أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - الشهيد نزار بنات... ماذا تُفيد البطولة أطفالاً فقدوا أباهم؟















المزيد.....

الشهيد نزار بنات... ماذا تُفيد البطولة أطفالاً فقدوا أباهم؟


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8734 - 2026 / 6 / 12 - 13:59
المحور: القضية الفلسطينية
    


كان نزار بنات يمشي في العلن، ويتكلم في العلن، ويختلف في العلن، لكنه في لحظة الحقيقة، تُرك وحيداً.

خذله الذين اكتفوا بالمشاهدة من خلف الشاشات. أحبّ دور البطل المنفرد، أو لعلّه وجد نفسه فيه. كنتُ قد حذّرته؛ الطريق التي تمشيها بلا رفقةٍ مُرهِقة، والبطولة، حين لا يحرسها أحد، تتحوّل إلى مخاطرةٍ مكشوفة. قلتُ له ذات مساءٍ إنه لن يجد من يحميه إذا اشتدّ الخطر، ولن يجد من يأخذ بثأره إن سقط. ابتسم ومضى.

واليوم، يطلّ علينا نزار بنات من زاويةٍ أخرى قد تكون الأكثر وجعاً.

ليس السياسي، ولا المعارض، ولا صاحب الصوت العالي في وجه الظلم.

بل الأب.

أبو كفاح الذي كان يعود إلى بيته حاملاً هموم الوطن، ويجلس بين أطفاله أباً لا خطيباً، ووالداً لا ناشطاً سياسياً.

الأب الذي ترك خلفه خمسة أطفالٍ كبروا على اليُتم، وزوجةً وجدت نفسها فجأةً وحيدةً في مواجهة الحياة.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي؛

ماذا نقول لأطفاله؟

هل يكفي أن نقول لهم كان أبوكم بطلاً؟

هل تُشبعهم البطولة إذا جاعت الأفواه؟

هل تُعوِّضهم الكلمات عن دفء اليد التي لن تعود، وعن صوت الأب حين يناديهم في المساء؟

أيُّ عزاءٍ هذا الذي نُقدِّمه؟

وأيُّ بلاغةٍ تستطيع أن تُفسِّر لطفلٍ معنى الغياب؟

نقول لهم إن أباهم كان شجاعاً.

لكن ماذا تفعل الشجاعة في بيتٍ افتقد حنان الأب؟

نقول لهم إنه قال الحقيقة.

لكن الحقيقة لا تجلس إلى المائدة، ولا تضع يدها على رؤوسهم قبل النوم.

لقد تُرك نزار بنات وحيداً.

والجميع خذله، كلٌّ بطريقته؛ بالصمت، والتردد، والخوف.

وحين رحل، امتلأت الساحات بالكلمات؛ كلماتٌ كثيرةٌ متأخرة، لا تردُّ روحاً ولا تمسح دمعة.

ماذا نقول لزوجةٍ في مقتبل العمر، وجدت نفسها مكسورة الجناحين؟

ماذا نقول لها وهي تحمل وحدها ثقل الغياب؟

وهي ترى أطفالها يكبرون كل يومٍ على فراغٍ لا يملؤه شيء؟

هل نقول لها إن زوجها كان بطلاً؟

ماذا ينفع القلب المجروح وصفُ البطولة بعد ذبحه في ساعات الفجر الأولى من يوم الخميس؟

أيُّ معنى للبطولة في بيتٍ انطفأ فيه صوت الأب؟

وأيُّ قيمةٍ للشعارات أمام امرأةٍ أصبحت فجأةً أمّاً وأباً معاً؟

لعلّ أكثر ما يؤلم في حكاية نزار بنات أنّ كثيرين رأوه معارضاً وسياسياً وصاحبَ موقف، لكنهم لم يروا الثمن الإنساني الذي دُفع في النهاية.

فحين استُشهد، لم يفقد الناس صاحب رأي فحسب، بل فقد خمسة أطفالٍ أباهم، وفقدت زوجةٌ شريك عمرها وسندها.

