أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - نزار بنات: الذين يشبهون الحقيقة لا يعيشون طويلاً














المزيد.....

نزار بنات: الذين يشبهون الحقيقة لا يعيشون طويلاً


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8735 - 2026 / 6 / 13 - 14:03
المحور: القضية الفلسطينية
    


لم يكن نزار بنات، ابن بلدة عجّور المحتلة، رجلاً عادياً. كان يشبه صوته أكثر مما تشبهه ملامحه، ويشبه مواقفه أكثر مما تشبهه يوميات الناس. عاش في دورا الخليل كأنه ضيف عليها، لا يطلب من الحياة إلا حقه في قول كلمة لا تنكسر ولا يساوم عليها. وفي اللحظة التي ظن فيها البعض أن كثرة الوجوه حوله تعني كثرة الأصدقاء، تبيّن أن ما كان لديه مجرد معارف؛ عابرون حول رجل كان يملك من الصدق ما يربك الجميع.

نزار بنات، ذاك الذي اعتقد كثيرون أنه محاط بالأصدقاء، كان في الحقيقة محاطاً بالوهم. يمشي بينهم ولا يشبه أحداً، يقول ما يخشاه غيره، ويتقدم خطوة إلى الأمام حين يتراجع الجميع خطوة إلى الخلف. لم يكن بطلاً يتدرّب على البطولة، ولا معارضاً يسعى إلى دور. كان رجلاً يرى الظلم أمامه، فيشير إليه ويسمّي الأشياء بأسمائها، وكان ذلك وحده كافياً ليبدأ اغترابه الطويل.

في الخليل، حيث وُلد وكبر، عاش غريباً. غربة لم تكن فقراً في الصداقة، بل فائضاً من الوعي. لم يعرف المجاملات، ولم يُتقن لعبة التلوّن، ولم يقبل أن يبدّل رأيه ليُعجب أحداً. كان يعرف أن محبة الناس له تأتي من صدقه، وأن كره البعض له يأتي أيضاً من صدقه. بين حب يخشى الناس إعلانه، وكره يجرؤون على إظهاره، عاش نزار بنات (أبو كفاح) كما يعيش الذين سبقوا زمنهم: خارج الاصطفافات، وبلا سند، وبلا مساومة.

كان يخرج بهاتفه البسيط ليواجه منظومة كاملة. يجلس أمام الكاميرا وحده، بلا استوديو ولا حرس ولا حزب يحتمي به، ويبدأ حديثه كأنما يخاطب ضميره قبل أن يخاطب الناس. لم يكن يملك سوى كلماته، لكنها كانت كافية لتجعل كثيرين يشعرون بالضيق من رجل أعزل.

وكان من عادته، قبل أن يسجل بعض مقاطع الفيديو، أن يتصل بعدد من معارفه ويتبادل معهم النقاش حول بعض الأفكار التي ينوي طرحها. أذكر أنه اتصل بي ذات مرة وسألني عن اسم زوجة الرئيس اللبناني الراحل بشير الجميل، فأجبته بأنها صولانج جميل. تبادلنا الحديث يومها وانتهت المكالمة كأي حديث عابر.

وفي مساء اليوم التالي اتصل بي مجدداً وسألني إن كنت قد شاهدت الفيديو الذي نشره قبل قليل. أخبرته أنني لم أشاهده بعد، فقال: "شاهده وأعطني رأيك". استمعت إلى المقطع، فإذا به يذكر صولانج على أنها زوجة أمين الجميل. اتصلت به فوراً وقلت له ضاحكاً: "يا أبا كفاح، أمين هو شقيق بشير، وليس بشيراً نفسه". ضحك نزار من قلبه، وضحكت معه، ثم قال بعفويته المعهودة: "مشيها".

قد تبدو حكاية صغيرة لا تستحق التوقف عندها، لكنها تكشف جانباً من شخصيته لا يعرفه كثيرون. كان يستشير ويستمع، ولا يتعامل مع نفسه بوصفه مالك الحقيقة المطلقة. وبرغم صلابة مواقفه وحدّة نقده، ظل محتفظاً بتلك البساطة الإنسانية التي جعلته قريباً ممن عرفوه، وأقرب إلى نفسه من كثيرين احترفوا الأدوار والأقنعة.

ولم تكن صراحته أمراً طارئاً أو موقفاً عابراً في حياته. فقد روى لي بنفسه، ثم سمعت تفاصيل الحادثة لاحقاً من صديقه الحاج فايز دويك، ما جرى معه في جامعة بيت لحم يوم السبت الثامن من حزيران/يونيو 2013.

خلال لقاء سياسي حضره عدد من الشخصيات الوطنية، وجّه نزار سؤالاً مباشراً إلى تيسير خالد حول قدرة القيادة الفلسطينية على رفض الضغوط الأميركية. ولم يكن السؤال مهادناً أو قابلاً للتأويل، إذ قال له: "إذا كنتم في عز شبابكم أنجبتم لنا أوسلو، ذلك المولود المسخ، فماذا ننتظر منكم اليوم وأنتم في عمر الزهايمر؟".

