أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - مصطفى المنوزي - حين يؤدّب القضاء الدستوري المؤسسة التشريعية: من تمثيل الأمة إلى أخلاق العناية الدستورية















المزيد.....

حين يؤدّب القضاء الدستوري المؤسسة التشريعية: من تمثيل الأمة إلى أخلاق العناية الدستورية


مصطفى المنوزي

الحوار المتمدن-العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 18:51
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


قد تكون إحدى أهم الدلالات المفترضة أو الضمنية غير المباشرة لقرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 م.د، الصادر في 10 غشت 2026 في الملف عدد 317/26 بشأن إحالة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، أنه لم يضع قانوناً بعينه فقط أمام مرآة الدستور، بل وضع المؤسسة التشريعية نفسها أمام مرآة مسؤوليتها الدستورية.
فالمحكمة لم تصل إلى فحص دستورية القانون موضوع الإحالة، بسبب النقص الذي شاب ملفها. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة القرار باعتباره يحمل، إلى جانب دلالته الإجرائية المباشرة، وظيفة تأديبية مؤسساتية بالمعنى الدستوري لا الزجري: تذكير المؤسسة التشريعية بأن تمثيل الأمة ليس امتيازاً سياسياً، وأن تحريك الرقابة الدستورية ليس مجرد إجراء بروتوكولي، وأن الدولة الدستورية لا تقوم بالنصوص وحدها، وإنما كذلك بجودة العناية التي تبذلها المؤسسات في تفعيلها.
إنها، بهذا المعنى، واقعة تستدعي الانتقال من مساءلة دستورية القانون إلى مساءلة دستورية السلوك المؤسساتي المنتج للقانون والمرافق لمساره.
أولاً: المحكمة الدستورية لا تؤدب الأشخاص بل السلوك المؤسساتي :
ينبغي منذ البداية تحرير مفهوم «التأديب» من معناه العقابي المباشر ، فليس المقصود أن المحكمة الدستورية تمارس سلطة تأديبية على البرلمان أو رئيسه، وإنما أن القضاء الدستوري يؤدي، من خلال قراراته، وظيفة تقويمية وتربوية مؤسساتية: فهو يرسم الحدود، يكشف الاختلال، ويذكر كل سلطة بأن الشرعية الدستورية لا تتعلق بما تملكه من اختصاصات فقط، بل أيضاً بكيفية ممارستها ؛ بهذا المعنى يصبح القرار الدستوري رسالة إلى المؤسسة قبل أن يكون جزاءً على النص. فحين تتوقف المحكمة أمام نقص في إحالة صادرة عن مؤسسة دستورية، فإنها تقول، بصورة غير مباشرة، إن الانتقال إلى الدولة الدستورية يفترض مستوى من الجدية المؤسساتية يجعل استكمال شروط ممارسة الرقابة جزءاً من المسؤولية نفسها لأن الدستور لا يحمي نفسه بنفسه بل إنه يحتاج إلى مؤسسات تتعامل معه باعتباره التزاماً يومياً، لا مجرد مرجع أعلى تستدعى عباراته في المناسبات.
ثانياً: تمثيل الأمة ليس وكالة سياسية بيضاء :
يكتسب الأمر أهمية أكبر بالنظر إلى الموقع الدستوري للبرلمان ؛
فالبرلمانيون لا يمثلون دوائرهم أو أحزابهم أو أغلبيتهم السياسية فحسب؛ إنهم، دستورياً، يستمدون نيابتهم من الأمة ؛ والمال العمومي المتعلق بتعويضاتهم يقوي ويضخم من المسؤولية القانونية قبل السياسية ، ويقتضي ذلك افتحاص متعدد للمنجز !
وإن هذه الفكرة أعمق من مجرد قاعدة في القانون البرلماني.
فتمثيل الأمة يعني أن السلطة التشريعية تمارس اختصاصاتها باسم جماعة سياسية أوسع من الأغلبية الظرفية، وأوسع من الحكومة، وأوسع حتى من المصالح المهنية أو الاجتماعية المتصارعة حول قانون معين ، ولذلك فإن التمثيل يخلق واجب عناية ، فكلما ارتفعت قيمة الاختصاص ارتفعت درجة العناية الواجبة في ممارسته.
وإذا كانت المؤسسة التشريعية تملك سلطة إنتاج قواعد ملزمة للجميع، فإن عليها بالمقابل واجباً مشدداً في ضمان سلامة المساطر التي تحيط بإنتاج هذه القواعد ومراقبتها. وهذه العبارة ينبغي أن تعلق على باب المؤسسة التشريعية وتدون فخمة في بطاقة كا برلماني . ومن هنا يمكن صياغة قاعدة أخلاقية دستورية بسيطة: من يمثل الأمة لا يملك فقط سلطة الكلام باسمها؛ بل يتحمل واجب العناية بالضمانات التي تحميها من أخطاء السلطة نفسها.
ثالثاً: من أخلاق المسؤولية إلى أخلاق العناية :
يمكن لقرار المحكمة أن يفتح أمام الفقه الدستوري مدخلاً قلما يحظى بالاهتمام: أخلاق العناية المؤسساتية ؛ فالعمل الدستوري لا يحتاج فقط إلى احترام حرفي للاختصاصات، وإنما يحتاج إلى يقظة ودقة وتحقق واستباق للنتائج ؛ لأن العناية هنا ليست فضيلة شخصية أو إحساناً أخلاقياً؛ إنها تتحول، عندما تتعلق بممارسة اختصاص دستوري، إلى مطلب مؤسساتي والتزام دستوري ببذل عناية وفي مستويات أسمى بتحقيق نتيجة ؛ حيث لا يتصور مشرع جاهل بمهنية التشريع ! خاصة إذا كان من صفوة المشرعين ، وبالأحرى رئيس مجلس النواب كثالث شخصية دستورية بعد الملك ؛ فحين تقرر مؤسسة دستورية تحريك رقابة على قانون، لا يكفي أن ترسل رسالة إحالة لكي تعتبر مهمتها منتهية ، حيث يلزم و ينبغي أن تسأل:
هل الملف مكتمل؟
هل الوثائق المطلوبة مرفقة؟
