أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مديح الصادق - جدليّة الاستبداد والفوضى: قراءة سيميائيّة في قصّة (الشيخ شلندخ) للدكتور مديح الصّادق بقلم: حبيبة أديب















المزيد.....

جدليّة الاستبداد والفوضى: قراءة سيميائيّة في قصّة (الشيخ شلندخ) للدكتور مديح الصّادق بقلم: حبيبة أديب


مديح الصادق

الحوار المتمدن-العدد: 8706 - 2026 / 5 / 15 - 08:22
المحور: الادب والفن
    


تبحث هذه الورقة في القصّة القصيرة “الشيخ شلندخ” للدكتور مديح الصّادق، مستعرضةً آليّات اشتغال الخطاب السرديّ في تعرية أنساق السلطة والتبعيّة. تركّز الدراسة على سيميائيّة المكان والمفارقة الدراميّة كأدوات بنائيّة كشفت عن التحالف الرمزيّ بين السلطة المحليّة والإرادة الاستعماريّة، وصولاً إلى تحليل “العبثيّة” كأداة لقمع الوعي الطبقيّ.
1. عتبة العنوان: رمزيّة الهدم والتشويه
يبدأ النصّ من عنوان إشكاليّ؛ فاسم “شلندخ” يمثّل انزياحاً عن الوقار المتوقّع في مفردة “الشيخ”. هذا التنافر الصوتيّ والاشتقاقيّ يهيّئ القارئ لولوج عالم “كاريكاتوريّ” مشوّه، حيث لا تعود المشيخة قيمةً اجتماعيّة، بل تتحوّل إلى قناع لممارسة التسلّط.
2. الفضاء المكانيّ: ثنائيّة البذخ والعدم
اتّكأ السارد على تقنيّة المقابلة الضدّيّة في رسم ملامح المكان، ممّا خلق فجوة سيمانتيكيّة (دلاليّة) عميقة:
• الديوان (مركز الثقل): فضاء مشبع بالحركة والامتلاء (ذهب، رصاص، موسيقى، ولائم). هو مكان “الاستهلاك” الّذي لا ينتج سوى الصخب الفارغ.
• القرية (الهامش): فضاء “الخواء” و”العواء”. استعار الدكتور مديح الصّادق مفردات الطبيعة (الريح، الكلاب) ليوضّح تحوّل الإنسان في ظلّ الجوع إلى كائن بيولوجيّ يبحث عن البقاء.
3. شخوص النصّ: مثلّث الهيمنة
نجح الدكتور مديح الصّادق في حصر أزمة المجتمع في مثلّث بنيويّ يتكرّر في التاريخ السياسيّ:
• الشيخ (السلطة التنفيذيّة): يمثّل “النرجسيّة السياسيّة” الّتي تعيش على المدح المستأجر (المهوال).
• أبو ناجي (المركز الاستعماريّ): يمثّل المستفيد “الصامت”؛ حضوره العسكريّ والرمزيّ يمنح الشرعيّة للشيخ مقابل امتصاص ثروات الأرض (المحصول).
• المفتي والمستشارون (الجهاز الأيديولوجيّ): يمثّلون أخطر عناصر النصّ، وهم القائمون على “صناعة التبرير”. هؤلاء هم من يحوّلون الظلم إلى “اتّفاق” ويحوّلون الجوع إلى “كذب” أو “كسل”.
4. المفارقة السوداء وعبثيّة الحلول
تتجلّى عبقريّة النصّ في الانتقال من الواقعيّة الاجتماعيّة إلى الكوميديا السوداء عند معالجة “أزمة البصل”. حين يقرّر المفتي أنّ “الذنب ذنب البصل”، فإنّه يمارس عمليّة إنتاج “الوعي الزائف” (False Consciousness). إنّها محاولة لإقناع المقهورين بأنّ معاناتهم ليست نتاج النهب، بل نتاج “شهيّتهم” للحياة.
5. الخاتمة السرديّة: اقتلاع الوجود
تأتي الخاتمة (اقتلاع شتلات البصل) كفعل رمزيّ يمثّل “الانتحار الجمعيّ” أو “الامتثال القسريّ للظلم”. إنّ إلقاء البصل في النهر هو إعلان عن انتصار المنطق العبثيّ للسلطة على المنطق الفطريّ للبقاء.
التوصية النقديّة:
تُعدّ قصّة “الشيخ شلندخ” أنموذجاً للأدب الّذي يوظّف السخريّة المريرة كأداة للنقد السياسيّ والاجتماعيّ. لقد استطاع الدكتور مديح الصّادق، عبر لغة مكثّفة وصور بصريّة حادّة، أن يرتقي بواقعة محلّيّة إلى قضيّة إنسانيّة عامّة تناقش جذور التخلّف وآليّات عمل الأنظمة الشموليّة.
وبهذا، نجح الدكتور مديح الصّادق في توظيف الشخصيّة النمطيّة في السرد المعاصر ليعيد صياغة الواقع المرير في إطار قصصيّ يمزج بين التوثيق التاريخيّ والرمزيّة العبثيّة، ممّا جعل من “الشيخ شلندخ” نموذجاً عابراً للزمان والمكان.
