أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مديح الصادق - قراءةٌ نقديّةٌ في نص «سلامًا، وطنَ الشهداء» للدكتورِ القديرِ -مديح الصادق-. بقلم الناقدة ليلى صليبي















المزيد.....

قراءةٌ نقديّةٌ في نص «سلامًا، وطنَ الشهداء» للدكتورِ القديرِ -مديح الصادق-. بقلم الناقدة ليلى صليبي


مديح الصادق

الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 08:14
المحور: الادب والفن
    


ينتمي نصّ «سلامًا، وطنَ الشهداء» للدكتورِ "مديح الصادق" إلى القصيدةِ الوطنيةِ ذاتِ النفسِ الملحمي، حيثُ يتحوّلُ العراقُ من مجرّدِ جغرافيا إلى كيانٍ حيٍّ تتراكمُ في جسدِه طبقاتُ التاريخِ والحضارةِ والشهادةِ والمقاومةِ. ومنذُ العنوانِ، يضعُ الشاعرُ المتلقي أمامَ معادلةٍ وجدانيةٍ واضحةٍ: السلامُ تحيةٌ للوطنِ، والشهداءُ هم الذاكرةُ التي تمنحُه خلودَه.
يبدأُ النصُّ من أقصى الشمالِ، من «شيخا دار» إلى الجنوبِ، في حركةٍ شعريّةٍ تستوعبُ العراقَ جغرافيًّا وتاريخيًّا، وكأنَّ الشاعرَ يرسمُ خارطةَ الوطنِ بالحروفِ. ثمَّ يعودُ إلى نينوى وآشور وبانيبال، قبلَ أن يمتدَّ إلى أور، مستحضرًا البداياتِ الحضاريةَ للإنسانِ والكتابةَ والقانونَ. وهذه الإحالاتُ التاريخيةُ ليستْ مجرّدَ زينةٍ معرفية، بل تؤدي وظيفةً تأسيسيةً؛ فهي تمنحُ الوطنَ شرعيتَه الحضاريةَ، وتؤكّدُ أنَّ العراقَ في وعي الشاعرِ ليس وطنًا عابرًا، بل وطنٌ ضاربٌ في جذورِ التاريخِ.
وتبرزُ التناصاتُ التاريخيةُ والدينيةُ باعتبارِها من أهمِّ مرتكزاتِ النصِّ، ولا سيّما عندَ استحضارِ كربلاء والحسين:
«في كربلاءَ يكفي أنَّ حُسينًا لباغٍ ما انحنى».
هنا تنتقلُ القصيدةُ من التاريخِ إلى الرمزِ؛ فالحسينُ يصبحُ نموذجًا أبديًّا لمقاومةِ الظلمِ، وتتحوّلُ كربلاء إلى ذاكرةٍ أخلاقيّةٍ تتجاوزُ زمانَها ومكانَها، لتصبحَ درسًا للثائرين في العالمِ.
ومن أجملِ التقنياتِ التي اعتمدَها الشاعرُ تشخيصُ الوطنِ؛ فهو يخاطبُ العراقَ كما يخاطبُ إنسانًا حيًّا: «يا عراق»، «يا وطن الأحرار»، «وطن الشهداء». وبذلك تتحوّلُ العلاقةُ بين الشاعرِ والوطنِ إلى علاقةٍ وجدانيةٍ حميمةٍ، يتداخلُ فيها صوتُ الفردِ مع صوتِ الجماعةِ، ويصبحُ الشاعرُ لسانًا لذاكرةِ شعبِه.
كما يلفتُ النظرَ التضادُ الدلالي الذي ينهضُ عليه النصُّ: الشهداءُ في مقابلِ الطغاةِ، الحريةُ في مقابلِ الاستبدادِ، البقاءُ في مقابلِ الرحيلِ، الحياةُ في مقابلِ الموتِ. ولعلَّ العبارةَ:
«فكيف نحسبُهم موتى؛ وهم بيننا
أحياءٌ مدى الأزمانِ خالدون»
تمثّلُ جوهرَ الرؤيةِ الشعريةِ؛ فالموتُ هنا لا يعني الفناءَ، بل يتحوّلُ إلى شكلٍ من أشكالِ الخلودِ حين يقترنُ بالتضحيةِ من أجلِ الوطنِ.
ويحضرُ المكانُ بكثافةٍ لافتةٍ: كردستان، الفاو، بغداد، كربلاء، نينوى، أور. وهذه الأمكنةُ لا تُظهرُ كأسماءٍ جغرافيةٍ جامدةٍ، بل كذاكرةٍ متحركةٍ، يحملُ كلُّ موضعٍ منها طبقةً من طبقاتِ الهويةِ العراقيةِ. لذلك تبدو القصيدةُ أقربَ إلى ملحمةٍ مختصرةٍ للوطنِ، تستدعي الحضارةَ القديمةَ، والرموزَ الدينيةَ، ومقاومةَ الطغيانِ، وصولًا إلى العراقِ المعاصرِ.
أمّا من الناحيةِ الإيقاعيةِ، فقد اختارَ الشاعرُ بناءً حرًّا يتكئُ على التكرارِ والنداءِ والتوازي، وهي أدواتٌ تمنحُ النصَّ نبرةً خطابيةً عاليةً تتناسبُ مع موضوعِه الاحتفائي. ويتكرّرُ النداءُ «يا عراق» ليكونَ أشبهَ بلازمةٍ وجدانيةٍ تعيدُ القصيدةَ إلى مركزِها كلما اتسعتْ دائرةُ الاستطرادِ التاريخي. كما يمنحُ تكرارُ مفرداتٍ مثلَ الوطنِ، الأحرارِ، الشهداءِ، الطغاةِ النصَّ وحدةً دلاليّةً واضحةً.
