أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - العدالة المذبوحة: قصة نزار بنات والقاضي محمود خليف














المزيد.....

العدالة المذبوحة: قصة نزار بنات والقاضي محمود خليف


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 04:48
المحور: القضية الفلسطينية
    


في الأوطان التي تُحترم فيها العدالة، يبقى القاضي حارساً للحق، ويبقى الإنسان مصان الكرامة مهما اختلفت آراؤه. لكن المأساة الكبرى تبدأ حين يصبح احترام القانون نفسه سبباً للعقاب، وحين يتحول الدفاع عن الكرامة الإنسانية إلى تهمة تستوجب الإقصاء.

في الثالث والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، وقف الناشط السياسي نزار بنات أمام محكمة صلح أريحا معتقلاً بسبب آرائه. وبينما كانت تتصاعد المخاوف من تضييق الحريات، خرج صوته من داخل المحكمة قائلاً: «أنا فخور بما قلته»، محذراً من أن فلسطين، إذا استمر انحدار سقف الحريات أكثر من ذلك، ستصبح «غير صالحة للسكن البشري».

في تلك اللحظة، لم يتعامل القاضي محمود خليف مع نزار بوصفه خصماً سياسياً أو صاحب رأي مخالف، بل تعامل معه بوصفه إنساناً له كرامة يجب أن تُصان. أجلسه على الكرسي، وطلب له الماء، ثم أصدر قراره بالإفراج عنه، في موقف جسّد المعنى الحقيقي للقضاء، حين يكون القانون ملاذاً للمظلوم لا أداة لتكميم الأفواه.

لكن السنوات اللاحقة حملت مشهداً أكثر إيلاماً.

ففي عام 2021، اغتيل نزار بنات في جريمة هزّت الضمير الفلسطيني، وأثارت موجة واسعة من الاستنكار والغضب، بعدما دفع حياته ثمناً لكلمته ومواقفه.

وبعد عامين فقط، جاء الدور على القاضي محمود خليف، الرجل الذي عرفه كثيرون بقاضي الكرامة والإنسانية. فقد صدر قرار بإنهاء خدمته، في خطوة اعتبرها حقوقيون ومحامون قراراً تعسفياً ورسالة مقلقة لكل من يتمسك باستقلال القضاء وسيادة القانون.

ويا للمفارقة المؤلمة؛ فالرجل الذي تعامل مع نزار بنات بوصفه إنساناً يستحق الكرامة والحرية، وجد نفسه لاحقاً ضحيةَ قرارٍ اعتبره كثيرون تعسفياً.

كأن القدر أراد أن يجمع بين الرجلين في قصة واحدة؛ أحدهما دفع حياته ثمناً لكلمة، والآخر دفع منصبه ثمناً لموقف.

إن أكثر ما يوجع في هذه القصة ليس فقط اغتيال نزار بنات، ولا إبعاد محمود خليف عن منصة القضاء، بل ذلك الشعور الثقيل بأن العدالة نفسها أصبحت بحاجة إلى من يدافع عنها.

فالعدالة لا تموت دفعة واحدة، وإنما تذبل حين يُقتل أصحاب الرأي، ويُعاقَب أصحاب الضمائر الحية.

ويبقى السؤال المؤلم معلقاً في وجدان الفلسطينيين؛ ماذا يبقى من الوطن، إذا غابت العدالة، وخفت صوت الحرية، وأصبح أصحاب المواقف الشريفة هم أول من يدفع الثمن؟

وسيظل الفصل التعسفي للقاضي محمود خليف وسام شرف يزين تاريخه، وصفحة مضيئة تُكتب في سجل الشعب الفلسطيني، لأنه اختار أن يكون قاضياً للعدالة لا موظفاً لدى سلطة فاسدة، وأن ينحاز لكرامة الإنسان في زمن باتت فيه الكلمة الحرة مكلفة، والمواقف الشريفة باهظة الثمن.

