أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - من جامعة بيت لحم إلى فجر الخليل: نزار بنات وفايز دويك في مواجهة القمع














المزيد.....

من جامعة بيت لحم إلى فجر الخليل: نزار بنات وفايز دويك في مواجهة القمع


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8739 - 2026 / 6 / 17 - 14:39
المحور: القضية الفلسطينية
    


لم تبدأ نهاية نزار بنات في 24 حزيران/يونيو 2021.
بل بدأت قبل ذلك بثماني سنوات.

لم يكن نزار بنات من أولئك الذين يكتفون بمراقبة المشهد من بعيد؛ فمنذ سنوات طويلة اختار أن يواجه السياسات التي كان يراها خاطئة بصوت مرتفع، غير عابئ بما قد يترتب على ذلك من ملاحقة أو استهداف. وقد شكّلت حادثة مؤتمر جامعة بيت لحم عام 2013 إحدى أبرز المحطات التي كشفت مبكراً طبيعة هذه المواجهة.

في 8 حزيران/يونيو 2013، بدا مؤتمر حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) في جامعة بيت لحم مساحة للنقاش حول الاقتصاد الفلسطيني، قبل أن ينقلب سريعاً إلى مواجهة سياسية داخل القاعة. اصطدمت خطابات رسمية تتحدث عن "إنجازات اقتصادية" بمداخلات حادة من نزار بنات والحاج فايز دويك، رفضا لغة التجميل وأصرا على تشخيص الواقع كما هو، بعيداً عن محاولات التزييف.

توالت المداخلات خلال المؤتمر، وكان من أبرزها حديث تيسير خالد، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية آنذاك، الذي تطرق إلى لقاءات القيادة الفلسطينية مع وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، جون كيري، مؤكداً أن القيادة لن تمرر أي قرار لا ينسجم مع الإرادة الوطنية، وأن من يتجاوز هذا الإطار في تعاطيه مع الخارج سيجد نفسه على ما وصفه بـ"اللائحة السوداء".

عند تلك اللحظة، جاءت مداخلة نزار بنات التي غيّرت أجواء القاعة بالكامل. لم يكتفِ بالاعتراض أو إبداء التحفظ، بل وجّه سؤالاً مباشراً وحاداً إلى تيسير خالد حول قدرة القيادة الفلسطينية على مقاومة الضغوط الأمريكية. وقال: "إذا كنتم في عزّ شبابكم أنجبتم لنا أوسلو، ذاك المولود المسخ، فماذا ننتظر منكم اليوم وأنتم في عمر الزهايمر؟"

ثم تابع بسخرية لاذعة: "هل سيكون محمود عباس ضمن اللائحة السوداء، بما أنه يعيش تحت بسطار الاحتلال؟"

كانت كلمات نزار أشبه بقنابل سياسية داخل القاعة. لم تكن مجرد انتقاد لسياسات قائمة، بل تحدياً مباشراً للخطاب الرسمي وروايته السياسية. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد بالنسبة لكثيرين مجرد معارض يرفع صوته بالنقد، بل أحد أكثر الأصوات استعداداً لمواجهة السلطة من دون مواربة أو حسابات.

أما الحاج فايز دويك، فقد كان شاهداً على تلك المرحلة وشريكاً في بعض محطاتها. تابع عن قرب كيف تحوّل النقاش السياسي إلى مساحة ضيقة لا تتسع لكثير من الأصوات الناقدة، ورأى كيف أصبح نزار بنات، عاماً بعد عام، أكثر حضوراً في المشهد العام وأكثر إصراراً على التمسك بمواقفه. ومن موقعه هذا، بدت له حادثة جامعة بيت لحم واحدة من اللحظات التي كشفت مبكراً طبيعة الصدام المتنامي بين الكلمة الحرة والسلطة.

انسحب وزير الاقتصاد في حكومة رام الله آنذاك، جواد الناجي، من الجلسة وسط تصاعد التوتر، قبل أن يمتد الاحتكاك إلى خارج القاعة.

لكن ما جرى لم يكن مجرد خلاف داخل مؤتمر؛ ففي مرحلة لاحقة، بدا واضحاً أن الكلمة نفسها أصبحت تُعامل كفعلٍ خطير، وأن مجرد الاعتراض العلني يمكن أن يضع صاحبه في دائرة الاستهداف. ورغم ذلك، ازداد نزار بنات وضوحاً وتمسكاً بمواقفه، مدركاً أن الثمن سيكون باهظاً.

لم تكن نهاية نزار بنات في فجر 24 حزيران/يونيو 2021 حدثاً منفصلاً، بل محطة أخيرة في مسار بدأ فعلياً منذ حادثة جامعة بيت لحم عام 2013، حين بدأت ملامح المواجهة تتبلور، ومعها بدأت الكلمة تُعامل تدريجياً كتهديد لا كحق.

بالنسبة لفايز دويك، كانت تلك المرحلة نقطة كشف حاسمة؛ لم يعد الأمر مجرد اختلاف سياسي، بل تعبيراً عن علاقة غير متوازنة بين صوت فردي وسلطة لا تتسامح مع الإحراج العلني.

