أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فارس حامد عبد الكريم - العدالة المشنوقة تحت لوحتها















المزيد.....

العدالة المشنوقة تحت لوحتها


فارس حامد عبد الكريم

الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 00:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


"العدالة تُقاس بما يحدث للإنسان عندما يختلف مع السلطة، لا بما تكتبه السلطة عن العدالة".
ثمة حقائق سياسية وأخلاقية تتكرر في تاريخ الدول والحضارات، حتى تكاد تبدو كأنها قوانين في حركة الاجتماع السياسي: قد يستمر الملك زمناً مع الكفر، لكنه لا يستطيع أن يستمر طويلاً مع الظلم؛ لأن الظلم لا يهدم علاقة الحاكم بالمحكوم فحسب، بل يهدم الأساس الأخلاقي الذي تقوم عليه شرعية السلطة.
ومن هنا تبدو المفارقة مؤلمة حين تُعلَّق عبارة «العدل أساس الملك» أو الآية الكريمة (وشاورهم في الأم) فوق مكتب حاكم مستبد
فالعبارة او الآبة لا تمنح المكان عدالة تلقائية، ولا تمنح الحاكم مشروعية؛ بل قد تتحول، في ظل الممارسة المناقضة لها، إلى شاهد إدانة معلق فوق رأس السلطة.
فالظلم حين يُمارس باسم العدالة أشد قسوة من الظلم الصريح؛ لأن الظلم الصريح يكشف نفسه، أما الظلم الذي يرتدي ثوب القانون والعدالة فيحاول أن يسلب الضحية حتى حقها في تسمية ما وقع عليها ظلماً.
وهنا تظهر إحدى أخطر حيل الاستبداد خطورة: إعادة تعريف المفاهيم بدلاً من الالتزام بها.
حينما ينظر المستبد الى الحرية بإعتبارها فوضى، والمعارضة خيانة، والنقد مؤامرة، والطاعة وطنية، والقمع حفاظاً على الأمن، والاستئثار بالقرار وحدةً وطنية.
وحتى العدالة يمكن أن يجري اختزالها إلى مجرد مساواة حسابية في القمع، فيقال ضمناً: ما دام الجميع يخضعون للبطش نفسه، فقد تحقق العدل!
لكن المساواة في الظلم ليست عدلاً؛ لأن العدالة لا تقاس بتساوي الناس في مقدار القهر الذي يتعرضون له، وإنما بتساويهم في الحقوق والضمانات أمام القانون.
وهنا يدخل مفهوم العدل في أخطر مناطق الانحراف: حين يصبح تابعاً لتعريف السلطة له، لا معياراً تحاكم السلطة نفسها إليه، فالعدالة تفقد معناها عندما يكون الحاكم هو المعيار الوحيد الذي يحدد ما هو عادل وما هو ظالم، ثم يستخدم مؤسسات الدولة لإجبار المجتمع تحت وقع سياط الجلادين على قبول تعريفه.
والأخطر من ذلك أن المستبد قد لا يكون جاهلاً بالنصوص التي تدعو إلى العدل والشورى والمساءلة، بل قد يكون مطلعاً عليها بشكل كامل.
وقد يضعها على منضدته أمامه، ويكتبها على الجدران، ويكررها في الخطب، ثم يمارس نقيضها تماماً.
وهنا تصبح عبارة «وشاورهم في الأمر» مثلاً مثالاً بالغ الدلالة.
فإذا كتبها الحاكم على مكتبه، ثم جعل المشورة مجرد إجراء شكلي، أو أحاط نفسه بمن لا يقولون إلا ما يريد سماعه، او استشير وأنا من يختار أو يعاقب من يخالف رأيه، فإن العبارة تتحول من مبدأ للحكم إلى قطعة من الديكور السياسي.
الشورى الحقيقية ليست أن يستمع الحاكم إلى الآخرين فحسب، وإنما أن يكون لرأيهم وجود حقيقي في صناعة القرار.
ولذلك فإن جوهرها يلتقي مع أحد المبادئ الأساسية في النظام الجمهوري الحديث: ألا تكون السلطة إرادة فردية مطلقة، وإنما سلطة مقيدة بالدستور والقانون والمؤسسات والرقابة وحق المجتمع في الاختلاف.
ومن هنا فإن الجمهورية لا تُقاس باسمها، ولا بعدد الشعارات المعلقة على جدران مؤسساتها، وإنما بمدى قدرة مؤسساتها على منع السلطة من التحول إلى استبداد.
فالديمقراطية إذا عُزلت عن مؤسسات الضبط والرقابة والفصل بين السلطات وحماية الحقوق، قد تتحول إلى مجرد لوحة جميلة على جدار سياسي.
أما حين تتحول إلى قواعد حقيقية تحمي حق الاختلاف، وتصون حرية الرأي، وتضمن تداول السلطة، وتخضع الحاكم والمحكوم للقانون، فإنها تصبح روح الجمهورية وعماد دولة القانون.
وحينما يفرق الحاكم بين القوي والضعيف وبين الغني والفقير تتحول العدالة الى مسرحية قاسية