وفي بعضِ المواضعِ، يطغى الخطابُ المباشرُ والتقريريةُ على الشعريةِ، خصوصًا حين تتوالى المعلوماتُ والإشاراتُ التاريخيةُ دونَ تكثيفٍ استعاري كافٍ. غيرَ أنَّ هذا الجانبَ يمكنُ فهمُه ضمنَ طبيعةِ النصِّ الملحمي الذي يتعمّدُ أحيانًا الاتساعَ والإفاضةَ، لأنَّ غايتَه الأساسيةَ ليستِ الهمسَ الوجدانيَّ، بل رفعَ صوتِ الانتماءِ واستعادةِ الذاكرةِ الوطنيةِ.
وتأتي النهايةُ منسجمةٌ مع البناءِ كلِّه إذ يعودُ الشاعرُ إلى التحيةِ الأولى:
«سلامًا لك يا وطني الحبيب»
ثم يرتقي الخطابُ إلى أقصى درجاتِ الفداءِ:
«فداكَ روحيَ، يا درّةَ الأكوان»
ليختتمَ بنداءِ «يا عراق»، وكأنَّ القصيدةَ بعدَ رحلتِها الطويلةِ في التاريخِ تعودُ إلى نقطةِ البدءِ: الوطنُ بوصفِه الحاضرَ والذاكرةَ والمصيرَ.
إنَّ قوةَ النصِّ الأساسيةِ تكمنُ في قدرتِه على جمعِ الجغرافيا بالتاريخِ، والحضارةِ بالشهادةِ، والذاكرةِ بالمقاومةِ، وفي تحويلِ العراقِ إلى شخصيّةٍ شعريّةٍ شاهقةٍ، لا تنكسرُ أمامَ العواصفِ ولا تنتهي برحيلِ الطغاةِ. إنّها قصيدةُ وفاءٍ لوطنٍ يرى الشاعرَ أنَّ خلودَه لا يُقاسُ بعمرِ أبنائِه، بل بما تركوه من أثرٍ في سجلِّ الحضارةِ والحريةِ.
«سلامًا، وطنَ الشهداء» قصيدةٌ تحملُ نبرةً وطنيةً صادقةً، وتؤسّسُ خطابَها على الاعتزازِ بالتاريخِ واستحضارِ رموز ِالتضحيةِ، لتقولَ في جوهرِها إنَّ الأوطانَ قد تنزفُ، لكنَّها لا تموتُ، وإنَّ الطغاةَ عابرون، فيما يبقى العراقُ — في ذاكرةِ الشاعرِ — أيقونةً للحضارةِ، وموطنًا للأحرارِ، ووطنًا للشهداءِ.
كلُّ الشكرِ والتقديرِ للدكتورِ"مديح الصادق" على قصيدتِه الوطنيةِ المضيئةِ «سلامًا وطنَ الشهداءِ»، قصيدةٌ تنبضُ بالوفاءِ وتُجسّدُ في حروفِها مجدَ الوطنِ وخلودَ الشهداءِ.
دامَ إبداعُكم ووهجُ قلمِكم.
...............
النصّ:
سلاماً، وطنَ الشُّهداء.... نصٌّ شعري.
مديح الصادق... من كندا.
من (شيخا دارَ) في أقصى الشَّمالِ
حتى أزكى بقعةٍ في الجنوب
من نينوى، حيثُ على العرشِ استوى
آشورُ بانيبال
وحولَ خاصرَيهِ احتشدَ الأبطال
من أبنائِكَ الفرسانِ، ليقهرَ الأعداءَ
فكمْ مِن قوافلَ كانت أمامَهم تترى!
تجرُّ أذيالَ الهزيمةِ والخذلان
وما ثلمتْ من جبينِكَ قطرةً، ولا انحنتْ القِبابُ
وما في المساجدِ أُبطِلَ الأذان
أو صمتتْ في الكنائسِ الأجراسُ
أو أَخرَسَ سيفُ جلادٍ أناشيدَ تُتلى
للوطنِ الكبيرِ وللناس
إلى أورَ، حيثُ علَّمْنا بني الإنسان
مفاتيحَ الحروفِ، وكيف يَحكمُ القُضاةُ بالميزان
في كلِّ شبرٍ لنا أثرٌ، وفي سِفرِ التواريخِ
ناصعةٌ لنا الصفْحاتُ في كلِّ العصورٍ
وفي كلِّ الأوان
في كربلاءَ يكفي أنَّ حُسيناً لباغٍ ما انحنى
ما قالَ أنعِم ولا نَعَم للظالمين
فكانَ درساً به اقتدى الثائرونَ في العالمين
الصابرونَ على الضيمِ أهلُكَ
القابضونَ على بطونِهم خِشيةَ أنْ ينالَهُم
ضعفُ جوعٍ، أو رهبةُ السُّلطان
وحين اشتدَّ ظلمُ باغٍ مقيتٍ
واستُبيحتْ الأرواحُ، وما يملكُ الأحرار
واستُرخِصتْ الدماء
كان صوتُكَ الأقوى، يا عراق
من ذُرى كردستانَ حيثُ كانَ
يشمخُ الثوار
فوقَ القممِ الشمّاءِ
حتى الفاوِ إذ هناكَ معاقلُ الأحرار
عروساً بثوبها الأبيضِ بغدادُ تبقى
وطوداً شامخاً يرتقي العراقُ
وقلعةً للحبِّ والسَّلام
للعاصفاتِ لا، لنْ ينحنِي
ولتسقطْ المؤامرات
كما تَنثرُ أوراقَ الخريفِ العاصفات
وعلى السواحلِ يُلقى زبدُ البحار
خائبينَ طغاةُ العصرِ يرحلونَ
وعالياً اسمُكَ يبقى كما الأعلامُ الراسيات
يا وطنَ الأحرارِ، موطنَ الثوار
يا وطنَ الشهداءِ
بهم أنعِم، وبهم أكرِم
أرواحُهُم على أكفِّهم حملوا، بزائلةٍ ما طمعوا
ولا استهوتْهم موائدُ الأعيان
فكيف نحسبُهم موتى؛ وهم بيننا
أحياءٌ مدى الأزمانِ خالدون
رحلَ الطغاةُ وشعبيَ باقٍ
يرحلُ الطغاةُ والعراقُ أيقونةُ البُلدان
سلاماً لك يا وطني الحبيبَ
فداكَ روحيَ، يا درّةَ الأكوان
وعِشْ عالياً، كما أنتَ...
يا عراق.



