أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مديح الصادق - قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ في قصيدةِ (أستاذي… قالتْ) للدكتورِ السامقِ (مديح الصادق) بقلم الأديبة الناقدة (ليلى صليبي)















المزيد.....

قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ في قصيدةِ (أستاذي… قالتْ) للدكتورِ السامقِ (مديح الصادق) بقلم الأديبة الناقدة (ليلى صليبي)


مديح الصادق

الحوار المتمدن-العدد: 8787 - 2026 / 8 / 4 - 10:16
المحور: الادب والفن
    


القراءةُ النقديةُ:
تقومُ هذه القصيدةُ على خطابٍ وجدانيٍّ مباشرٍ، يتّخذُ من العلاقةِ بين “الأستاذ” و”التلميذة” معادلًا رمزيًّا لعلاقةٍ تتجاوزُ حدودَ التعليمِ إلى فضاءٍ روحيٍّ وإنسانيٍّ وعاطفيٍّ رحبٍ، حيثُ يغدو الأستاذُ صورةً للملهمِ، والمرشدِ، والمخلِّصِ، بل يتحوّلُ إلى مركزِ الكونِ الوجداني الذي تدورُ حولَه الذاتُ المتكلمةُ.
منذُ المطلعِ:
“علِّمني أبجديتَكَ التي بها تميَّزت…”
يُنشئُ الشاعرُ ثنائيةً أساسيةً بينَ المعرفةِ والافتتانِ، فطلبُ التعلّمِ لا يقتصرُ على اكتسابِ اللغةِ، بل هو توقٌ إلى امتلاكِ مفاتيحِ العالمِ الذي يمثّلُه الأستاذُ. وهنا تتجاوزُ الأبجديةُ معناها اللغوي لتصبح رمزًا للرؤيةِ، ولطريقةِ الوجودِ، وللجمالِ نفسِه.
ويُحسنُ الشاعرُ استثمارَ صورةِ الطفلةِ التي تقولُ:
“كأيِّ طفلٍ صغيرٍ يجهلُ ما حولَه…”
فالطفولةُ هنا ليستْ عمرًا، بل حالةُ براءةٍ كاملةٍ واستعدادٍ للتلقي. إنّها صورةٌ تمنحُ الخطابَ صدقًا وعفويةً، وتؤسّسُ لعلاقةٍ تقومُ على الثقةِ المطلقةِ والانبهارِ.
ثمَّ ينتقلُ النصُّ إلى منطقةٍ أكثرَ شاعريةً حينَ يجعلُ من التصحيحِ اللغوي فعلًا حميمًا:
“ما خطَّت يدي صحِّحْهُ لي…”
فالتصحيحُ لم يعدْ إجراءً لغويًّا، وإنّما صارَ طقسًا وجدانيًّا، حتى إنَّ الحركاتِ الإعرابيةَ تتحوّلُ إلى موضوعِ عشقٍ:
“وأقبّل باشتهاءٍ كلَّ الحركاتِ التي إلى وضعِها أعدتَها.”
وهذه من أكثرِ صورِ القصيدةِ ابتكارًا؛ إذ يمنحُ الشاعرُ العلامةَ اللغويةَ حياةً حسيةً، ويجعلُ من فعلِ التعليمِ فعلًا عاطفيًّا خالصًا.
وفي القسمِ الأوسطِ تتّسعُ دائرةُ الخطابِ من التعليمِ إلى العشقِ الروحي. فالليلُ، والوحدةُ، والسهرُ، والهمسُ، والخيالُ، كلُّها عناصرُ تنتمي إلى الحقلِ الرومانسي، لكنّها لا تُقدَّمُ كونُها زينةً بلاغيةً، بل باعتبارِها امتدادًا للحاجةِ النفسيةِ إلى حضورِ الآخرِ. ويبرزُ ذلك في قولِه:
“ما غيرُ خيالِكَ يؤنسُ وحدتي.”
فالغيابُ هنا لا يلغي الحضورَ، بل يحوّلُ الذاكرةَ إلى وطنٍ بديلٍ.
ويبلغُ النصُّ ذروةَ انفعالِه في مقاطعِ القسمِ الأخيرِ، حيثُ تتصاعدُ اللغةُ من الاعترافِ إلى الإعلانِ، ومن الهمسِ إلى الجهرِ:
“سأُحرِقُ الدواوينَ التي قبلَكَ دوَّنتُها…”
إنّها صورةٌ تقومُ على المبالغةِ الفنيّةِ، لا بقصدِ الإلغاءِ الحقيقي، وإنّما لتأكيدِ أنَّ التجربةَ الجديدةَ أحدثتْ انقلابًا وجدانيًّا جعلَ ما قبلَها فاقدًا لقيمتِه في نظرِ المتكلمةِ
كما أنَّ إعلانَ الحبِّ:
“للكون أُعلن… أني أحبك.”
يمنحُ القصيدةَ خاتمةً دراميةً واضحةً، تنتقلُ فيها الذاتُ من دائرةِ السرِّ إلى فضاءِ التصريحِ، فتكتملُ بذلك البنيةُ التصاعديةُ للنصِّ.
على المستوى الفني، اعتمدَ الشاعرُ قصيدةَ النثرِ ذاتَ النفسِ الغنائي، موظّفًا التكرارَ بوصفِه عنصرًا بنائيًّا لا مجرّدَ وسيلةً إيقاعيةً؛ فتكرارُ النداءِ “أستاذي” يمنحُ النصَّ وحدةً موسيقيةً ويُرسّخُ مركزيةَ المخاطَبِ في البناءِ النفسي. كما أسهمتِ الجملُ القصيرةُ المتتابعةُ، وكثرةُ النداءاتِ، وأفعالُ الأمرِ، في تكوينِ إيقاعٍ داخليٍّ يتلاءمُ مع حرارةِ الانفعالِ.