هل وصلت الإحالة إلى المحكمة في صورة تمكنها فعلاً من ممارسة اختصاصها؟
هل يوجد نقص يمكن تداركه؟
هل تحققت الغاية الدستورية من المبادرة؟
إن الانتقال من السؤال الأول إلى السؤال الأخير هو تحديداً الانتقال من أخلاق الإجراء إلى أخلاق العناية.
رابعاً: بين القيام بالإجراء وأداء الوظيفة
تكشف الواقعة عن تمييز بالغ الأهمية بين القيام بالإجراء وأداء الوظيفة الدستورية ، ويمكن للمؤسسة أن تقوم بالفعل المادي للإحالة، ومع ذلك لا تتحقق وظيفة الإحالة إذا كانت شروط ممارسة المحكمة لرقابتها غير مكتملة. وهنا لا يكفي القولوالتباهي إعلاميا : «لقد أحلنا القانون». لأن السؤال الدستوري هو:
هل مكّنتم المحكمة فعلاً من مراقبته؟
فالفرق بين السؤالين هو الفرق بين المسؤولية الشكلية أي تسجيل موقف القيام بالواجب والمسؤولية الوظيفية أي تحقيق الغاية باستيفاء الحقوق العمومية . فالأولى تكتفي بإثبات أن الفعل وقع ؛ أما الثانية فتسأل عما إذا كان الفعل قد أدى الغاية الدستورية التي أنشئ من أجلها.
وإن هذه النقلة ضرورية في بناء ثقافة الدولة الدستورية.
خامساً: التقصير المؤسساتي ليس مجرد خطأ تقني :
قد يبدو عدم استكمال وثائق إحالة ما خطأً إدارياً أو تقنياً بسيطاً.
لكن طبيعة الخطأ لا تقاس دائماً ببساطة الفعل المادي الذي أنتجه، وإنما كذلك بخطورة الوظيفة التي عطّلها.
قد يبدو ان خصاص وثيقة واحدة تفصيلاً ، لكن إذا أدى غيابها إلى توقف رقابة دستورية كاملة، لم يعد السؤال متعلقاً بالورق، وإنما بأثره على واحدة من أهم ضمانات دولة القانون.
وهنا يصبح ممكناً التمييز بين: بساطة الخطأ المادي وجسامة الأثر الدستوري ، لأن الخطأ الإداري الصغير قد ينتج ضرراً دستورياً كبيراً. ومن هنا أيضاً تنشأ الحاجة إلى التفكير في مفهوم التقصير المؤسساتي الدستوري: ليس باعتباره حكماً جاهزاً على أشخاص، وإنما باعتباره أداة لتحليل الحالات التي يؤدي فيها ضعف العناية بأداء وظيفة مؤسسة إلى تعطيل ضمانة دستورية.
سادساً: القضاء الدستوري بوصفه مرآة للمؤسسات :
تتجاوز وظيفة القضاء الدستوري، بهذا المعنى، رقابة النصوص إلى إنتاج ثقافة مؤسساتية، فقرارات المحكمة لا تقول للمشرع فقط بأن هذا دستوري، وهذا غير دستوري ؛ بل إنها تقول له أيضاً:
هكذا ينبغي أن تمارس سلطتك داخل الدولة الدستورية ؛ وهذه وظيفة بيداغوجية بالمعنى المؤسساتي للكلمة ، فالمحكمة لا تحل محل البرلمان، لكنها تجبره على رؤية الحدود الدستورية لسلطته.
ولا تدير عمل المؤسسة التشريعية، لكنها تكشف النتائج المترتبة عن قصور ممارستها لاختصاصاتها.
ومن هنا يمكن القول إن القضاء الدستوري يمارس نوعاً من التأديب الدستوري المتبادل للسلطات: ليس بواسطة العقوبة، وإنما بواسطة إلزام كل مؤسسة بأن تواجه، في مرآة الدستور، نتائج سلوكها.
سابعاً: من ديكتاتورية الأغلبية إلى مسؤولية الأغلبية :
تتضاعف أهمية هذه الوظيفة عندما يتعلق الأمر بالأغلبية البرلمانية ، فالديمقراطية الدستورية لا تعني أن من يملك العدد يملك القانون بلا حدود ، فالأغلبية تملك شرعية التشريع، لكن الدستور يملك شرعية وضع الحدود ؛ ولهذا توجد المحكمة الدستورية في المنطقة الفاصلة بين الإرادة السياسية والإرادة الدستورية. غير أن هذا التوازن يفترض أن تتمكن المحكمة أصلاً من ممارسة الرقابة ؛ فإذا تحركت الرقابة ثم تعطلت بسبب تقصير في استكمال شروطها، فإن المسألة لا تبقى مجرد خلل مسطري؛ بل تمس التوازن الذي أراده الدستور بين الأغلبية والرقابة عليها.
ومن هنا ينبغي الانتقال من ثقافة: «للأغلبية حق التشريع» إلى ثقافة: «للأغلبية مسؤولية التشريع تحت رقابة الدستور».
وإن الفرق بين العبارتين هو، في جزء كبير منه، الفرق بين الديمقراطية العددية والديمقراطية الدستورية.
ثامناً: تمثيل الأمة يقتضي حماية حق الأقلية في الرقابة :
ثمة بعد آخر أكثر دقة ، فآليات الإحالة الدستورية ليست مجرد امتيازات إجرائية. إنها إحدى وسائل تحقيق التوازن داخل النظام التمثيلي، وخاصة عندما تتيح لأطراف مؤسساتية الاعتراض على قانون أقرته أغلبية ؛ ولذلك فإن العناية بسلامة الإحالة لا تحمي المحكمة وحدها؛ إنها تحمي أيضاً الحق المؤسساتي في الاختلاف الدستوري ، فالأقلية البرلمانية لا تستطيع إلغاء قرار الأغلبية سياسياً، لكنها تستطيع، وفق الشروط الدستورية، أن تطلب إخضاعه لمعيار أعلى هو الدستور. وعندما تتعطل هذه الإمكانية لأسباب كان يمكن تفاديها بالعناية المؤسساتية، فإن الضرر لا يصيب أصحاب الإحالة فقط، بل يصيب إحدى تقنيات التوازن داخل الديمقراطية الدستورية ، وبذلك يصبح تمثيل الأمة مسؤولية مزدوجة: احترام إرادة الأغلبية، وحماية حق الأقلية في مساءلة هذه الإرادة دستورياً.
تاسعاً: الجدية المؤسساتية حق للمواطن وليست فضيلة للإدارة :
