أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مديح الصادق - قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ لقصيدةِ (نسيتُكِ لكنْ...) للأديبِ القديرِ الدكتور (مديح الصادق) بقلم الأديبة الناقدة ليلى صليبي.














المزيد.....

قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ لقصيدةِ (نسيتُكِ لكنْ...) للأديبِ القديرِ الدكتور (مديح الصادق) بقلم الأديبة الناقدة ليلى صليبي.


مديح الصادق

الحوار المتمدن-العدد: 8762 - 2026 / 7 / 10 - 03:21
المحور: الادب والفن
    


يُقيمُ هذا النصُّ بنيتَه على مفارقةٍ مركزيةٍ تتجلّى منذ العنوان: “نسيتُكِ؛ لكنْ…”. فالفعلُ “نسيتُ” يبدو للوهلةِ الأولى إعلانًا لحسمٍ عاطفيٍّ، غيرَ أنّ “لكنْ” المفتوحةُ على الاحتمالِ تنقضُ هذا الادّعاءَ، وتحوّلُ القصيدةَ بأسرِها إلى محاكمةٍ للذاتِ، لا إلى خطابٍ موجَّهٍ إلى الحبيبةِ. ومن هنا تنشأُ الطاقةُ الدراميةُ للنصِّ؛ إذ يصبحُ كلُّ دليلٍ يسوقُه الشاعرُ لإثباتِ النسيانِ شاهدًا على استحالتِه.
اعتمدَ الشاعرُ تقنيةَ التكرارِ البنائي لعبارةِ “نسيتُكِ”، لكنّها لم تأتِ لازمةً إيقاعيةً فحسبُ، بل تحوّلتْ إلى محورٍ دلاليٍّ تتراكمُ حولَه صورُ التناقضِ. فكلّما أعلنَ النسيانُ، أعقبَ ذلك اعترافٌ جديدٌ بالوفاءِ: يحرقُ الدفاترَ، ثمَّ يجدُ صورتَها منقوشةً بين جوانحِه؛ يمحو الاسمَ من الأوراقِ، لكنّه يعجزُ عن محوِه من الذاكرةِ؛ يمنعُ البحر َوالبلابلَ من حملِ رسائلِها، بينما يبقى صوتُها وحدَه قادرًا على إيقاظِه من غفوتِه. وهكذا يتقدّمُ النصُّ من الخارجِ إلى الداخلِ، ليؤكّدَ أنَّ الذاكرةَ ليستْ مكانًا يمكنُ إحراقَه أو شطبَه.
وتتجلّى براعةُ الشاعرِ في توظيفِ الصورِ الحركيةِ التي تمنحُ النصَّ حياةً متدفّقةً. فالأفعالُ: أحرقتُ، شطبتُ، جمعتُ، نقشتُ، سقيتُ، أبلغتُ، طوّقتُ، توحي بمحاولاتٍ متواصلةٍ لإلغاءِ الماضي، غيرَ أنّها تنتهي جميعًا إلى نتيجةٍ معاكسةٍ؛ إذ يتحوّلُ كلُّ فعلٍ للمحوِ إلى فعلٍ جديدٍ من أفعالِ التذكّرِ. وهذه الحركةُ الدّائمةُ تكشفُ صراعًا نفسيًّا بين العقلِ الذي يريدُ القطعَ، والقلبِ الذي يصرُّ على البقاءِ.
أمّا الصورةُ الشعريةُ، فجاءتْ قائمةً على تشخيصِ المعنوياتِ وإحياءِ الجماداتِ. فالصورُ تُناجى، والزهورُ تُسقى بالدمعِ، والبحارُ تُخاطَبُ، والبلابلُ تُؤمرُ ،والصوتُ يتحوّلُ إلى قاضٍ في محكمةِ الضميرِ. وهذه التشخيصاتُ لم تُستخدمْ للزينةِ البلاغيةِ، بل أدّتْ وظيفةً نفسيّةً عميقةً؛ إذ وسّعَتْ دائرةَ الحضورِ حتى غدَتِ الطبيعةُ كلُّها شاهدةً على قصةِ الحبِّ.
ولم يكتفِ الشاعرُ بالحنينِ، بل أضفى على النصِّ بعدًا وجوديًّا حينَ جعلَ الذكرى سلطةً أخلاقيّةً تحاكمُه. ففي قولِه: “صوتُكِ… محكمةٌ يُقاضيني” ينتقلُ النصُّ من مستوى العاطفةِ إلى مستوى الضميرِ، فتغدو الحبيبةُ رمزًا لذاكرةٍ لا تُغادرُ الإنسانَ مهما حاولَ التنصّلَ منها.