العدالة المشنوقة تحت لوحتها
فارس حامد عبد الكريم
"العدالة تُقاس بما يحدث للإنسان عندما يختلف مع السلطة، لا بما تكتبه السلطة عن العدالة".
ثمة حقائق سياسية وأخلاقية تتكرر في تاريخ الدول والحضارات، حتى تكاد تبدو كأنها قوانين في حركة الاجتماع السياسي: قد يستمر الملك زمناً مع الكفر، لكنه لا يستطيع أن يستمر طويلاً مع الظلم؛ لأن الظلم لا يهدم علاقة الحاكم بالمحكوم فحسب، بل يهدم الأساس الأخلاقي الذي تقوم عليه شرعية السلطة.
ومن هنا تبدو المفارقة مؤلمة حين تُعلَّق عبارة «العدل أساس الملك» أو الآية الكريمة (وشاورهم في الأم) فوق مكتب حاكم مستبد
فالعبارة او الآبة لا تمنح المكان عدالة تلقائية، ولا تمنح الحاكم مشروعية؛ بل قد تتحول، في ظل الممارسة المناقضة لها، إلى شاهد إدانة معلق فوق رأس السلطة.
فالظلم حين يُمارس باسم العدالة أشد قسوة من الظلم الصريح؛ لأن الظلم الصريح يكشف نفسه، أما الظلم الذي يرتدي ثوب القانون والعدالة فيحاول أن يسلب الضحية حتى حقها في تسمية ما وقع عليها ظلماً.
وهنا تظهر إحدى أخطر حيل الاستبداد خطورة: إعادة تعريف المفاهيم بدلاً من الالتزام بها.
حينما ينظر المستبد الى الحرية بإعتبارها فوضى، والمعارضة خيانة، والنقد مؤامرة، والطاعة وطنية، والقمع حفاظاً على الأمن، والاستئثار بالقرار وحدةً وطنية.
وحتى العدالة يمكن أن يجري اختزالها إلى مجرد مساواة حسابية في القمع، فيقال ضمناً: ما دام الجميع يخضعون للبطش نفسه، فقد تحقق العدل!
لكن المساواة في الظلم ليست عدلاً؛ لأن العدالة لا تقاس بتساوي الناس في مقدار القهر الذي يتعرضون له، وإنما بتساويهم في الحقوق والضمانات أمام القانون.
وهنا يدخل مفهوم العدل في أخطر مناطق الانحراف: حين يصبح تابعاً لتعريف السلطة له، لا معياراً تحاكم السلطة نفسها إليه، فالعدالة تفقد معناها عندما يكون الحاكم هو المعيار الوحيد الذي يحدد ما هو عادل وما هو ظالم، ثم يستخدم مؤسسات الدولة لإجبار المجتمع تحت وقع سياط الجلادين على قبول تعريفه.
والأخطر من ذلك أن المستبد قد لا يكون جاهلاً بالنصوص التي تدعو إلى العدل والشورى والمساءلة، بل قد يكون مطلعاً عليها بشكل كامل.
وقد يضعها على منضدته أمامه، ويكتبها على الجدران، ويكررها في الخطب، ثم يمارس نقيضها تماماً.
وهنا تصبح عبارة «وشاورهم في الأمر» مثلاً مثالاً بالغ الدلالة.
فإذا كتبها الحاكم على مكتبه، ثم جعل المشورة مجرد إجراء شكلي، أو أحاط نفسه بمن لا يقولون إلا ما يريد سماعه، او استشير وأنا من يختار أو يعاقب من يخالف رأيه، فإن العبارة تتحول من مبدأ للحكم إلى قطعة من الديكور السياسي.
الشورى الحقيقية ليست أن يستمع الحاكم إلى الآخرين فحسب، وإنما أن يكون لرأيهم وجود حقيقي في صناعة القرار.
ولذلك فإن جوهرها يلتقي مع أحد المبادئ الأساسية في النظام الجمهوري الحديث: ألا تكون السلطة إرادة فردية مطلقة، وإنما سلطة مقيدة بالدستور والقانون والمؤسسات والرقابة وحق المجتمع في الاختلاف.
ومن هنا فإن الجمهورية لا تُقاس باسمها، ولا بعدد الشعارات المعلقة على جدران مؤسساتها، وإنما بمدى قدرة مؤسساتها على منع السلطة من التحول إلى استبداد.
فالديمقراطية إذا عُزلت عن مؤسسات الضبط والرقابة والفصل بين السلطات وحماية الحقوق، قد تتحول إلى مجرد لوحة جميلة على جدار سياسي.
أما حين تتحول إلى قواعد حقيقية تحمي حق الاختلاف، وتصون حرية الرأي، وتضمن تداول السلطة، وتخضع الحاكم والمحكوم للقانون، فإنها تصبح روح الجمهورية وعماد دولة القانون.
وحينما يفرق الحاكم بين القوي والضعيف وبين الغني والفقير تتحول العدالة الى مسرحية يُخرجها النفوذ، وتُعرض على أجساد المظلومين.
ولذلك فإن أكثر المشاهد مأساوية ليست أن تختفي العدالة من المكان، وإنما أن تبقى صورتها معلقة بينما تُشنق حقيقتها تحتها.
فاللوحة لا تصنع العدالة، والنص لا يصنع دولة القانون، والشعار لا يصنع جمهورية.
ايقونة: العدل اساس المُلك
العدالة تُقاس بما يحدث للإنسان عندما يختلف مع السلطة، لا بما تكتبه السلطة عن العدالة.
وعندما يصبح القانون سيفاً في يد الحاكم لا قيداً على يده، تصبح العبارة المعلقة فوقه دليلاً عليه لا دليلاً له،
عندها تكون العدالة قد شُنقت تحت لوحتها.
ولذلك فإن أكثر المشاهد مأساوية ليست أن تختفي العدالة من المكان، وإنما أن تبقى صورتها معلقة بينما تُشنق حقيقتها تحتها.
فاللوحة لا تصنع العدالة، والنص لا يصنع دولة القانون، والشعار لا يصنع جمهورية.
ايقونة: "العدل اساس المُلك"
العدالة تُقاس بما يحدث للإنسان عندما يختلف مع السلطة، لا بما تكتبه السلطة عن العدالة.
وعندما يصبح القانون سيفاً في يد الحاكم لا قيداً على يده، تصبح العبارة المعلقة فوقه دليلاً عليه لا دليلاً له،
عندها تكون العدالة قد شُنقت تحت لوحتها.
------
*النائب الاسبق لرئيس هيئة النزاهة الاتحادية



