أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - الأرض تعرف أصحابها... حكاية فلسطين كما رواها جدي محمود (أبو فهد)














المزيد.....

الأرض تعرف أصحابها... حكاية فلسطين كما رواها جدي محمود (أبو فهد)


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 15:18
المحور: القضية الفلسطينية
    


كان جدي محمود (أبو فهد) يقول دائماً إن الأرض تعرف أصحابها، وإن تراب فلسطين لا ينسى خطوات من حرثوه وتعبوا فيه. كان يجلس قرب شجرة الزيتون العتيقة، يمرر يده فوق جذعها الخشن، ثم ينظر بعيداً نحو التلال ويقول بحزنٍ يملؤه الفخر: «هذه الأرض ليست تراباً فقط... هذه أعمارنا كلها».

مع أول ضوء للفجر، حين تمتد رائحة الزعتر والزيتون فوق الحقول الفلسطينية، كان جدي يخرج إلى أرضه كأنّه يذهب إلى صلاةٍ مقدسة. يحمل معوله بيدٍ أتعبها العمر، لكن قلبه كان يزداد شباباً كلما لامس التراب. هناك بين أشجار الزيتون والتين والعنب، كانت تبدأ حكاياته، حكاية وطنٍ عاش في القلب أكثر مما عاش في البيوت والطرقات.

وكان كثيراً ما يتحدث عن أرض جالين وأرض الصّوانة، أرض عشيرة عرب السّمنيّة، تلك الأرض التي بقيت شاهدة على وجوه الرجال الذين تمسكوا بترابها كما يتمسك الإنسان بروحه. كان يقول إن أشجار التين والزيتون والعنب ما زالت تحكي للعابرين تاريخ ومسيرة أولئك الشرفاء الذين رفضوا الرحيل، ورووا عطش ترابها بعرقهم وتضحياتهم، حتى بقيت فلسطين واقفة رغم كل الجراح.

في حديثه، لم تكن فلسطين مجرد وطنٍ على الخريطة، بل روحٌ تسكن الناس ولا تغادرهم مهما ابتعدوا. كان يتحدث عن مواسم القمح، وعن النساء اللواتي كنّ يخبزن على الحطب، وعن الأطفال الذين كانوا يركضون بين الحقول بضحكاتٍ تشبه الحياة قبل أن يثقلها الحزن. كانت فلسطين التي يرويها جدي وطناً حياً نابضاً بالتفاصيل الصغيرة التي تصنع ذاكرة الشعوب وتحفظ هويتها من الضياع.

غير أن تلك الأرض التي ورثها الأبناء عن الآباء والأجداد لم تسلم من أطماع الاحتلال ومشاريعه الاستيطانية. وكان جدي يؤكد دائماً أن هذه البلاد لنا أباً عن جد، مهما حاول المحتل فرض روايته أو تغيير معالم المكان. فالمستوطنات التي تنتشر اليوم فوق أجزاء واسعة من الأرض الفلسطينية لم تنشأ على أرضٍ بلا أصحاب، بل أُقيم كثيرٌ منها بالقوة على أراضٍ فلسطينية معروفة الملكية والانتماء، بعضها بدأ في ظل الاحتلال البريطاني، وبعضها توسع بعد نكبة عام 1948 وما تلاها من احتلال واستيلاء على الأرض.

وكان يرى أن ما جرى لفلسطين لم يكن مجرد صراعٍ على حدود أو جغرافيا، بل محاولة مستمرة لاقتلاع الإنسان من أرضه وانتزاع الذاكرة من جذورها. فقد اقتُلعت أشجار التين والزيتون التي غرسها الأجداد، وشُوّهت تضاريس القرى والسهول والجبال، وتعرضت أسماء الأماكن للتغيير والتبديل في محاولة لإعادة تشكيل المشهد بما يخدم رواية أخرى لا تنتمي إلى تاريخ هذه الأرض الحقيقي. ومع ذلك، بقيت الحجارة القديمة، وبقيت الأشجار المعمرة، وبقيت ذاكرة الناس تروي الحكاية كما كانت، جيلاً بعد جيل.

وحين يذكر الشهداء، كان صوته يخفت قليلاً، ثم ينظر إلى الأرض بصمتٍ طويل، كأنه يسمع أسماءهم تخرج من بين الحجارة وأغصان الزيتون. كان يعرف أن هذه الأرض لم تُروَ بالماء وحده، بل بدماء رجالٍ حملوا الوطن في صدورهم حتى اللحظة الأخيرة، وآمنوا بأن الدفاع عن الأرض دفاعٌ عن الكرامة والوجود والحق في الحياة.

ورغم السنين الثقيلة، بقي إيمان جدي بالأرض أقوى من كل الغياب. كان يتمسك بها كما يتمسك الجذر بأعماق الصخور، ويردد دائماً أن الفلسطيني قد يتعب، وقد يحزن، وقد يُهجّر، لكنه لا ينسى وطنه أبداً. ففلسطين بالنسبة له لم تكن مجرد مكان، بل كرامة وهوية وذاكرة لا تموت.