أمّا المعجمُ، فقد جاءَ موزّعًا بين حقليْنِ متداخليْنِ: حقلِ المعرفةِ (الأبجدية، الحروف، التصحيح، الحركات، الدواوين)، وحقلِ العاطفةِ (القلب، الروح، الحضن، القبل، الليل، الوحدة، الأمان)، وقد نجحَ الشاعرُ في دمجِهما حتى غدتِ اللّغةُ نفسُها موضوعًا للحبِّ، وأصبحَ التعليمُ استعارةً للعشقِ الروحي.
ورغمَ هذا الثراءِ، فإنَّ القصيدةَ تميلُ في بعضِ مواضعِها إلى الإطالةِ وتكرارِ الفكرةِ الواحدةِ بصيغٍ متعدّدةٍ، ولا سيما في المقاطعِ الأخيرةِ، حيثُ كانَ من الممكنِ أن يحقّقَ التكثيفُ أثرًا شعريًّا أشدَّ، لأنَّ كثافةَ العاطفةِ لا تستلزمُ دائمًا كثرةَ القولِ. كما أنَّ بعضَ الصورِ تعتمدُ التصريحَ المباشرَ أكثرَ من اعتمادِها الإيحاءَ، وهو ما يقلّلُ قليلًا من مساحةِ مشاركةِ القارئِ في إنتاجِ الدلالةِ.
في مجملِها، تُقدّمُ القصيدةُ تجربةً وجدانيّةً صادقةً، تقومُ على تحويلِ العلاقةِ بين المعلّمِ وتلميذتِه إلى رمزٍ لعلاقةِ الإنسانِ بمصدرِ نورِه ومعرفتِه وإلهامِه. وقد استطاعَ الدكتور مديح الصادق أن ينسجَ نصًّا يفيضُ بالبوحِ، تتعانقُ فيه اللغةُ مع الوجدانِ، وتتحوّلُ فيه الحروفُ من أدواتِ كتابةِ إلى جسورِ محبّةٍ، ومن علاماتِ إعرابٍ إلى علاماتِ حضورٍ، في قصيدةٍ تؤمنُ بأنَّ الكلمةَ الجميلةَ قادرةٌ على أن تكونَ وطنًا، وأنَّ المعلّمَ الحقَّ قد يغدو في وجدانِ مريديه أكثرَ من معلّمٍ؛ يغدو ذاكرةً، وملهمًا، ومعنىً للحياةِ.
كلُّ التقديرِ لشخصِكم الكريمِ ودامَ يراعُكم نابضًا بالجمالِ ورسالتُكم الادبيةُ مشرقةً بالعطاءِ.
.........................
النصّ:
أستاذي... قالتْ
علِّمني أبجديتَكَ التي بِها تميَّزتَ
وأفهِمْني ما تعنيهِ حروفُكَ
كأيِّ طفلٍ صغيرٍ يجهلُ ما حولَهُ
باللهِ عليكَ، افتحْ لي صدرَكَ،
وارحمْ جَهلِي
صغيرةٌ بينَ يديكَ، قُربَكَ أبغي
لقربِكَ ألفَ حجَّةٍ، وحجَّةٍ أدَّعي
ما خطَّتْ يدي صحِّحْهُ لي؛ مرَّةً، ومرَّةً
أُضمِّنُ القصيدةَ أخطاءً افتعلتُها، حتّى
أُعطِّرَ أنفاسي بما خطَطْتَهُ
وأُقبِّلَ باشتهاءٍ كلَّ الحركاتِ
التي إلى وضعِها أعدْتَها
أمّا حينَ لَيلِي يجِنُّ، وما غيرُ شمعتي مؤنسي
ساعةَ همسُ العاشقينَ خلفَ الجدارِ
يقضُّ مضجعِي...
ما غيرُ خيالِكَ يؤنسُ وحدتِي
وليسَ سوى ما بهِ، أنتَ تجودُ من دُررِ الكلامِ
بلسمُ جرحِي، وشافِي عِلَّتي
إن خاصَمَ النومُ جَفنِي؛ فتلكَ سعادتِي
لأنَّكَ- رغمَ حُرَّاسي- مُضاجِعِي
وما غيرُكَ، رغم ما حوليَ- يُؤنسُ وحدتي
بكلِّ ما حُقَّ لي أنْ أُقسِمَ؛ أُقسِمُ
أستاذيَ، البعيدَ، القريبَ مِنْ مَرقدِي
رغمَ أصفادِي، وما بهِ مِنْ قيودٍ بمِعصمِي
عبرَ الأثيرِ؛ إليكَ روحي تطيرُ
بحاراً تخوضُ، برمشةِ جفنٍ فيافيَ تقطعُ
وفي أحضانِكَ دعْها؛ تستقرُّ
وما الأمانُ إلاّ بدفءِ حضنِكَ غايتِي
آهٍ، وألفُ آهٍ، لبُعدِكَ عنِّي...
إليكَ، أُستاذي، مِنّي؛ ألفَ قُبلةٍ، وقُبلةٍ...
إليكَ قلبي، وكلَّ جوارحي، وما بهِ ينبضُ
الصغيرُ الّذي إليكَ يهفو
قريرَ العينِ نَمْ...
فأنتَ سلطانِي، وأنتَ ما على غيرِكَ عَزَّ؛ مالِكٌ
وأنتَ الذي لو إرباً قطَّعوني؛ فارسِي الّذي
ما غيرَهُ اخترتُ...
إلّا إليكَ روحِي ما هفَتْ
وما على غيرِ رسمِكَ أجفاني أُطبِقَتْ
يا صادق العهد، ويا...
للعِشقِ وللشِعرِ؛ أنتَ مُلهمِي...
سأُحرِقُ الدواوينَ التي قبلَكَ دوَّنتُها
ومنابرَ الخَطابةِ والشِعرِ أرتقي
عاريةً من كلِّ أرديتِي
للكونِ أُعلنُ، لا خوفٌ، ولا خجلٌ
أنِّي أُحِبُّك،
أُستاذي... الّذي...