من النتائج التي ينبغي استخلاصها أن الجدية المؤسساتية ليست ترفاً أخلاقياً. من هنا وجب التأكيد على انه للمواطن الحق في أن تعمل المؤسسات الدستورية بالدرجة المناسبة من الدقة والعناية.
فإذا كان الفرد مطالباً باحترام الآجال والشكليات والوثائق أمام الإدارة والقضاء، فمن باب أولى أن تكون المؤسسات التي تمارس السلطة العامة مطالبة بمعايير مرتفعة من الانضباط الإجرائي. فلا يستقيم أن تكون الدولة صارمة تجاه المواطن في الشكليات، ومتسامحة مع نفسها عندما يتعلق الأمر بشكليات تحمي الدستور.
وهنا تظهر قاعدة للمساواة في المسؤولية:فكلما كانت المؤسسة أشد قدرة على إلزام المواطن، وجب أن تكون أشد التزاماً بالعناية في ممارسة سلطتها عليه.
عاشراً: القرار الدستوري كإنذار مبكر : وهنا يمكن لذلك أن يمنح القرار وظيفة أخرى: الإنذار المؤسساتي المبكر ، فبدلاً من النظر إلى الواقعة باعتبارها نهاية لمسار رقابي، يمكن اعتبارها فرصة لإعادة النظر في كيفية إعداد الإحالات الدستورية، والتحقق من وثائقها، وتحديد المسؤوليات الإدارية والقانونية المتعلقة بها، ووضع مساطر داخلية تمنع تكرار الأخطاء نفسها ؛ وهنا يلتقي القضاء الدستوري مع التفكير النقدي التوقعي. ؛ فالعبرة ليست في معرفة من أخطأ فقط، وإنما في السؤال: ما الذي ينبغي تغييره مؤسساتياً حتى لا يتكرر الخطأ؟
وبالتالي ، من المحاسبة على الماضي ننتقل إلى حوكمة المخاطر الدستورية للمستقبل.
حادي عشر: التأديب الحقيقي هو الاستدراك :
غير أن الوظيفة التربوية للقرار ستظل ناقصة إذا انتهت عند تسجيل الخطأ ؛ لأن الاعتراف بالتقصير دون إصلاح آثاره لا ينتج تعلمًا مؤسساتياً كاملاً ؛ ومن هنا يمكن الانتقال من التأديب الدستوري إلى الاستدراك الدستوري.
فإذا كان الخلل قابلاً للإصلاح، وإذا لم يصدر حكم موضوعي في دستورية القانون، وإذا كانت القواعد الدستورية والقانونية تسمح بإعادة تشغيل الرقابة، فإن الدرس الحقيقي للمؤسسة ليس أن تقول: «لقد وقع الخطأ».بل أن تقول: «لقد وقع الخطأ، ولذلك يجب أن نبذل ما يسمح به الدستور حتى لا تتحول آثاره إلى أمر واقع». وهنا يصبح الاستدراك مظهراً من مظاهر تحمل المسؤولية المؤسساتية ؛ فالخطأ يمكن أن يقع في أية مؤسسة ، لكن الفرق بين المؤسسة المتعلمة والمؤسسة غير المتعلمة يكمن في قدرتها على الاعتراف، والاستدراك، ومنع التكرار ، لأن الخطأ لا يصلحه الخطأ !
ثاني عشر: نحو أخلاق دستورية للعناية :
ربما تكون الخلاصة الأبعد من واقعة القانون رقم 66.23 هي حاجتنا إلى الانتقال من دولة تتوفر على مؤسسات دستورية إلى ثقافة مؤسساتية دستورية ، فالفرق بين الاثنين تصنعه تفاصيل تبدو أحياناً صغيرة: وثيقة يتم التحقق منها،وأجل تتم مراقبته، وقرار يتم تعليله،وإحالة تستكمل، ثم خطأ يتم استدراكه، فمسؤولية لا تضيع بين الإدارات والمكاتب. وإن هذه التفاصيل هي التي تجعل الدستور حياً.
ومن هنا يمكن اقتراح مفهوم «أخلاق العناية الدستورية» باعتباره مجموع واجبات اليقظة والدقة والاستباق والمتابعة والاستدراك التي ينبغي أن تصاحب ممارسة الاختصاصات الدستورية ، وهي أخلاق لا تنافس القانون، بل تمنحه فعاليته ، ولا تستبدل مقتضى المسؤولية القانونية، بل تمنع الوصول إليها ؛ ولا تقوم على حسن النية وحده، بل على بناء مؤسسات تعرف أن تمثيل الأمة يعني أيضاً العناية بحقوق الأمة وضماناتها الدستورية.
خاتمة: من سلطة تمثيل الأمة إلى واجب العناية بها :
لعل قرار المحكمة الدستورية الأخير يسمح بإعادة صياغة سؤال التمثيل نفسه. فالسؤال لم يعد فقط: من يمثل الأمة؟
بل أيضاً: كيف ينبغي لمن يمثل الأمة أن يتصرف باسمها؟
إن النيابة عن الأمة ليست تفويضاً في السلطة فحسب، بل ائتمان دستوري. ومن يؤتمن على صناعة القانون يؤتمن، بالضرورة، على الضمانات التي تجعل القانون خاضعاً للدستور.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة قرار المحكمة الدستورية باعتباره درساً مؤسساتياً هادئاً لكنه عميقاً: الدولة الدستورية لا تقبل أن تتحول المسؤولية إلى مجرد استيفاء صوري للإجراءات، لأن قيمة الإجراء تقاس أيضاً بقدرته على تحقيق الغاية الدستورية التي أنشئ من أجلها ، ولذلك فإن التأديب الدستوري الحقيقي لا يتمثل في البحث عن شخص نعاقبه، بل في بناء مؤسسة تتعلم من خطئها ، والمساءلة الحقيقية لا تتوقف عند سؤال: من قصّر؟
بل تتقدم نحو سؤالين أشد أهمية: كيف نستدرك ما ترتب عن التقصير؟ وكيف نمنع تكراره؟
عند هذه النقطة تحديداً يلتقي تمثيل الأمة مع أخلاق العناية، ويلتقي التأديب الدستوري مع فقه الاستدراك ، لأن الطريق إلى الدولة الدستورية لا تصنعه النصوص وحدها، وإنما تصنعه كذلك مؤسسات تدرك أن السلطة مسؤولية، وأن التمثيل ائتمان، وأن الإجراء عناية، وأن الخطأ إذا كان قابلاً للإصلاح فإن الاستدراك ليس منّة مؤسساتية، بل قد يكون أرقى صور تحمل المسؤولية الدستورية.
وفي آخر التحليل والمطاف نقترح تساولا كأفق للتفكير :
هل يتبلور خط ثالث في القضاء الدستوري؟