#مديح_الصادق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ في قصيدةِ (أستاذي… قالتْ) للدكتورِ ا ...
- قراءةٍ نقديّةٌ تحليليةٌ لقصيدةِ (أعودُ...) للدكتور القدير (م ...
- الناقدة (زهرة بن عزوز) قراءة نقدية لنص (أعود...) للشاعر مديح ...
- أعود...)، نصّ شعري
- (نسيتُكِ؛ لكنْ...) نصٌّ شعري
- قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ لقصيدةِ (نسيتُكِ لكنْ...) للأديبِ ال ...
- دراسة انطباعية تذوقية، بقلم الأديب هشام أحمد السح لقصة الدكت ...
- قراءة الناقدة (زهرة بن عزوز) لنصّ(اعترافاتُ عاشقٍ) للشاعر مد ...
- قراءة الشاعرة الناقدة (زهرة بن عزوز) لنصّ الشاعر مديح الصادق ...
- دراسةٌ نقديّةٌ في قصيدةِ (رسالتها...) للشاعِر (مديح الصادق). ...
- جدليّة الاستبداد والفوضى: قراءة سيميائيّة في قصّة (الشيخ شلن ...
- قراءةٌ موجزةٌ لنصِّ- الشيخِ شلندخ- للكاتبِ المبدعِ- مديح الص ...
- دراسةٌ بقلم الناقدة (ليلى صليبي) لقصيدةِ (صلاةٌ في حضرةِ الح ...
- (كيفَ...؟)... نصٌّ شعري
- قراءة الناقدة (ليلى صليبي) لقصيدةِ (كيف …..؟) للأديب (مديح ا ...
- قراءة نقدية في نص (تاج الأميرات) للشاعر مديح الصادق. الناقدة ...
- تاجُ الأميراتِ... لرأسِكِ... نصٌّ شعري
- قراءة الناقدة ليلى صليبي لنصِّ: (تاج الأميرات) للأديب (مديح ...
- قراءة الناقدة (زهرة بن عزوز) لنصّ الأديب مديح الصادق (تاجُ ا ...
- عن أيّة ديمقراطيةٍ تتحدَّثون؟


