أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - مريم وقبس: حكاية حب في سيرة الشهيد نزار بنات














المزيد.....

مريم وقبس: حكاية حب في سيرة الشهيد نزار بنات


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 14:07
المحور: القضية الفلسطينية
    


من بين الأسماء الكثيرة التي كان يرددها الشهيد نزار بنات في أحاديثه، ظل اسمٌ واحد يحمل نبرةً مختلفة، ودفئاً مختلفاً، وفرحاً خاصاً؛ مريم.

كان يتحدث عنها كثيراً، لكن ليس بوصفها ابنته فقط، بل بوصفها قطعةً من روحه. وكان كلما جاء ذكرها يبتسم تلك الابتسامة التي كانت تسبق كلماته، ثم يقول بفخرٍ ظاهر: "أنا عندي زلمة، مش بنت."

لم يكن يقصد بذلك سوى ما رآه فيها من قوة الشخصية، والجرأة، والاعتماد على النفس، والقدرة على تحمّل المسؤولية. كان يرى في مريم شيئاً من روحه، وشيئاً من عناده، وشيئاً من ذلك الإصرار الذي رافقه طوال حياته.

خلال سنوات معرفتي به، لم يكن نزار يتحدث عن أبنائه بوصفهم مجرد أفراد من العائلة، بل كان يتحدث عنهم كأحلامٍ تمشي على الأرض. وكان لمريم مكانة خاصة في حديثه. كل إنجاز صغير كانت تحققه يتحول في روايته إلى حكاية تستحق أن تُروى، وكل موقف منها كان يجد فيه سبباً جديداً للفخر.

كان الأب الذي يرى في ابنته أكثر مما يراه الآخرون. يرى شجاعتها حين لا ينتبه أحد، ويرى قوتها حين تبدو صغيرة في أعين الناس. لذلك كان يردد عبارته المحببة وكأنه يعلن للعالم كله ثقته بها: "أنا عندي زلمة، مش بنت."

وفي الوقت الذي كانت فيه مريم حاضرةً دائماً في أحاديثه، بقيت ابنته قبس بعيدةً عن الكلام. طوال سنوات معرفتي به، لم يأتِ على ذكرها إلا مرةً واحدة، وكانت المرة الوحيدة التي أخبرني فيها بالاسم الذي كان يناديها به في البيت: «...». مرّ الحديث يومها عابراً، كغيره من التفاصيل الصغيرة التي لا نتوقف عندها كثيراً.

لكن بعد استشهاده، علمت من زوجته أن قبس كانت الأقرب إلى قلبه وعقله، وأنها كانت رفيقته الدائمة في تفاصيل حياته اليومية. عندها فقط عدت بذاكرتي إلى ذلك الحديث القصير، وفهمت ما لم أفهمه يومها. أدركت أن نزار بنات، رغم عفويته وصدقه، كان يحتفظ ببعض مشاعره العميقة في مساحة خاصة لا يصل إليها الكلام بسهولة.

أوجعني هذا الاكتشاف كثيراً. تخيلت قبس التي اعتادت أن تكون قريبة من أبيها إلى هذا الحد، ثم وجدت نفسها فجأة أمام غيابٍ لا يمكن تفسيره ولا احتماله. وتخيلت نزار، الذي حمل هموم الناس وقضاياهم على كتفيه، وهو يجد في ابنته تلك الرفيقة الأقرب التي تشاركه تفاصيل الأيام وتمنحه دفئاً إنسانياً وسط صخب الحياة.

واليوم، حين نستعيد تلك الكلمات، يبدو وقعها مختلفاً تماماً.

فمريم التي كان أبوها يراها قوية إلى هذا الحد، وجدت نفسها ذات صباح أمام غيابٍ لا يشبه أي غياب. استيقظت على حقيقةٍ قاسية؛ أن الرجل الذي كان يملأ البيت حضوراً وصوتاً وضحكةً وحديثاً، لم يعد موجوداً.

من يعرف معنى الأب، يعرف حجم الفراغ الذي يتركه رحيله. فكيف إذا كان الأب هو نزار بنات؛ ذلك الأب الذي لم يكن مجرد رب أسرة، بل صديقاً ومعلماً وسنداً وحكايةً يومية؟

رحل نزار، وبقيت مريم تحمل ذكرياته كما يحمل الناس أشياءهم الثمينة خوفاً من ضياعها. بقيت صوره، وكلماته، وضحكاته، وتفاصيل الأيام الصغيرة التي لا يدرك الإنسان قيمتها إلا بعد أن تصبح ذكرى.