فلعل ما يكشفه قرار المحكمة الدستورية الأخير يتجاوز، في نهاية المطاف، مجرد تنبيه المؤسسة التشريعية إلى واجب العناية والجدية في ممارسة اختصاصاتها الدستورية. فالقرار يفتح إمكان قراءة أوسع لمسار قد يكون بصدد التبلور داخل الممارسة الدستورية نفسها: خط ثالث لا ينحصر في ثنائية التصديق على القانون أو الحكم بعدم دستوريته، وإنما يفسح مجالاً لوضع ثالث تتوقف فيه المحكمة عن الحسم دون أن تمنح القانون شهادة دستورية، ودون أن يكون ذلك، بالضرورة، إغلاقاً نهائياً لباب الرقابة.
وإذا صح هذا الافتراض، فإن عبارة «على حالها» لا تعود مجرد صياغة إجرائية عابرة، بل تصبح مفتاحاً ممكناً لفهم هذا المنحى: فالمحكمة لم تحسم في دستورية القانون، وإنما سجلت تعذر ممارسة رقابتها على الإحالة بالحالة التي عُرضت بها عليها، بما يعيد المسؤولية إلى المؤسسة المحيلة ويضعها أمام اختبار العناية والاستدراك وتحمل تبعات ممارسة الاختصاص الدستوري.
ومن هنا يمكن التساؤل عما إذا كنا أمام إرهاصات طريق ثالث للقضاء الدستوري المغربي، طريق لا يقوم على التوسع في سلطة القاضي، ولا على التساهل مع الاختلال الإجرائي، وإنما على التمييز بين عدم الحسم واستنفاد الرقابة، وبين تعذر البت في لحظة معينة وإغلاق السؤال الدستوري بصورة نهائية.
وهو افتراض يحتاج، بطبيعة الحال، إلى اختبار فقهي أوسع في ضوء الاجتهاد الدستوري السابق والمقارن، حتى لا ننسب إلى المحكمة إرادة لم تصرح بها. لكن القرار يمنح، في تقديرنا، مادة كافية لفتح هذا الأفق: قضاء دستوري لا يقيس فعاليته فقط بما يبطل أو يجيز، وإنما كذلك بكيفية تدبيره للحالات التي يمتنع فيها عن الحكم، وبما يتركه مفتوحاً أمام المؤسسات لاستدراك أسباب هذا الامتناع.
ولعل هنا تحديداً يبدأ السؤال الذي يستحق مقالاً مستقلاً: إذا كانت نظرية ألكسندر بيكل قد عرفت هذا المجال الوسيط من خلال مفهوم «الفضائل السلبية»، فهل يمكن أن يتطور عدم الحسم، في تجربتنا الدستورية، من مجرد تقنية للامتناع إلى مدخل لتأسيس فقه للاستدراك الدستوري؟
ذلك موضوع المقال الموالي، الذي نقترح له عنوان:
«من الفضائل السلبية إلى فقه الاستدراك الدستوري: الطريق الثالث للقضاء الدستوري»
فربما لا تكون القيمة الأعمق للقرار فيما قاله فحسب، بل أيضاً فيما امتنع عن قوله، وفيما أعاده إلى مسؤولية المؤسسات، وفي الباب الذي قد يكون تركه مفتوحاً لكي يستكمل الدستور كلمته.



