزاهد والسلطان". العزلة التي انتهى إليها أبو ذر في الربذة تُقرأ في هذه النصوص كشهادة فردية، لا كخسارة جماعية، وكبطولة تراجيدية، لا كدليل على حدود الاحتجاج الفردي في مواجهة بنية سلطوية متكاملة.

في هذا السياق، تبقى قصيدة محمد الحسن سالم حميد، رغم حدتها الثورية، أسيرة هذا المأزق نفسه: فهي تنقل أبا ذر إلى رصيف الزمن العربي المعاصر، وتجعله شاهداً على بشاعة الواقع، لكنها تنتهي إلى النياحة والتأبين، وإلى حضور "القديس الثوري" الذي لا يملك سوى الموت وحيداً كخيار أخير. القصيدة تنجح في خلق صورة صادمة للقمع، لكنها لا تقدم تحليلاً لبنى هذا القمع، ولا ترسم طريقاً للنضال الجماعي المنظم الذي يتجاوز العزلة الفردية. وكأن النص الأدبي، بحدوده الجمالية، لا يستطيع أن يذهب أبعد من الاستشهاد بالرمز، فيبقى حبيس دائرة التأبين التي لا تفضي إلى فعل سياسي جماعي.

إن "أبو ذر الغفاري" في الأدب الثوري العربي ليس سيرة تروى، بل قضية تمثل، ورمز يقاتل، وأسطورة تكتب في سياق الصراع ضد الإقطاع. هذا الاستدعاء النصي يحول التاريخي الأسطوري إلى أداة نضال، ويجعل من السيرة ميداناً للتنافس الأيديولوجي بين خطابين: خطاب أخلاقي رومانسي وآخر طبقي ثوري. لكن كلا الخطابين، في حدود النص الأدبي، يظل أسيراً لحظة التمثيل الرمزي، عاجزاً عن تجاوزها إلى فعل سياسي منظم يغير شروط الإنتاج التي تنتج الظلم والتفاوت. الدرس الذي تتركه هذه الأعمال، إذا قرئت من منظور مادي، ليس في قدرتها على استدعاء الماضي، بل في عجزها عن تجاوز حدود الاستعارة الشعرية نحو بناء وعي سياسي جماعي قادر على تغيير الحاضر.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 20. ملحق المفاهيم الأساسية والمراجع
- 19. البرنامج الانتقالي (5).. القوة الاجتماعية والتنظيم وآليا ...
- 18. البرنامج الانتقالي (4).. السلطة الشعبية والدولة الجديدة
- 17. البرنامج الانتقالي (3).. السيادة المالية وفك الارتباط وإ ...
- 16. البرنامج الانتقالي (2).. الاقتصاد الوطني والتحرر من اقتص ...
- 15. البرنامج الانتقالي (1).. وقف الحرب وإعادة بناء المجتمع م ...
- التسوية التي أعادت إنتاج اختلال القوة
- 14. الأزمة الإنسانية.. الاقتصاد السياسي للجوع في الحرب السود ...
- 13. الدولة السودانية.. كيف أعادت كل مرحلة إنتاج التحالف الطب ...
- 12. الإمبريالية والتبعية.. الحلقة المفقودة في رؤية حمدوك
- 11. الحوكمة.. إصلاح الدولة أم إعادة إنتاج الرأسمالية؟
- 10. العدالة الانتقالية.. محاكمات أم تفكيك بنية الحرب؟
- ملف المفقودين وصراع السرديات
- 9. الجيش.. جهاز الدولة الطبقي أم مؤسسة وطنية؟
- 8. الفيدرالية.. لامركزية السلطة أم لامركزية الفقر؟
- 7. الفصل بين الدين والدولة.. بين الحياد القانوني واستمرار ال ...
- 6. المواطنة المتساوية.. بين المساواة القانونية واللامساواة ا ...
- 5. الديمقراطية الليبرالية.. سلطة الصندوق أم سلطة رأس المال؟
- 4. البرجوازية الصغيرة.. حارس التوافق لا فاعل الثورة
- 3. الدولة المدنية.. مدنية لمن؟


المزيد.....




- -مجانين كتب-.. وصفة مصرية للتشجيع على القراءة
- -العيشة بقت تقصر الزعنفة-.. فنانون مصريون ينضمون لترند -شكاو ...
- يوغا وساري ورسومات بالحناء.. ألوان الهند تملأ موسكو (صور)
- أبعد من هتلر وستالينغراد.. -الدحيح- يعرض الرواية الآسيوية لل ...
- هل تعود ميغان ماركل إلى التمثيل مجدداً؟.. مراسلة CNN تكشف ال ...
- سناء شعلان: الكلمة لا تواجه الصاروخ.. ومعظم مثقفينا انتهازيو ...
- -شاهدنا هذا الفيلم من قبل-.. وزير خارجية إيران يرد -ساخرا- ع ...
- مسرح غوركي للفنون يستضيف حفلا لأغاني وقصائد يسينين
- من مرسوم كاترين الثانية إلى حرب دونباس.. معرض يوثق تاريخ نوف ...
- مسلسل -من الصعب أن تكون إلهاً- المقتبس عن رواية الأخوين سترو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد حسب الرسول الطيب - أبو ذر الغفاري في الأدب الثوري العربي: النضال المباشر ضد الإقطاع والسلطة