المزيد.....




- سوبيانين: ترميم أكثر من 30 موقعا للتراث الثقافي في موسكو خلا ...
- من قلعة بني حماد إلى بجاية.. كيف غيّر البحر مصير الدولة الحم ...
- -على طريقة الأفلام-.. كاميرات توثق اغتيال زعيم مافيا القوقاز ...
- -الحياة بعد الموت- يحصد الجائزة الكبرى في مهرجان -كوروتشي- ا ...
- بدل الأجراس.. يوم المعرفة في روسيا يبدأ بأغان شهيرة من الحقب ...
- مرشحة للرئاسة الأمريكية تدعو إلى تعزيز التبادل الثقافي مع رو ...
- نجم الكوميديا اللبناني صلاح تيزاني يرد على المغرضين: -أنا هن ...
- كيف بدأت فكرة موسوعة غينيس؟
- بمناسبة المولد النبوي الشريف.. الفنان طارق فؤاد في ضيافة صوت ...
- عرض موسيقي تفاعلي عن الطفولة في مهرجان نوافير الخريف ببيترغو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مديح الصادق - قراءةٌ نقديّةٌ في نص «سلامًا، وطنَ الشهداء» للدكتورِ القديرِ -مديح الصادق-. بقلم الناقدة ليلى صليبي