#مصطفى_المنوزي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة تفاعلية تفاؤلية: هل يكون قصور الإحالة نهاية للرقابة أم ...
- من مديح الخارج إلى مناعة الداخل: نحو سردية سيادية بديلة بعد ...
- خدمات المحامين غير عمومية و ليست سلعة للاستهلاك والمسؤولية ت ...
- الاحتجاج المهني كفعل سيادي أو حين تدافع المحاماة عن الدولة م ...
- من شرعية الاختيار إلى سيادة السردية: نحو حكامة دبلوماسية ديم ...
- من الفرجة إلى الخلاص: الرياضة بين الهيمنة الرمزية وسؤال المع ...
- الحكم الذاتي بين رهانات الأمن المنتج للثقة وإصلاح العقيدة ال ...
- لحظة الحسم في الصحراء: من احتكار الدولة إلى التشاور الوطني
- الحق الذي يراد به باطل: ذرائع إقصاء الحوار والنقد داخل الأحز ...
- في تفاعل الحرية والهوية، ومن أجل توليف منتج بين الصمود والار ...
- جيل زد والفكرة الإتحادية : من نفي النفي إلى الخلاص التوقعي
- جيل زد 212 بين خيار التسييس العفوي وبرنامج وطني للشباب
- التيه السياسي بين الفيزياء والكيمياء: الدولة كمطبخ أم كمختبر ...
- بين أسلمة الدولة وتسليع الحقوق: المعضلة المغربية عشية التحول ...
- اغتراب النخبة داخل الأطر الحزبية والمؤسساتية وظاهرة الانفصال ...
- من أجل تجنيب الوطن معوقات البناء الديموقراطي
- في نقد علاقة السياسة بالدين وعلاقة النقد بالسياسة
- المجتمع يواجه السيبة بالتسيب والدولة تبرر الوضع ب « الجمهور ...
- دعوة إلى تنظيم حملة دولية من أجل الحق في معرفة الحقيقة واحتر ...
- تضامنا مع فاضحي الفساد أناشد نزاهة القضاء وعقلانية التعبير .