ولعلّ ما يمنح هذا النصّ قيمته الأعمق، أنّه يفتح الباب أمام مساءلة أوسع لعلاقة السلطة بالوعي، وحدود الطاعة الجماعيّة، وكيف يمكن للعبث أن يتحوّل، عبر الزمن، إلى نظامٍ مقبول في الوعي الاجتماعيّ.
تحياتي وتقديري🌷
النص: قصة قصيرة.
بدلال تمايلت أجسادهنَّ الغضَّة التي لم تكتمل عليها بعدُ خارطة البلوغ، ينفشن الشعور طويلة بكل الاتجاهات، تارة للأمام ينحنين، وتارة أخرى يستدرن للخلف؛ كما يشتهي ضارب الطبل، وعازف الرباب، يشاطرهما مغنٍّ استحضر أبيات مهوال أجير، خال نفسه الشيخ شلندخ من سماعها أنه جلالة الإمبراطور، بسيل من رشقات المسدس لها يستجيب، إذ تحْتَ القدمين صندوق الرصاص، عباءة طرَّزت حواشيها خيوط الذهب الخالص من نسيج خاص، عقال أميري مُقصَّب، تماشياً وهزّات أجساد الصغيرات طرباً يهتزّ، طوّقت خصورهنَّ أحزمة من فئات العشرة الدنانير التي كانت واحدة منها تُطعم العشرات من عوائل الفقراء، الذين يبيت صغارهم جوعى، صرعى يتضوَّرون.
تباهياً منه أشعل سيجار ضيفه القائد الإنجليزي بواحدة من الوريقات، أبو ناجي ببدلته العسكرية التي تطرِّزها ما لا يقرؤه الحاضرون- من شيخهم حتى أصغر تابع مُجبراً نال من سلطانه الثمن البخس إذ باع الضمير- من نياشين، وهو يكتفي بابتسامة نصر صفراء حين يطرق سمعه ما ردَّد المهوال من مديح يخصّ اسمه به. بوليمة دسمة فاخرة بمقامات الضيوف الكبارتليق سيختم الحفل، وهدايا ثمينة من خابية الشيخة استلَّها وهي مزهوَّة تشعر بالفخر؛ فسلاسل (اللير الحميدي) سوف تطوق أعناق الإنجليزيات.
أكواخ القرية خاوية تهزّها الريح من كل صوب، كلابهم تعوي مثل صغارهم جوعاً، وما نالهم من نصيب حاصل الموسم الماضي إلّا النزر القليل، ومنهم من أوشك مخزونهم منه على النفاد، وآخرون باتوا من أمرهم بحيرة؛ أيعلنون المجاعة وهذا مالا يجرؤ عليه القرويون، فهم، وإن ماتوا جوعاً؛ كرامتهم لا يبيعون؟ أم مِن جيرانهم المفلسين مثلهم يجرؤون فيقترضون؟ وكلا الخيارَين لديهم صعب المنال، فمنهم مَن غادروا الدنيا وهم لا يملكون درهماً من ثمن العلاج، وهناك مَن على وجهه هام طلباً لّلقمة حمّالاً أو خادماً في مدن الضياع، هارباً بجلده من سوط الجلّاد، والحل في مثل هذا الموقف عند الحكيم، والحكيم لمن بات بلا مأوى ينحاز، قد يتبعه من يرتضي الرأي منه، أو به يستخفّ مَن فقد اللبّ، أو ارتضى الذل من جبّار.
لقد نفد المخزون من الطعام، الجوع يقتلنا، يا حضرة الشيخ؛ صاح آخر: مروءتك (يا محفوظ).
- افتحوا الأبواب لهم كي يأكلوا من بقايا الطعام، وبعدها أبلغوهم بألّا يعاودوا اقتحام حرمة الديوان.
- لا، يا مقام شيخنا الجليل، ما من أجل بقايا الطعام جئنا، وخلفنا صغاراً تركنا ونساء على طوى بطونهم يبيتون، جد لنا حلّاً، أو أقرضنا ممّا لديك من مخزون، أفاد الحكيم.
في مثل ذا الحال يُنتدب المُختارون، وهم مستشاروه، ومَن عند الضرورة يُفتي بما يُرضيه، كما من قبل أفتى بأنَّ (حصته الكبرى من المحصول) تحصيل اتفاق بين المالك والمملوك، وأن الاعتراض على السلطان كبير ذنب ليس له غفران، معلم القرية المُذنب، فهو يحرّض التلاميذ وأهلهم على استهلاك مزيد الطعام.
مستشار آخر قال: لا، هم بلا عمل عاطلون غير التسكع لا يجيدون، لا همَّ لهم سوى التهام الخبز والطبيخ في كل الوجبات، فليشغلهم شيخنا بتكرار حفر القنوات.
انبرى المُفتي هنا بحلٍّ على بال أحد لم يخطر قط: (الذنب ذنب البصل)، أيُّها الحضور؛ فهو يثير الشهيَّة لأكل المزيد من الخبز، وبذلك نفد مخزون الفلاحين من الطعام.
انفرجت أساريره، وهزَّ (الشيخ شلندخ) رأسه بالرضى.
عند الفجر، مياه النهر طافت بها شتلات البصل المخلوع من الجذور.



