أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - حين تنادي الجبال أبناءها… ولا يعودون














المزيد.....

حين تنادي الجبال أبناءها… ولا يعودون


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 18:27
المحور: القضية الفلسطينية
    


أهمّ ما يمكن أن نفعله اليوم، وسط هذا الحزن الفلسطيني الطويل، هو ألّا نسمح لذاكرة فلسطين أن تضيع.

فلسطين ليست مجرد حدود على خريطة، ولا قضية سياسية تُستعاد في الخطب والبيانات، ولا صورة قديمة نعلّقها على جدار الذاكرة. فلسطين هي الأرض التي حملت أسماءنا، والقرى التي بقيت في وجداننا وإن مُسحت من الخرائط، والبيوت التي ما زالت مفاتيحها معلّقة في صدور من رحلوا ولم يعودوا.

هي جبل الجرمق، وجبال الجليل، وسهول فلسطين ووديانها، وأشجار الزيتون التي تعرف أصحابها حتى بعد أن يغيبوا.

هناك في الجليل، لم تكن الأرض مجرد تراب. كانت حياةً كاملة: بيتاً، وحقلاً، وكنيسةً ومسجداً، ومدرسةً، وذاكرةَ أجداد، وحكاياتٍ تُروى للأطفال كي يعرفوا من أين جاءوا وإلى أين يجب أن يعودوا.

ومن أجل ذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لفلسطين ليس فقط أن تُحتل أرضها، بل أن تُنتزع فلسطين من الذاكرة.

أن ينسى أبناؤها أسماء قراهم، أن تتحول النكبة إلى سطر في كتاب التاريخ، أن يصبح الجرمق مجرد جبل، والجليل مجرد منطقة جغرافية، والقرية التي هُجّر أهلها مجرد اسم قديم لا يعرفه أحد.

فلسطين تبقى ما بقيت ذاكرتها حيّة، وتبقى ما بقي في أبنائها ذلك الإصرار على النضال والصمود، وعلى العلم والفكر والثقافة، وعلى الدفاع عن الأرض بالكلمة والكتاب والصورة والمدرسة والجامعة، وبكل وسيلة تحفظ للإنسان الفلسطيني حقه في أن يكون صاحب روايته وتاريخه.

لقد حاول الاحتلال، طوال عقود، أن يقتلع الإنسان من أرضه، وأن يقطع الصلة بين الفلسطيني ومكانه. لكن الذاكرة كانت أقوى من الاقتلاع.

كان الجد يحكي للحفيد عن القرية، وكان الأب يعلّم ابنه اسم الحقل، وكانت الأم تحفظ أسماء البيوت والينابيع والطرقات.

وهكذا انتقلت فلسطين من جيل إلى جيل، لا باعتبارها حكايةً من الماضي، وإنما باعتبارها وعداً لا يموت.

لكن الحزن الأكبر أن القضية الفلسطينية لم تكن دائماً مهددة من الخارج وحده.

لقد عرف تاريخنا، وما زال يعرف، محاولات مؤلمة لتدمير القضية من الداخل؛ حين يتحول الاختلاف السياسي إلى اقتتال، وحين يتحول الفكر إلى تعصّب، وحين تصبح المصلحة الشخصية أو الفئوية أهم من فلسطين، وحين ينسى البعض أن الاحتلال هو العدو، وأن الفلسطينيين، مهما اختلفوا، أصحاب قضية واحدة وجرح واحد وذاكرة واحدة.

تخسر القضايا العادلة الكثير حين يتسلّل إليها الانحراف الفكري والسياسي، وحين يصبح بعض أبنائها أدواتٍ في مشاريع لا تخدم فلسطين، بل تستنزفها وتمزق مجتمعها وتقتل قدرتها على المقاومة.

ليس المطلوب أن نتفق في كل شيء.

الاختلاف حق، والنقد ضرورة، والسياسة مجال واسع للاجتهاد.

لكن هناك فرقاً كبيراً بين الاختلاف الذي يحمي القضية، والخلاف الذي يهدمها.

وبين النقد الذي يصحح المسار، والتآمر الذي يفتح الطريق أمام أعدائها.

فلسطين أكبر من الفصائل، وأكبر من الأشخاص، وأكبر من الأحزاب، وأكبر من الحسابات الضيقة.

فلسطين هي شعبٌ اقتُلع من أرضه، لكنه لم يُقتلع من ذاكرته.

هي أمٌّ ما زالت تنتظر ابناً غاب منذ عقود.
هي عجوز تحمل مفتاح بيت لم يعد موجوداً.
هي طفل يولد بعيداً عن الجليل، ثم يكبر وهو يسأل: أين قريتي؟
هي جبل الجرمق الذي يقف هناك، شامخاً، كأنه يقول لنا إن الجبال لا تنسى أصحابها.
وهي جبال الجليل التي بقيت شاهدةً على أن الأرض يمكن أن تُحتل، لكن لا يمكن بسهولة أن تُنتزع من الوجدان.

لذلك، فإن مسؤوليتنا اليوم ليست فقط أن نتحدث عن فلسطين، بل أن نحفظها، أن نحفظ أسماء القرى، أن نحفظ تاريخ النكبة، أن نوثّق شهادات الكبار قبل أن يرحلوا، أن نكتب، أن نقرأ، أن نعلّم أبناءنا، أن ننتج المعرفة والفكر والثقافة، أن نحول الذاكرة إلى علم، والعلم إلى وعي، والوعي إلى صمود.