أما المناصب فزائلة، وأما المواقف النبيلة، فتبقى.

رحل نزار بنات عن الدنيا، وغادر محمود خليف منصة القضاء، لكنهما بقيا شاهدين على زمن عوقبت فيه الكلمة، ودُفع ثمن الكرامة غالياً.

وسيذكر الشعب الفلسطيني طويلاً أن نزار بنات قال كلمته ودفع حياته ثمناً لها، وأن القاضي محمود خليف احترم تلك الكلمة وصان كرامة صاحبها، ثم دفع من مستقبله المهني ثمناً لذلك الموقف.

فالتاريخ لا يخلّد أصحاب السلطة، بل يخلّد أصحاب الضمائر، وما بين الرجلين ستبقى حكاية تختصر وجعاً فلسطينياً عميقاً، عنوانه؛
حين يُصبح العدل نفسه ضحية.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نزار بنات... لم يكن يملك سوى هاتفٍ وكلمات
- نزار بنات... رجلٌ اغتيلت أحلامه، وتُرك وحيداً
- نزار بنات كما عرفه شاكر اطميزه: حكايةُ صداقةٍ لم تنتهِ بالمو ...
- يوسف نصّار يروي: نزار بنات... خمسون شيكلاً وقطة جريحة
- من جامعة بيت لحم إلى فجر الخليل: نزار بنات وفايز دويك في موا ...
- نزار بنات، غسّان كنفاني، ناجي العلي: حين يُغتال الصّوت ولا ت ...
- نزار بنات... حكاية عمرٍ بدأت بابتسامة وانتهت بوجعٍ لا ينتهي
- نزار بنات: الذين يشبهون الحقيقة لا يعيشون طويلاً
- الشهيد نزار بنات... ماذا تُفيد البطولة أطفالاً فقدوا أباهم؟
- مريم وقبس: حكاية حب في سيرة الشهيد نزار بنات
- بين خليل الأب وخليل الابن... حكاية وفاء في سيرة الشهيد نزار ...
- حين يعود الحجيج... وتبقى غزة ومخيماتها في موسم الألم
- غزة ومخيماتها... حكاية شعبٍ هزم المؤامرات بالصمود
- نزيه القبرصلي... الشهيد الذي كبر قبل أوانه
- غزة بلا أضحية… وأمةٌ غارقة في عارها
- من النكبة إلى اتفاقيات التطبيع: فلسطين وحيدة في آخر الطريق
- غزة… والمخيمات التي يُراد لها أن تموت
- الأرض تعرف أصحابها... حكاية فلسطين كما رواها جدي محمود (أبو ...
- دوّار بني سهيلا.. حين تُمحى غزة أمام صمت العالم
- النكبة 78: محمود كلّم (أبو فهد)… رجُلٌ لم يُغادر أرضهُ


المزيد.....




- نبيل فهمي.. ماذا نعرف عن الأمين العام الجديد لجامعة الدول ال ...
- عقوبات أمريكية جديدة على ممولين لتنظيم الدولة
- ترامب: سأفعل ما يجب عليّ فعله إذا لم تلتزم إيران بالاتفاق
- رسائل الشرع إلى لبنان.. علاقة جديدة وحسم لجدل دور دمشق
- ترامب ينتقد سلوك دول -الناتو-.. ويلوّح بعدم مساعدتها
- مهلة الـ60 يوما.. فرصة سلام لواشنطن وطهران أم فخ استراتيجي؟ ...
- مقتل 3 أشخاص بينهم شرطي في إطلاق نار بمدينة مونتريال الكندية ...
- لقطات مرعبة تظهر ثورا هائجا يقذف اثنين من المارة أرضا في مدي ...
- -سماء ليفربول تحولت إلى سواد حالك-.. انفجارات وحريق هائل يحو ...
- فرنسا.. وفاة طفلين شقيقين داخل سيارة وسط موجة حر خانقة لامست ...


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - العدالة المذبوحة: قصة نزار بنات والقاضي محمود خليف