محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)
الحوار المتمدن-العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 15:03
المحور:
القضية الفلسطينية
في ساعات الفجر الأولى، وفي لحظةٍ كان الليل فيها ينسحب بهدوء، رحل نزار بنات.
رحل الرجل الذي اختار أن يسير في طريقٍ مزروعٍ بالأشواك، وأن يقول ما يؤمن به مهما كان الثمن. رحل جسداً، لكن اسمه بقي حاضراً في الذاكرة، وبقيت كلماته تتردد في آذان من عرفوه ومن اختلفوا معه على حدّ سواء.
كان نزار بنات حاضراً في المشهد العام بصوته المباشر وحديثه الذي لم يعرف المجاملة. لم يكن يحتاج إلى منصات معقدة أو أدوات إعلامية كبيرة، بل كان يظهر عبر هاتفه ليخاطب الناس بلغة قريبة منهم، كما هي، بلا تزيين أو وسيط.
فقط رجل، وهاتف، وكلمة.
في ظهوره المتكرر، كان يقدّم مواقفه بوضوح حاد، ويثير نقاشاً واسعاً حول ما يطرحه من قضايا سياسية واجتماعية. لم يكن خطابه يمرّ دون جدل، لكنه كان حاضراً بقوة لا يمكن تجاهلها.
وحين كان يغضب من واقعٍ يراه يزداد سوءاً يوماً بعد يوم، كان يردد كلمته الشهيرة؛ «مشيها». لم يكن يقولها استسلاماً، بل بسخريةٍ موجوعة تختصر حجم العبث الذي كان يراه، وتعكس طريقته في التعليق على ما يعتبره خللاً في المشهد العام.
لم يكن بعيداً عن الناس في خطابه، بل كان يرى نفسه جزءاً منهم، ينقل ما يعتبره أسئلتهم ووجعهم وغضبهم، دون أن يفصل نفسه عن هذا السياق.
كان يدرك أن الطريق الذي اختاره ليس سهلاً، وأن التعبير المباشر عن المواقف قد يجرّ معه ضغوطاً ومخاطر، لكنه ظل ثابتاً على ما يقول، غير متراجع عمّا يراه حقاً، ومتمسكاً بنبرة لا تعرف المساومة.
في فجر رحيله، انقطع الصوت الذي اعتاد أن يظهر من خلف شاشة هاتف بسيط، يتحدث بلهجة الناس وينقل ما يراه كما هو.
رحل نزار بنات متمسكاً بقناعاته حتى اللحظة الأخيرة، تاركاً خلفه كلماتٍ وأسئلةً بقيت حاضرةً بعد غيابه.
وكأن رسالته الأخيرة كانت تقول إنه غادر متمسكاً بما آمن به، مؤمناً بأنه لم يساوم على مبدأ، ولم يتخلَّ عن حقه في قول ما يعتقده صواباً، وأن الدفاع عن الكرامة والعدالة لم يكن بالنسبة إليه موقفاً عابراً، بل خياراً حمله حتى النهاية.
لهذا، لم يكن رحيله نهاية الحكاية.
فالأجساد ترحل، أما الكلمات الصادقة فتبقى.
ولهذا أيضاً، فإن نزار بنات، الذي غاب جسداً، ما زال حاضراً بمواقفه وأسئلته التي لم تجد جواباً بعد.
كانوا يظنون أن إسكات الصوت ينهي الحكاية.
لكن ذلك الصوت تحوّل إلى ذاكرة، وتحولت كلماته إلى أسئلةٍ ما زالت تبحث عن إجابات.
لذلك، لم يكن ذلك الفجر نهاية الحكاية، بل بداية حضورٍ آخر بقي في الذاكرة، وأسئلةٍ لم تجد جوابها بعد.
أما الهاتف الذي كان يحمله كل مساء، فقد صمت وغاب صاحبه.
لكن الأسئلة التي خرجت منه ما زالت تتكلم.
#محمود_كلّم (هاشتاغ)
Mahmoud_Kallam#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