المزيد.....




- سوريا.. ترحيب شعبي بأحكام الإعدام على رموز النظام المخلوع
- حرية الصحافة تحت المجهر في غابون بعد توقيف موقع إنفو 241
- إغلاق 200 مرفق صحي يفاقم معاناة النازحين في مقديشو
- محكمة روسية تصدر حكما غيابيا باعتقال حفيد شقيقة جون كينيدي
- الأمن الروسي.. مقتل عسكري بتفجير استهدفه في القرم واعتقال من ...
- تعذيب فلسطيني وربطه بسرير.. كيف حاسب الجيش الإسرائيلي جنوده؟ ...
- تصعيد خطير في الضفة: مستوطنون يحاصرون منازل بـ -قصرة- وحملة ...
- مستوطنون يقتحمون الأقصى واعتقال 33 فلسطينيا وإغلاق قُصرة بال ...
- الأونروا هي المدرسة وإثبات الوجود الوحيد للاجئ الفلسطيني
- غروسي: الأمم المتحدة تموت ببطء


المزيد.....

- الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق / رابطة المرأة العراقية
- التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من ... / هيثم الفقى
- محاضرات في الترجمة القانونية / محمد عبد الكريم يوسف
- قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة ... / سعيد زيوش
- قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية ... / محمد أوبالاك
- الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات ... / محمد أوبالاك
- أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف ... / نجم الدين فارس
- قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه / القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / اكرم زاده الكوردي
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / أكرم زاده الكوردي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - مصطفى المنوزي - حين يؤدّب القضاء الدستوري المؤسسة التشريعية: من تمثيل الأمة إلى أخلاق العناية الدستورية