أثارت عبارته غضباً في القاعة، وتعرض على إثرها للاعتداء. لكن ما بقي عالقاً في الذاكرة لم يكن الاعتداء نفسه، بل إصراره على عدم الاعتذار. كان بإمكانه أن يخفف من حدة الموقف بكلمة واحدة، أو أن يتراجع خطوة إلى الخلف كما يفعل كثيرون، لكنه لم يفعل. ظل متمسكاً بحقه في التعبير عن رأيه، مؤمناً بأن الكلمة التي تُقال عن قناعة لا تُسترد خوفاً من العواقب.

لم يكن ذلك الموقف استثناءً في حياته، بل كان صورة مكثفة عنها. فالرجل الذي رفض الاعتذار يومها هو نفسه الرجل الذي واصل لاحقاً السير في الطريق الأصعب، مؤمناً بأن قيمة الكلمة لا تُقاس بحجم التصفيق لها، بل بحجم الثمن الذي يكون صاحبها مستعداً لدفعه من أجلها.

ثم جاءت لحظة الغياب؛ لحظة جعلت كل شيء يبدو أوضح وأكثر قسوة. استُشهد نزار بنات كما عاش؛ غريباً. استُشهد وحوله وجوه كثيرة، لكنها لم تكن الوجوه التي تحمي، بل الوجوه التي لا تعرف معنى الرفقة. استُشهد في زمن صارت فيه الحقيقة عبئاً، والسكوت مصلحة، والصدق جريمة لا تُغتفر.

لم يغادر نزار بنات فعلياً. ترك وراءه موقفاً وسؤالاً يطارد كل من يخشى الكلمة؛ لماذا يموت الذين يتكلمون، ويعيش الذين يزيّنون الصمت؟

ورغم رحيله، ظل صوته حاضراً في الذاكرة، عصياً على الغياب.

لم يكن لنزار الكثير من الأصدقاء، لكنه كان بلا شك رجلاً لم يملك ترف أن يشبه أحداً؛ لأن الذين يشبهون الجميع يعيشون طويلاً، أما الذين يشبهون الحقيقة فيعيشون قليلاً، لكن حضورهم لا يغيب.

رحل، لكن الأيام أكدت الحقيقة التي عاش من أجلها؛ أن أصحاب الكلمة قد يرحلون، لكن كلماتهم لا ترحل معهم، بل تبقى حاضرة في الذاكرة كلما ظن الناس أن الرحيل أسدل ستاره الأخير.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشهيد نزار بنات... ماذا تُفيد البطولة أطفالاً فقدوا أباهم؟
- مريم وقبس: حكاية حب في سيرة الشهيد نزار بنات
- بين خليل الأب وخليل الابن... حكاية وفاء في سيرة الشهيد نزار ...
- حين يعود الحجيج... وتبقى غزة ومخيماتها في موسم الألم
- غزة ومخيماتها... حكاية شعبٍ هزم المؤامرات بالصمود
- نزيه القبرصلي... الشهيد الذي كبر قبل أوانه
- غزة بلا أضحية… وأمةٌ غارقة في عارها
- من النكبة إلى اتفاقيات التطبيع: فلسطين وحيدة في آخر الطريق
- غزة… والمخيمات التي يُراد لها أن تموت
- الأرض تعرف أصحابها... حكاية فلسطين كما رواها جدي محمود (أبو ...
- دوّار بني سهيلا.. حين تُمحى غزة أمام صمت العالم
- النكبة 78: محمود كلّم (أبو فهد)… رجُلٌ لم يُغادر أرضهُ
- العالم الذي بكى على النفط... ونام على جوع غزة
- لا تركب القطار الخطأ لأنك مللت الانتظار! من أقوال «أبو الأفك ...
- وجع خلف القضبان: حين يموت الأسرى بصمت
- غزة… قصيدةُ ألمٍ تُكتبُ بالدّم
- العملاء وخيانة الأوطان: حين يتحوّل الإنسان إلى أداة ضد شعبه ...
- حين يُستهدف الأمل: حكاية -أبو الأمير- في غزة
- بين القضبان والصمت: حكاية الأسرى الذين ترويهم الجدران وينساه ...
- لكلِّ فرعون بحرٌ… والأسرى الفلسطينيون بين الألم والأمل


المزيد.....




- بينهم السيسي ومحمد بن زايد.. مسؤول: ترامب سيلتقي قادة من الش ...
- ترامب يحدد موعد توقيع الاتفاق مع إيران وفتح مضيق هرمز
- مسؤول إيراني: لا خطط سفر خلال اليومين المقبلين لتوقيع اتفاق ...
- -عيد ميلاده-.. الحرس الثوري يعلق بعد إعلان ترامب موعد توقيع ...
- ستارمر يطلع أمين عام الناتو على خطة بريطانيا الدفاعية
- رصد مغادرة طائرات التزود بالوقود الأمريكية مطار بن غوريون ال ...
- ترامب: توقيع اتفاق إنهاء الحرب غداً، وإيران -تستبعد ذلك-
- بعد هجومه على نظامها.. السفارة الإيرانية ترد على وزير خارجية ...
- - قلق غربي ومحاولات استرضاء-: هل يشكل مزاج ترامب ملامح قمة ا ...
- القبض على شخصين يشتبه بتورطهما في سرقة معدات منتخب إنجلترا


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - نزار بنات: الذين يشبهون الحقيقة لا يعيشون طويلاً