لغويًّا، اتّسمَ النصُّ بجزالةِ العبارةِ ووضوحِها، مع ميلٍ إلى الجملِ الفعليةِ التي منحتِ الإيقاعَ حيويةً وانسيابًا، بينما أسهمَ التكرارُ، والنداءاتُ، وصيغُ القسمِ في تكثيفِ الانفعالِ دونَ افتعالٍ. كما حافظَ الشاعرُ على توازنٍ بينَ الصورةِ والبوحِ، فلمْ تطغَ البلاغةُ على حرارةِ الشعورِ.
وفي مجملِه، يقدّمُ الأديب المبدع الدكتور "مديح الصادق" نصًّا يقومُ على فلسفةٍ دقيقةٍ مفادُها أنَّ النسيانَ الحقيقيَّ ليس قرارًا يُتّخذُ، بل حالةٌ لا يملكُها القلبُ إذا استوطنتْ فيه المحبةُ. لذلك جاءتْ كلمةُ “لكنْ” في نهايةِ النصِّ معلّقةً دون جوابٍ، لأنّها تختصرُ الحقيقةَ كلَّها: فما دامَ هناك “لكنْ”، فإنَّ النسيانَ لم يحدثْ بعد، ولن يحدثَ.
إنّها قصيدةٌ تُحسنُ تحويلَ التناقضِ إلى جمالٍ، والاعترافِ إلى بناءٍ شعريٍّ متماسكٍ، فتغدو تجربةً إنسانيةً صادقةً يلتقي عندها الوجدانُ بالفنِ، ويصبحُ الصمتُ الذي يلي كلمةَ “لكنْ” أبلغَ من كلِّ ما قيلَ قبلَها.
تحيّةُ تقديرٍ للشاعرِ الدكتور "مديح الصادق" على هذا النصِّ الذي يبرهنُ أنَّ القصيدةَ الصادقةَ لا تكتفي بسردِ العاطفةِ، بل تكشفُ أعماقَ النفسِ وهي تتأرجحُ بين إرادةِ النسيانِ واستحالةِ الفقدِ.
..............................
النصّ:
(نسيتُكِ؛ لكنْ...) نصٌّ شعري
مديح الصادق... من كندا.
نعم، نسيتُكِ حتّى...
دفاتري التي حملتْ عناوينُها اسمَكِ
أحرقتُها...
ودواويني التي من وحي حبِّكِ
ساعةَ النَّجوى نظمتُها
شطبتُ ما أنْ ببعضٍ تزاوجتْ
روحانا، وواحداً صرنا
لعلِّي خيالَكِ أطردُ إنْ
ساعةَ ضعفٍ زارَني
جمعتُ كلَّ الهدايا التي أهديتِني
وذكرياتٍ على كلِّ جذعٍ
أوجدارٍ، أوطريقٍ؛ نقشتُها
كلُّ العاشقينَ جمعتُهم؛ وأبلغتُهم
أنَّ من وحيِ الخيالِ
وليس أسطورةً؛ كما أدَّعوا
كانَ ما بينَنا
لقد نسيتُكِ؛ أُقسِم... لكنْ لم أزلْ
صوراً كلَّ فجرٍ أُناجي
على الحوائطِ؛ بلْ بين جوانحِي
نقشتُها
أرعى الزُّهورَ التي لامستْ كفَّيكِ
ومِن دمعيَ السَّاخنِ قد سقيتُها
كما مقلتاكِ مِن فرطِ شوقٍ
ذاتَ يومٍ رويتُ؛ فأينعتُها
بين وجوهِ النِّساءِ أبحثُ عن
ملامحِ حسناءَ قد تُشبِهُ رسمَكِ
وعن عينَينِ ساعةَ ألقيتُ أسلحتِي
أسرنَني؛ فسلَّمتُ أمري لها
لقد نسيتُكِ... واللهِ؛ لكنْ
صوتُك ما زالَ، وإنْ حظيتُ بغفوةٍ
يُوقظُني، محكمةً يُقاضيني
عن ذنبٍ جنَيتُ ولستُ بأدري
أطيافَكِ عنِّيَ كفِّي
وصوتَكِ عن إيقاظيَ أحجمِي
احجبِي رسمَكِ عنّي فقد
نسيتُك؛ بل محوتُ اسمَكِ من دفاتري
أبلغتُ البحارَ ألّا
رسالةَ منكِ تأتي لي
وطوَّقتُ البلابلَ ألّا
تغرِّدَ باسمِكِ أغنيةً صغتُ لحنَها
نسيتُكِ... صدِّقينِي
لكنْ...
........................