#مديح_الصادق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءةٌ موجزةٌ لنصِّ- الشيخِ شلندخ- للكاتبِ المبدعِ- مديح الص ...
- دراسةٌ بقلم الناقدة (ليلى صليبي) لقصيدةِ (صلاةٌ في حضرةِ الح ...
- (كيفَ...؟)... نصٌّ شعري
- قراءة الناقدة (ليلى صليبي) لقصيدةِ (كيف …..؟) للأديب (مديح ا ...
- قراءة نقدية في نص (تاج الأميرات) للشاعر مديح الصادق. الناقدة ...
- تاجُ الأميراتِ... لرأسِكِ... نصٌّ شعري
- قراءة الناقدة ليلى صليبي لنصِّ: (تاج الأميرات) للأديب (مديح ...
- قراءة الناقدة (زهرة بن عزوز) لنصّ الأديب مديح الصادق (تاجُ ا ...
- عن أيّة ديمقراطيةٍ تتحدَّثون؟
- سلاماً، وطنَ الشُّهداء.... نصٌّ شعري.
- إلى حبيبتي... الأولى الأخيرة... نصُّ شعري 2025
- تسعونَ ولم يَشِخْ... للذكرى التِّسعين لميلاد أبي الثُّوار... ...
- ثورةُ شَكٍّ... نصٌّ شِعري.
- غُروبٌ... نصٌّ شعري.
- محاضرات في البلاغة ح10 (من أبواب علم المعاني الإيجاز والإطنا ...
- محاضرات في البلاغة مح11 (من أبواب علم المعاني الإطناب).
- محاضرات في البلاغة مح 9 (من أبواب علم المعاني، القصر).
- لقاءٌ... نصٌّ شعري.
- محاضرات في البلاغة مح 8 (من أبواب علم المعاني الإنشاء الطلبي ...
- محاضرات في البلاغة مح7 (من أبواب علم المعاني، الإنشاء الطلبي ...


المزيد.....




- ست صور تروي قصة الثورة الثقافية في الصين قبل 60 عاماً
- فانس يشبّه نفسه ببطل فيلم «وحدي في المنزل» خلال غياب ترمب في ...
- من فريدي ميركوري إلى مايكل جاكسون.. أفلام تعيد تسويق نجوم ال ...
- تحديا لآثار الحرب: بائعو الكتب في الخرطوم يحولون الأرصفة إلى ...
- مهرجان كان السينمائي: المخرج الإيراني أصغر فرهدي يعود إلى ال ...
- حفظ الهوية الفلسطينية.. معركة على الذاكرة والحق في الرواية
- -الطاهي يقتل.. الكاتب ينتحر-.. حين تصبح الكتابة مطبخا لإعادة ...
- فان ديزل وأبطال سلسلة -ذي فاست أند ذي فيوريوس-... نجوم السجا ...
- مهرجان كان السينمائي- لماذا يبدو الحضور العربي خجولا في هذه ...
- مهرجان كان يحتفي بمرور ربع قرن على فيلم -السريع والغاضب-


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مديح الصادق - جدليّة الاستبداد والفوضى: قراءة سيميائيّة في قصّة (الشيخ شلندخ) للدكتور مديح الصّادق بقلم: حبيبة أديب