في فجر 24 حزيران/يونيو 2021، انتهت حياة نزار بنات خلال عملية اعتقال نفذتها أجهزة أمنية تابعة للسلطة في الخليل.

اليوم، تُروى القصة بين الرجلين بوصفها أكثر من صداقة؛ إنها شهادة على لحظة كان فيها قول الحقيقة فعلاً محفوفاً بالعواقب، حتى أصبح الصمت، في مكان ما، الشكل الأكثر أماناً للبقاء.

لكن نزار، كما يراه من عرفه، لم يختر هذا الطريق ليكون آمناً أصلاً.

كان نزار بنات صوتاً استثنائياً بين الأصوات الناقدة، وأضحى رمزاً لمرحلة فلسطينية عصيبة، لحظة بدا فيها أن المسافة بين الكلمة والعقوبة تضيق أكثر فأكثر، وما يجعل قصته حاضرة حتى اليوم ليس استشهاده وحده، بل السؤال الذي تركه خلفه؛ ماذا يتبقى من الحياة العامة حين يصبح التعبير عن الرأي ثمناً شخصياً باهظاً؟

هنا تحديداً تتجاوز الحكاية حدود نزار بنات وفايز دويك، لتصبح مرآة لعلاقة معقدة بين السلطة والنقد، وبين الحق في التعبير والخوف من تبعاته. فالقضية لم تعد تتعلق برجلين جمعتهما صداقة وموقف، بل بمجتمع كامل يواجه سؤالاً جوهرياً حول مساحة الحرية التي يملكها أفراده، وحول قدرة الكلمة على البقاء فعلاً مشروعاً لا تهمة تستوجب العقاب.

ولهذا، فإن ذكرى نزار بنات لا تُستعاد بوصفها استذكاراً لشخص استشهد فحسب، بل بوصفها تذكيراً دائماً بأن المجتمعات التي تضيق بالنقد تخسر إحدى أهم وسائل تصحيح أخطائها، وأن الكلمة التي تُحاصَر اليوم قد تتحول غداً إلى حقيقة لا يمكن تجاهلها.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نزار بنات، غسّان كنفاني، ناجي العلي: حين يُغتال الصّوت ولا ت ...
- نزار بنات... حكاية عمرٍ بدأت بابتسامة وانتهت بوجعٍ لا ينتهي
- نزار بنات: الذين يشبهون الحقيقة لا يعيشون طويلاً
- الشهيد نزار بنات... ماذا تُفيد البطولة أطفالاً فقدوا أباهم؟
- مريم وقبس: حكاية حب في سيرة الشهيد نزار بنات
- بين خليل الأب وخليل الابن... حكاية وفاء في سيرة الشهيد نزار ...
- حين يعود الحجيج... وتبقى غزة ومخيماتها في موسم الألم
- غزة ومخيماتها... حكاية شعبٍ هزم المؤامرات بالصمود
- نزيه القبرصلي... الشهيد الذي كبر قبل أوانه
- غزة بلا أضحية… وأمةٌ غارقة في عارها
- من النكبة إلى اتفاقيات التطبيع: فلسطين وحيدة في آخر الطريق
- غزة… والمخيمات التي يُراد لها أن تموت
- الأرض تعرف أصحابها... حكاية فلسطين كما رواها جدي محمود (أبو ...
- دوّار بني سهيلا.. حين تُمحى غزة أمام صمت العالم
- النكبة 78: محمود كلّم (أبو فهد)… رجُلٌ لم يُغادر أرضهُ
- العالم الذي بكى على النفط... ونام على جوع غزة
- لا تركب القطار الخطأ لأنك مللت الانتظار! من أقوال «أبو الأفك ...
- وجع خلف القضبان: حين يموت الأسرى بصمت
- غزة… قصيدةُ ألمٍ تُكتبُ بالدّم
- العملاء وخيانة الأوطان: حين يتحوّل الإنسان إلى أداة ضد شعبه ...


المزيد.....




- -لا نتوسل أبدًا-.. إيطاليا تلغي زيارة رسمية لواشنطن بعد تصري ...
- روبيو يؤكد وقوف واشنطن إلى جانب لبنان والعمل من أجل تحقيق ال ...
- زيلينسكي يهدد بضرب أراض بيلاروسية خلال أسبوع
- فون دير لاين تدعو إسرائيل لاحترام سيادة لبنان وسلامته الإقلي ...
- سوريا.. الجيش الإسرائيلي يتوغل في ريف درعا الغربي ويعتقل راع ...
- تقارير تتحدث عن اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله ...
- مفتي سوريا يحذر من الانزلاق إلى الانتقام ويطالب بتسريع العدا ...
- انفراجة في مضيق هرمز.. حركة الملاحة تقفز إلى أعلى مستوى منذ ...
- حر شديد في أوروبا: أفيال ودببة حديقة برلين تنتعش بالماء
- موجة حر تقترب من 40 درجة في فرنسا: السياح يغيرون عاداتهم


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - من جامعة بيت لحم إلى فجر الخليل: نزار بنات وفايز دويك في مواجهة القمع