فالأمم لا تحمي أوطانها بالسلاح وحده، وإنما تحميها أيضاً بذاكرتها، وبعلمها، وثقافتها، وبقدرتها على معرفة حقيقتها، وعدم السماح للآخرين بكتابتها نيابةً عنها.

ربما يكون أكثر ما يؤلم في فلسطين أن الأجيال الجديدة وُلدت في المنفى، وأن كثيراً منها لم يرَ الأرض التي يتحدث عنها آباؤه.

لكن ما دام هناك فلسطيني يعرف اسم قريته، ويعرف أين تقع، ومن كان يسكنها، وما الذي حدث لأهلها، فإن فلسطين لم تمت.

وما دام هناك طفل فلسطيني يقول: «هذه أرضي»، فإن الحكاية لم تنتهِ، قد يطول الطريق، وقد يشتد الحزن، وقد تتكاثر المؤامرات، من الخارج والداخل، وقد يتعب الفلسطيني من كثرة الانتظار.

لكن الأرض لا تنسى، والجبال لا تنسى، والذاكرة لا تنسى.

وسيظل جبل الجرمق، وستظل جبال الجليل، وكل حجر وكل شجرة وكل قرية فلسطينية، شاهداً على أن شعباً حاولوا اقتلاعه من أرضه، لكنه ظل متمسكاً بها في قلبه وعقله وذاكرته.

فأهم شيء اليوم ألّا تضيع فلسطين من الذاكرة، وألّا نسمح لمن انحرفوا فكرياً وسياسياً أن ينجحوا في تدمير قضيتنا من الداخل.

فحين تضيع الذاكرة، تضيع الطريق، وحين تضيع فلسطين من الوعي، يصبح الاقتلاع كاملاً.

أما إذا بقيت فلسطين في القلب، وفي الكتاب، وفي المدرسة، وفي الثقافة، وفي العلم، وفي وجدان الأجيال، فإن العودة، مهما طال انتظارها، تبقى حلماً حيّاً لا يستطيع أحد أن يقتله.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ناجي العلي… الرصاصة التي قتلت الرسام ولم تقتل الحكاية
- إِلى أين؟... من دُرُوبِ النّكبة إِلى حُلمِ العودة
- غزة... حين سقطت الأقنعة
- غزة… حين صمد أبناء النكبة وخذلتهم الأمة
- محمود الباشا... شاعرُ المخيّم الذي حمل فلسطين في صوته
- أحمد الياباني... حين يموت الحلم قبل أن يموت أصحابه
- في وداع رحمة يوسف كايد (أم عادل)
- التغريبة الفلسطينية... حين يتحول الفن إلى ذاكرة وطن
- حتّى الأوكسجين... هل سيُصبح بحاجةٍ إلى ترخيص؟
- أولاد نزار بنات.. ورثة الحكاية
- نزار بنات وجيهان الحروب… حين يكون الوفاء سيرةً لا تُروى إلا ...
- العدالة المذبوحة: قصة نزار بنات والقاضي محمود خليف
- نزار بنات... لم يكن يملك سوى هاتفٍ وكلمات
- نزار بنات... رجلٌ اغتيلت أحلامه، وتُرك وحيداً
- نزار بنات كما عرفه شاكر اطميزه: حكايةُ صداقةٍ لم تنتهِ بالمو ...
- يوسف نصّار يروي: نزار بنات... خمسون شيكلاً وقطة جريحة
- من جامعة بيت لحم إلى فجر الخليل: نزار بنات وفايز دويك في موا ...
- نزار بنات، غسّان كنفاني، ناجي العلي: حين يُغتال الصّوت ولا ت ...
- نزار بنات... حكاية عمرٍ بدأت بابتسامة وانتهت بوجعٍ لا ينتهي
- نزار بنات: الذين يشبهون الحقيقة لا يعيشون طويلاً


المزيد.....




- ترامب مهاجمًا إيران: قادة الحرس الثوري يهربون ونسيطر على مضي ...
- الخارجية الروسية: الاتحاد الأوروبي لا يملك صلاحية تفتيش سفن ...
- جهاز إليزاروف بأيدي الجراحين الجزائريين
- -سفن شبحية- ـ ناقلات نفط سعودية تلجأ للتخفي لتجنب هجوم حوثي ...
- -الفخ التركي-.. -صفقة- ترامب السرية مع أردوغان ضد إسرائيل وا ...
- ليتوانيا تنوي حفر خنادق بعرض 150 مترا بقيمة 50 مليون يورو عل ...
- 18 جثمانا.. النيابة المصرية تكشف سبب فاجعة الإسماعيلية
- الخارجية الروسية: الاتحاد الأوروبي يستغل عملية -إيريني- البح ...
- موجة حر شديدة قد تكلف فرنسا 15 مليار يورو
- ترامب: نسيطر بشكل كامل على مضيق هرمز وإيران لم تعد -المتنمر- ...


المزيد.....

- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - حين تنادي الجبال أبناءها… ولا يعودون