وربما أكثر ما يؤلم في الحكاية أن نزار لن يرى مريم وهي تكبر أكثر، ولن يكون حاضراً في محطات حياتها المقبلة كما كان يحلم. لن يجلس ليستمع إلى أحاديثها الجديدة، ولن يفاخر بها أمام أصدقائه كما كان يفعل دائماً، ولن يردد بابتسامته المعهودة تلك العبارة التي أحبها كثيراً.

لكن الآباء الحقيقيين لا يغيبون تماماً.
يبقون في الكلمات التي قالوها، وفي القيم التي زرعوها، وفي القوة التي تركوها في قلوب أبنائهم.

ولهذا، كلما كبرت مريم، وكلما واجهت الحياة بشجاعة، سيبقى جزءٌ من نزار حاضراً فيها. سيبقى ذلك الأب الذي آمن بابنته إلى حد أنه كان يراها أكبر من كل التصنيفات، ويختصرها بجملة واحدة مملوءة بالحب والفخر: "أنا عندي زلمة، مش بنت."

هكذا كان نزار بنات؛ أباً محباً كما كان صاحب موقفٍ شجاع. وخلف صوته الصاخب في مواجهة الظلم، كان هناك قلب أبٍ مفعم بالحنان، يحمل لكل واحد من أبنائه مكانةً خاصة لا تشبه الأخرى. أحب أبناءه بطريقته الخاصة، وترك في قلوبهم من حضوره ما يكفي ليبقى حياً رغم الغياب.

رحل نزار بنات، وبقيت مريم، وبقيت قبس، وبقي معهم جميعاً إرث أبٍ أحب أبناءه بصدق، وأحب وطنه بصدق، وترك في كليهما أثراً لا يمحوه الزمن.

وما أقسى أن تتحول كلمات الفخر التي كان يرددها الأب في حياته إلى ذكرى دامعة بعد رحيله.

لكن بعض الحب لا يموت.
وبعض الآباء يرحلون بأجسادهم فقط، بينما يبقون مقيمين إلى الأبد في قلوب أبنائهم.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين خليل الأب وخليل الابن... حكاية وفاء في سيرة الشهيد نزار ...
- حين يعود الحجيج... وتبقى غزة ومخيماتها في موسم الألم
- غزة ومخيماتها... حكاية شعبٍ هزم المؤامرات بالصمود
- نزيه القبرصلي... الشهيد الذي كبر قبل أوانه
- غزة بلا أضحية… وأمةٌ غارقة في عارها
- من النكبة إلى اتفاقيات التطبيع: فلسطين وحيدة في آخر الطريق
- غزة… والمخيمات التي يُراد لها أن تموت
- الأرض تعرف أصحابها... حكاية فلسطين كما رواها جدي محمود (أبو ...
- دوّار بني سهيلا.. حين تُمحى غزة أمام صمت العالم
- النكبة 78: محمود كلّم (أبو فهد)… رجُلٌ لم يُغادر أرضهُ
- العالم الذي بكى على النفط... ونام على جوع غزة
- لا تركب القطار الخطأ لأنك مللت الانتظار! من أقوال «أبو الأفك ...
- وجع خلف القضبان: حين يموت الأسرى بصمت
- غزة… قصيدةُ ألمٍ تُكتبُ بالدّم
- العملاء وخيانة الأوطان: حين يتحوّل الإنسان إلى أداة ضد شعبه ...
- حين يُستهدف الأمل: حكاية -أبو الأمير- في غزة
- بين القضبان والصمت: حكاية الأسرى الذين ترويهم الجدران وينساه ...
- لكلِّ فرعون بحرٌ… والأسرى الفلسطينيون بين الألم والأمل
- الشيخ فرحان السعدي: شيخٌ أشعل الثورة ولم تُطفئه القيود
- مصطفى مراد الدباغ… من يوثّق الذاكرة حين يرحل حرّاسها؟


المزيد.....




- سلطان عمان يهنئ بوتين بمناسبة يوم روسيا
- -النظام الإيراني المتشدد يفضل الموت على السلام-- مقال في الت ...
- 22 دولة غربية تتهم إيران بشن عمليات أمنية خارجية وتطالب بوقف ...
- الزياني للافروف: روسيا تلعب دورا مهما في وقف التصعيد في الشر ...
- الكرملين يدعو الولايات المتحدة وإيران إلى ضبط النفس والعودة ...
- طيار كندي سابق قاد 17 عاما آلاف الركاب برخصة مزورة ويواجه ات ...
- كوستا: قمة الاتحاد الأوروبي قد تقر فتح مفاوضات انضمام أوكران ...
- لافروف يؤكد لنظيرة البحريني التزام روسيا بمبدأ حرية الملاحة ...
- باشينيان: أنتظر تهنئة من بوتين
- البحرين: إصابة طفلة واحتراق مركبات إثر سقوط شظايا مسيرات إير ...


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - مريم وقبس: حكاية حب في سيرة الشهيد نزار بنات