#مديح_الصادق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءةٍ نقديّةٌ تحليليةٌ لقصيدةِ (أعودُ...) للدكتور القدير (م ...
- الناقدة (زهرة بن عزوز) قراءة نقدية لنص (أعود...) للشاعر مديح ...
- أعود...)، نصّ شعري
- (نسيتُكِ؛ لكنْ...) نصٌّ شعري
- قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ لقصيدةِ (نسيتُكِ لكنْ...) للأديبِ ال ...
- دراسة انطباعية تذوقية، بقلم الأديب هشام أحمد السح لقصة الدكت ...
- قراءة الناقدة (زهرة بن عزوز) لنصّ(اعترافاتُ عاشقٍ) للشاعر مد ...
- قراءة الشاعرة الناقدة (زهرة بن عزوز) لنصّ الشاعر مديح الصادق ...
- دراسةٌ نقديّةٌ في قصيدةِ (رسالتها...) للشاعِر (مديح الصادق). ...
- جدليّة الاستبداد والفوضى: قراءة سيميائيّة في قصّة (الشيخ شلن ...
- قراءةٌ موجزةٌ لنصِّ- الشيخِ شلندخ- للكاتبِ المبدعِ- مديح الص ...
- دراسةٌ بقلم الناقدة (ليلى صليبي) لقصيدةِ (صلاةٌ في حضرةِ الح ...
- (كيفَ...؟)... نصٌّ شعري
- قراءة الناقدة (ليلى صليبي) لقصيدةِ (كيف …..؟) للأديب (مديح ا ...
- قراءة نقدية في نص (تاج الأميرات) للشاعر مديح الصادق. الناقدة ...
- تاجُ الأميراتِ... لرأسِكِ... نصٌّ شعري
- قراءة الناقدة ليلى صليبي لنصِّ: (تاج الأميرات) للأديب (مديح ...
- قراءة الناقدة (زهرة بن عزوز) لنصّ الأديب مديح الصادق (تاجُ ا ...
- عن أيّة ديمقراطيةٍ تتحدَّثون؟
- سلاماً، وطنَ الشُّهداء.... نصٌّ شعري.


المزيد.....




- -قد أزور السعودية قريبًا-.. فنان أمريكي مراهق يكشف لـCNN بال ...
- خمس حقائق غير معروفة عن مارينا تسفيتايفا.. الشاعرة التي جعلت ...
- ساحة الملحمة في جرش تحيي صناعات أردنية تراثية
- مواهب من روسيا والعالم تجتمع في موسكو ضمن المنتدى الثقافي ال ...
- مصر.. إلغاء العرض الخاص لفيلم -الجواهرجي- بعد وفاة شقيق محمد ...
- فيلم -الأوديسة- ينعش سياحة صقلية بنصف مليار دولار
- -فخٌّ أطاح بالشاه ويهدد ترمب-.. هكذا جددت الحرب الأمريكية ال ...
- فيلم -سبايدر مان- الجديد يحقق إيرادات 927 مليون دولار عالميً ...
- نوع من الحبوب يحسن التمثيل الغذائي ويحارب تراكم الدهون في ال ...
- في قلب جبال سوتشي.. -روزا خوتور- يعرّف السياح العرب على ثقاف ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مديح الصادق - قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ في قصيدةِ (أستاذي… قالتْ) للدكتورِ السامقِ (مديح الصادق) بقلم الأديبة الناقدة (ليلى صليبي)