وإذا كانت الجريمة قد وقعت في لحظةٍ محددة، فإن آثارها لم تتوقف عند تلك اللحظة.

فثمّة من تآمر عليه وهو حيّ، وثمّة من شوّه صورته بعد رحيله، وثمّة من لم يتردد في إيذاء زوجته معنوياً، وكأنّ الموت لم يكن كافياً.

ولم يتوقف الخذلان عند لحظة الفجر التي خُطف فيها نزار بنات.

فبعض الذين ضاقوا بصوته وهو حيّ، لم يكتفوا بإسكاته، بل لاحقوه بعد رحيله. شوّهوا صورته، وحرّفوا مواقفه، وحاولوا أن يجعلوا من الضحية متّهماً، ومن الجريمة روايةً قابلةً للنقاش.

ولم تكن زوجته وأطفاله بعيدين عن ذلك الأذى.

وجدوا أنفسهم، فوق ألم الفقدان، مضطرين إلى مواجهة حملات التشويه والافتراء، وكأنّ اليُتم وحده لم يكن كافياً.

أيُّ قسوةٍ هذه التي لا تكتفي بقتل الشهيد نزار، بل تمتدّ إلى ذكراه، وإلى الذين أحبّوه؟

وأيُّ ظلمٍ أكبر من أن تتحوّل زوجة الشهيد وأطفاله إلى ساحةٍ أخرى للعقاب؟

كان يفترض أن تجد زوجته من يساندها، وأن يجد أطفاله من يحيطهم بالرعاية والاحترام، لكنّهم اكتشفوا أنّ غياب الأب لا يأتي وحده؛ بل يجرّ خلفه أسئلةً موجعة، وأعباءً ثقيلة، ومعارك لم يختاروها.

وهكذا دفعت زوجته وأطفاله ثمن الكلمة مرّتين؛ مرةً حين فقدت الأب، ومرةً حين وجدت نفسها وحيدةً في مواجهة ما تركه غيابه من جراحٍ مفتوحة.

وما بين التحريض والصمت والتبرير، دفعت زوجته الثمن الأغلى.

فالقضية هنا ليست قضية رأيٍ سياسي أو خلافٍ عابر، بل قضية إنسانٍ خسر حياته، وأطفالٍ خسروا طفولتهم الآمنة، وزوجة وجدت نفسها وحيدة في مواجهة قسوة الحياة.

وهنا يصبح السؤال أكثر إيلاماً؛

ليس ماذا قدّمت البطولة لنزار بنات؟

بل ماذا تركت لأطفاله بعد أن غاب؟

وماذا فعل الذين صفقوا له، أو بكوه، أو تغنّوا بشجاعته، لتخفيف هذا الحمل عن كاهل أسرته؟

العار في وطنٍ يغتال أصواته المختلفة، ثم يبكيها بعد فوات الأوان.

العار في مجتمعٍ يُصفِّق للبطل وهو حيّ، ثم يكتشف هشاشته حين يحتاج إلى حماية.

نقول إن نزار بنات لم يكن خائفاً.

ونقول إنه آمن بأن الكلمة مسؤولية.

لكننا، في أعماقنا، نعرف أن ذلك لا يكفي.

لا يكفي؛ لأن البطولة لا تحتضن طفلاً في الليل.

ولا يكفي؛ لأن الجوع لا يُسكَت بالشعارات.

ولا يكفي؛ لأن الغياب أكبر من أي خطاب.

يبقى الحزن معلّقاً في الهواء، كاتهامٍ ثقيل.

ويبقى السؤال يؤلمنا؛

كيف نفاخر ببطولة رجلٍ لم نستطع حمايته؟

كان بطلاً، لكن الوطن الذي يترك أبطاله وحدهم... يحمل عاره طويلاً.

ويبقى السؤال معلّقاً في وجوه أطفاله كلّما مرّ الزمن؛

هل كانت البطولة تستحق كل هذا اليُتم؟

سيكبرون، وستكبر معهم الحكاية، لكنّهم سيبقون يفتّشون عن أبيهم في الصور القديمة، وفي الذكريات القليلة التي تركها خلفه.