وفي مواسم القطاف، حين تجتمع العائلة تحت أشجار الزيتون، كان وجه جدي يمتلئ بشيءٍ من الطمأنينة. كأنّه يرى الأجداد يعودون مع الأغاني القديمة ورائحة الزعتر والزيتون. هناك فقط، وسط الأرض، كان يشعر أن فلسطين ما زالت بخير رغم كل الوجع، وأن جذور أهلها أعمق من كل محاولات الاقتلاع والتشريد.

رحل جدي محمود (أبو فهد)، لكن حكاياته بقيت تسكننا. بقي صوته في الحقول، وبقيت وصيته الأخيرة عالقة في القلب:

«تمسكوا بالأرض... فالأرض إن ضاعت، ضاع التاريخ كله.»

ولعل أعظم ما تركه لنا لم يكن مجرد الذكريات، بل اليقين بأن الأرض تحفظ أسماء أصحابها، وأن الحق لا يسقط بالتقادم مهما طال الزمن. ستبقى فلسطين أرض الزعتر والزيتون، أرض الشهداء والحنين، وأرض الحكايات التي لا تنتهي. وسيبقى الزعتر والزيتون شاهدين على أن لهذه الأرض أهلاً، وأن فلسطين لا تُورَّث بالحكايات فقط، بل بالعمل والصبر والتشبث بالحق والحنين الذي لا يموت.

فلسطين ليست رواية تُكتب ثم تُطوى صفحاتها، بل حكاية شعبٍ متجذّر في أرضه منذ أجيال، حكاية تتوارثها القلوب كما تتوارث العائلات مفاتيح البيوت وأسماء الحقول وأشجار الزيتون. ولهذا ستبقى الأرض شاهدة على أصحابها، وسيبقى أصحابها أوفياء لها، مهما تبدلت الأزمنة وتعاقبت المحن، لأن الأرض التي سُقيت بالحب والتعب والتضحيات لا تموت، ولأن فلسطين كانت وستبقى وطناً حياً في الذاكرة والوجدان.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دوّار بني سهيلا.. حين تُمحى غزة أمام صمت العالم
- النكبة 78: محمود كلّم (أبو فهد)… رجُلٌ لم يُغادر أرضهُ
- العالم الذي بكى على النفط... ونام على جوع غزة
- لا تركب القطار الخطأ لأنك مللت الانتظار! من أقوال «أبو الأفك ...
- وجع خلف القضبان: حين يموت الأسرى بصمت
- غزة… قصيدةُ ألمٍ تُكتبُ بالدّم
- العملاء وخيانة الأوطان: حين يتحوّل الإنسان إلى أداة ضد شعبه ...
- حين يُستهدف الأمل: حكاية -أبو الأمير- في غزة
- بين القضبان والصمت: حكاية الأسرى الذين ترويهم الجدران وينساه ...
- لكلِّ فرعون بحرٌ… والأسرى الفلسطينيون بين الألم والأمل
- الشيخ فرحان السعدي: شيخٌ أشعل الثورة ولم تُطفئه القيود
- مصطفى مراد الدباغ… من يوثّق الذاكرة حين يرحل حرّاسها؟
- -كم مرّة هزمتنا الخيانة دون قتال-… حين يصبح السقوط خياراً
- سعد صايل (أبو الوليد)… القائد الذي اغتاله الغدر ولم تُسقطه ا ...
- صباح الخير يا بيروت… المدينة التي لا تعرف الاستسلام
- التونسي فارس خالد… شهيد العلم الفلسطيني
- ليليانا السّمنيّة: رمز الجيل الجديد في الشتات الفلسطيني
- يموتُ الأَسرى وحدهُم… حين يموتُ الحُزنُ
- قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: مسار 11 عاماً في الكنيست
- بين زنازين القهر والموت وصمت العالم… حكاية شعبٍ لا يُهزم


المزيد.....




- أيقونتان في صناعة الساعات.. تعاون ثوري بين -سواتش- و-أوديمار ...
- ناشطون بأسطول غزة أطلق سراحهم يتهمون القوات الإسرائيلية بأعم ...
- عراقجي يبحث مع قائد الجيش الباكستاني إنهاء الحرب مع أمريكا.. ...
- -ساعات فاصلة-.. ترامب يبحث -الضربة الحاسمة- وطهران تهاجم -ال ...
- -اختناق ودخان كثيف- و90 قتيلاً على الأقل.. تفاصيل صادمة عن ك ...
- تقرير: رقم قياسي لعدد حالات التجنيس في ألمانيا عام 2025
- أوغندا تعلن اكتشاف ثلاث إصابات جديدة بفيروس إيبولا
- سبيس إكس تجرب مركبة فضاء من الجيل الجديد بنجاح
- قرب خط إيران.. صور فضائية لاحتشاد 240 سفينة قبالة هرمز
- ترمب يتخلص من خصمه الإعلامي الساخر بإلقائه في القمامة


المزيد.....

- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - الأرض تعرف أصحابها... حكاية فلسطين كما رواها جدي محمود (أبو فهد)