#مديح_الصادق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دراسة انطباعية تذوقية، بقلم الأديب هشام أحمد السح لقصة الدكت ...
- قراءة الناقدة (زهرة بن عزوز) لنصّ(اعترافاتُ عاشقٍ) للشاعر مد ...
- قراءة الشاعرة الناقدة (زهرة بن عزوز) لنصّ الشاعر مديح الصادق ...
- دراسةٌ نقديّةٌ في قصيدةِ (رسالتها...) للشاعِر (مديح الصادق). ...
- جدليّة الاستبداد والفوضى: قراءة سيميائيّة في قصّة (الشيخ شلن ...
- قراءةٌ موجزةٌ لنصِّ- الشيخِ شلندخ- للكاتبِ المبدعِ- مديح الص ...
- دراسةٌ بقلم الناقدة (ليلى صليبي) لقصيدةِ (صلاةٌ في حضرةِ الح ...
- (كيفَ...؟)... نصٌّ شعري
- قراءة الناقدة (ليلى صليبي) لقصيدةِ (كيف …..؟) للأديب (مديح ا ...
- قراءة نقدية في نص (تاج الأميرات) للشاعر مديح الصادق. الناقدة ...
- تاجُ الأميراتِ... لرأسِكِ... نصٌّ شعري
- قراءة الناقدة ليلى صليبي لنصِّ: (تاج الأميرات) للأديب (مديح ...
- قراءة الناقدة (زهرة بن عزوز) لنصّ الأديب مديح الصادق (تاجُ ا ...
- عن أيّة ديمقراطيةٍ تتحدَّثون؟
- سلاماً، وطنَ الشُّهداء.... نصٌّ شعري.
- إلى حبيبتي... الأولى الأخيرة... نصُّ شعري 2025
- تسعونَ ولم يَشِخْ... للذكرى التِّسعين لميلاد أبي الثُّوار... ...
- ثورةُ شَكٍّ... نصٌّ شِعري.
- غُروبٌ... نصٌّ شعري.
- محاضرات في البلاغة ح10 (من أبواب علم المعاني الإيجاز والإطنا ...


المزيد.....




- مسؤول أميركي يدعي: ?واشنطن لا ?تزال ملتزمة ?بإيجاد ?حل مع إي ...
- الثقافة السورية تدعو الفنان فضل شاكر لزيارة دمشق تكريما لموا ...
- روسيا وفلسطين توقعان مذكرة لتوثيق ومعالجة التراث الثقافي رقم ...
- روسيا تلتزم بترميم المعالم التاريخية والثقافية المتضررة
- صالون السينما السعودية المستقلة: مبادرة تنطلق من باريس تعكس ...
- نجوم الفن في مصر ينتفضون لدعم حسام حسن بعد -دراما الأرجنتين- ...
- بوتين يوجه بحزمة إجراءات لدعم اللغة الروسية وتعزيز مكانتها ع ...
- موسم مسرحي حافل بالعروض الأولى في موسكو
- فيلم -ابن مين فيهم-.. الكوميديا تجمع مجددا بين ليلى علوي وبي ...
- مريدون في ريو يحتفلون بيوم زي بلينترا بالموسيقى والرقص والدع ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مديح الصادق - قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ لقصيدةِ (نسيتُكِ لكنْ...) للأديبِ القديرِ الدكتور (مديح الصادق) بقلم الأديبة الناقدة ليلى صليبي.