سيحفظون اسمه، وسيسمعون الناس يتحدّثون عن شجاعته ومواقفه، لكنّ شيئاً من ذلك لن يملأ المقعد الفارغ على المائدة، ولن يعيد إليهم دفء الأب الذي انتُزع من بينهم ذات فجرٍ دامٍ.

لقد كسب نزار بنات مكانه في ذاكرة الوطن، لكنّ أطفاله خسروا وطناً كاملاً كان اسمه الأب.

وهناك، في تلك المسافة القاسية بين المجد واليُتم، تقف المأساة عاريةً من كلّ البلاغة؛ فلا الكلمات تُعيد غائباً، ولا البطولة تداوي وحشة الفراق.

ويبقى الشهيد نزار بنات في ذاكرة الناس صوتاً لم يساوم، ويبقى في قلب أطفاله الأب الذي غاب باكراً أكثر مما ينبغي.

تلك هي الحكاية الأكثر وجعاً...

أن يربح الإنسان مكانه في التاريخ، بينما يقضي أطفاله أعمارهم في انتظار عودته المستحيلة.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مريم وقبس: حكاية حب في سيرة الشهيد نزار بنات
- بين خليل الأب وخليل الابن... حكاية وفاء في سيرة الشهيد نزار ...
- حين يعود الحجيج... وتبقى غزة ومخيماتها في موسم الألم
- غزة ومخيماتها... حكاية شعبٍ هزم المؤامرات بالصمود
- نزيه القبرصلي... الشهيد الذي كبر قبل أوانه
- غزة بلا أضحية… وأمةٌ غارقة في عارها
- من النكبة إلى اتفاقيات التطبيع: فلسطين وحيدة في آخر الطريق
- غزة… والمخيمات التي يُراد لها أن تموت
- الأرض تعرف أصحابها... حكاية فلسطين كما رواها جدي محمود (أبو ...
- دوّار بني سهيلا.. حين تُمحى غزة أمام صمت العالم
- النكبة 78: محمود كلّم (أبو فهد)… رجُلٌ لم يُغادر أرضهُ
- العالم الذي بكى على النفط... ونام على جوع غزة
- لا تركب القطار الخطأ لأنك مللت الانتظار! من أقوال «أبو الأفك ...
- وجع خلف القضبان: حين يموت الأسرى بصمت
- غزة… قصيدةُ ألمٍ تُكتبُ بالدّم
- العملاء وخيانة الأوطان: حين يتحوّل الإنسان إلى أداة ضد شعبه ...
- حين يُستهدف الأمل: حكاية -أبو الأمير- في غزة
- بين القضبان والصمت: حكاية الأسرى الذين ترويهم الجدران وينساه ...
- لكلِّ فرعون بحرٌ… والأسرى الفلسطينيون بين الألم والأمل
- الشيخ فرحان السعدي: شيخٌ أشعل الثورة ولم تُطفئه القيود


المزيد.....




- شاهد.. حريق هائل في مستودع مساحته مليون قدم مربع بكاليفورنيا ...
- كيف أوقِفت الضربة على إيران في اللحظة الأخيرة؟.. تقرير يكشف ...
- تقرير يكشف ارتفاعًا كبيرًا في عدد القتلى بالضفة الغربية: حصي ...
- الصين تحتجز مواطنًا أميركيًا بشبهة التجسس
- مقاتلة صينية تتفوق على يوروفايتر - جرس إنذار لأوروبا؟
- الصين تؤكد عزمها اتخاذ التدابير اللازمة لحماية شركاتها ومواط ...
- روبيو: مسابقة الـUFC بالبيت الأبيض تحظى بقبول واسع أكثر من ش ...
- الأمن يكشف تفاصيل فيديو مثير للجدل في مصر
- بريطانيا: بريكسيت.. عشر سنوات من الندم؟
- السلاحف والأسماك.. الصين تلاحق أحدث جواسيس البحر


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - الشهيد نزار بنات... ماذا تُفيد البطولة أطفالاً فقدوا أباهم؟