محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)
الحوار المتمدن-العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 15:33
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
كانوا يقولون إن الطفولة ملعبٌ ودفاترُ وأحلامٌ صغيرة، لكن أطفال الوطن، حين يفتحون أعينهم على الاحتلال، يكبرون دفعةً واحدة. يصير القلب أكبر من العمر، وتصير البندقية أثقل من الجسد، لكنها أخف من الذل. وهكذا كان الشهيد نزيه القبرصلي... طفلاً في الرابعة عشرة، لكنه كان يحمل في روحه عمرَ وطنٍ كامل.
في مطلع عام 1984، لم يحتمل نزيه أن يرى والده في سجون الاحتلال، ولم يقبل أن يعتاد القهر كما يعتاده الناس حين يطول الزمن. خرج من طفولته إلى المواجهة، وحمل سلاحه الصغير بيدين لم تكتمل فيهما ملامح الرجولة بعد، لكن الرجولة كانت قد اكتملت في قلبه منذ زمن. هاجم دورية الاحتلال في صيدا، لا لأنه كان يبحث عن بطولةٍ تُروى، بل لأن الكرامة في داخله كانت أكبر من الخوف، وأكبر من العمر، وأكبر حتى من الحياة نفسها.
أيُّ قلبٍ كان يحمله هذا الفتى؟ وأيُّ نارٍ كانت تشتعل في صدره حتى يختار طريقاً يعرف أن نهايته الشهادة؟ لقد أدرك نزيه، كما أدرك الشهداء من قبله، أن الأوطان لا يحرسها الصمت، وأن الحرية لا تأتي إلى المستسلمين، وأن الذين يستشهدون واقفين يهبون الحياة لأمةٍ كاملة.
استشهد نزيه القبرصلي، لكنه لم يرحل. الشهداء لا يغيبون، بل يتحولون إلى ذاكرةٍ تسكن الناس، وإلى أسماءٍ تلمع في عتمة الهزيمة كنجومٍ لا تنطفئ. كل شهيدٍ يسقط يرفع الوطن قليلاً إلى الأعلى، ويترك في الأرض وصيةً من دم:
"لا تتعبوا من المقاومة... فالحرية تستحق."
ولأن العظماء يعرفون العظماء، رثاه نـاجي العلي في إحدى لوحاته، وكأنه كان يرسم وجع الأمة كلها في وجه طفلٍ حمل وطنه على كتفيه ومضى. نـاجي العلي، الذي عرف معنى أن يتحول الإنسان إلى قضية، رأى في نزيه صورة فلسطين ولبنان، وكل طفلٍ عربيٍّ سرقت الحرب طفولته ومنحته بدلاً منها طريق الشهادة.
ما أعظم الشهداء... إنهم لا يملكون قصوراً ولا جيوشاً ولا منابر، لكنهم يملكون ما هو أبقى: الصدق. صدق الذين أحبوا أوطانهم حتى الاستشهاد، وفضّلوا أن يُزفّوا إلى السماء على أن يعيشوا مكسوري الرؤوس. هم الذين يجعلون للأرض معنى، وللحرية ثمناً، وللكرامة قداسة.
سلامٌ على نزيه القبرصلي، وسلامٌ على كل الشهداء الذين عبروا إلى الله تاركين لنا وصية الدم والكرامة. أولئك الذين استشهدوا صغاراً في العمر، كباراً في المجد... والذين سيبقون، مهما طال الزمن، أئمةً للكرامة والعزة والحرية.
تنويه
اسم الشهيد هو نزيه قبرصلي، وليس محمد كما ورد في رسمة الشهيد ناجي العلي.
وربما حدث هذا الالتباس بسبب قِصر المدة الزمنية وتضارب الأخبار آنذاك، إذ إن العملية حصلت يوم 18 كانون الثاني/يناير 1984، بينما نُشرت الرسمة بتاريخ 22 كانون الثاني/يناير 1984، أي بعد أربعة أيام فقط من تاريخ العملية.
#محمود_كلّم (هاشتاغ)
Mahmoud_Kallam#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