#فارس_حامد_عبد_الكريم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الطاغية والمحكمة والصحف المسترجعة .. وتناقضات الانفصال عن ال ...
- لماذا يخون الخائنون؟
- فلسفة الدولة الحديثة: التحول من البحث عن الحاكم الفاضل إلى ا ...
- التأصيل القانوني للرقابة السابقة على العقود الحكومية
- فيلسوف القانون الجنائي بيكاريا: -الاب الروحي للقانون الجنائي ...
- المحاكمة العلنية للفاسدين ..… ضمانة للعدالة ورسالة ردع عامة
- على فكرة!
- نظرية الدرج (صياغة جديدة لمعادلة مكافحة الفساد)
- مبدأ التناسب في القانون: أداة لتحقيق العدالة والتوازن بين ال ...
- نظرية الدرج: صياغة جديدة لمعادلة مكافحة الفساد
- مقترح لإعادة هيكلة القطاع الصحي في العراق في ضوء التجارب الم ...
- الذكاء الاصطناعي ومستقبل مكافحة الفساد: من الرقابة التقليدية ...
- هل كان النعش فارغاً أم ممتلئاً؟-
- عندما يتحول الاختلاف إلى جريمة: حرية التعبير كضرورة حضارية
- الأثر التدميري المزدوج لإكتناز الاموال الناتجة عن الفساد
- المبادئ العامة لمكافحة الفساد -رؤية في فلسفة مكافحة الفساد-
- فقدان البصيرة الأخلاقية والذهول الشعبي العام
- خطبة في خطر الفساد - بمناسبة الحملة الوطنية لمكافحة الفساد
- الفرق بين شارح القانون والفقيه القانوني (نظرة في الفرق بين ا ...
- انتصار النزاهة ودحر الفساد


المزيد.....




- الانتخابات ولم الشمل الفلسطيني.. ماذا دار في لقاء رئيس المخا ...
- -البديل من أجل ألمانيا- يعتزم سحب البلاد من منطقة اليورو وات ...
- رقائق حيوية متوهجة تكشف أمراض القلب من خلال الآثار الجزيئية ...
- بريطانية ترتدي زيّاً تنكريّاً مختلفاً يومياً على مدار عام، ف ...
- أكسيوس: اجتماع بين وزير خارجية سوريا ورئيس الموساد لخفض التص ...
- مصر تنفي طرد مواطنيها من الإمارات وتؤكد: التأشيرات تصدر بشكل ...
- عند صخرة كيركغارد... نستعيد كامل شياع
- البحر المتوسط يبتلع 11 مهاجرا تونسيا.. حلم أوروبا ينتهي بمأس ...
- عندما تهتز الأرض وترتج ـ قوة الزلزال وحدها لا تحدد حجم الكار ...
- زيلينسكي ينفي أي دور لأوكرانيا في تفجير خطي أنابيب -السيل ال ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فارس حامد عبد الكريم - العدالة المشنوقة تحت لوحتها