أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - نزار بنات كما عرفه شاكر اطميزه: حكايةُ صداقةٍ لم تنتهِ بالموت.














المزيد.....

نزار بنات كما عرفه شاكر اطميزه: حكايةُ صداقةٍ لم تنتهِ بالموت.


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8741 - 2026 / 6 / 19 - 13:46
المحور: القضية الفلسطينية
    


ليست كل العلاقات التي تنشأ في أروقة المحاكم علاقات مهنية باردة تنتهي بانتهاء القضية. ثمة علاقات تُصاغ من المواقف الصعبة، وتكبر تحت وطأة الخوف والاعتقال والملاحقة حتى تصبح جزءاً من سيرة الإنسان وذاكرته. هكذا كانت العلاقة التي جمعت الشهيد نزار بنات بمحاميه وصديقه شاكر اطميزه؛ علاقة تجاوزت حدود القانون إلى مساحة أوسع اسمها الوفاء.

على امتداد سنوات طويلة، كان شاكر إلى جانب نزار في محطات كثيرة من حياته. تابَع قضاياه، ورافقه في معاركه القانونية، وشهد عن قرب ما لم يكن يراه الجمهور في الخطب والتسجيلات المصورة. لم يكن يرى الناشط السياسي فقط، بل الإنسان الذي يحمل أحلامه وهمومه وبساطته في آن واحد.

ومن بين عشرات القصص التي بقيت عالقة في الذاكرة، تبرز حكاية صغيرة في تفاصيلها، كبيرة في معناها.

عندما قرر نزار بنات الترشح لانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2021، احتاج إلى شهادة عدم محكومية ضمن متطلبات الترشح. اتصل بصديقه شاكر طالباً مساعدته في استخراجها. وحين أخبره شاكر أن حضوره الشخصي إلى وزارة العدل ضروري، أجابه نزار بعفويته الساخرة التي لم تفارقه رغم ضيق الحال:

"معيش مصاري... بتيجي بتاخذني من دورا، وبتدفع رسوم الشهادة، وبتفطرني، وبتشتريلي بكيت دخان."

لم يكن في حديثه تكلف ولا حرج، بل تلك البساطة الصادقة التي عرفها كل من اقترب منه. لم يكن الرجل الذي شغل الرأي العام يملك في تلك اللحظة سوى قناعته وكلمته، ولم يكن يتردد في التعبير عن حاجته كما هي، بلا مواربة ولا ادعاء.

أما شاكر، فلم يتردد في تلبية طلب صديقه. ذهب إليه، واصطحبه، ودفع رسوم الشهادة، وأفطره، واشترى له علبة سجائر. بدا الأمر يومها تفصيلاً عابراً في حياة رجلين تجمعهما الصداقة.

لكن شاكر لم يكن يعلم، وهو يدفع خمسة عشر شيكلاً رسوم الشهادة ويشتري لصديقه علبة سجائر، أنه يشتري للذاكرة أيضاً حكاية ستُروى بعد الرحيل؛ فبعض التفاصيل التي تبدو عابرة في لحظتها تتحول بعد الغياب إلى كنوز لا تُقدَّر بثمن، وتصبح شاهداً على جوهر الأشخاص أكثر من أي خطاب أو صورة.

كان شاكر يعرف نزار من زاوية مختلفة. عرفه في لحظات التحقيق والاعتقال، عندما يكون الإنسان عارياً إلا من قناعاته. وهناك اكتشف جانباً آخر من شخصيته. فقد كان نزار جريئاً إلى حدٍّ استثنائي، يتمسك بحقه في التعبير عن رأيه من دون خوف، ويرفض التراجع عن مواقفه مهما كانت الضغوط.

ويعترف شاكر بأن نزار علّمه في ساحات التحقيق ما لم يتعلمه في قاعات دراسة القانون. كان يدافع عن أفكاره بشراسة المؤمن بها، ويتحدث بثقة من يرى أن الصمت عن الحقيقة شكلٌ من أشكال الهزيمة. لذلك لم يكن مجرد معتقل سياسي يدافع عنه محامٍ، بل كان مدرسة كاملة في الإصرار والثبات.

ورغم الصورة الصلبة التي عرفه بها الناس، فإن الذين اقتربوا منه كانوا يرون وجهاً آخر أكثر رقة وإنسانية. كان محباً للحياة، عطوفاً على الحيوانات، شديد الحساسية تجاه معاناة الآخرين، وكانت هذه الرقة تسكن خلف صوته المرتفع ومواقفه الحادة، فلا يراها إلا من عرفه عن قرب.

ومن أكثر الذكريات إيلاماً تلك التي استعادها شاكر بعد رحيل صديقه. فبعد حادثة إطلاق النار على منزل نزار، حاولت جهات حقوقية ترتيب لقاء له مع جهة قضائية، وأبدى شاكر استعداده لمرافقته. لكن نزار رفض بهدوء قائلاً:

"سيقتلوننا في الطريق".

بدت العبارة آنذاك أقرب إلى هواجس رجل يشعر بأن الخطر يحيط به من كل اتجاه. غير أن الأيام أثبتت أن حدسه كان أكثر قرباً من الحقيقة مما ظن كثيرون. وبعد رحيله، بقيت تلك الكلمات تتردد في ذاكرة أصدقائه كجرس إنذار لم يسمعه أحد في الوقت المناسب.

لقد كانت العلاقة بين نزار بنات وشاكر اطميزه أكثر من علاقة محامٍ بموكله. كانت علاقة صديقين جمعتهما الثقة، ووحّد بينهما الإيمان بأن الكرامة لا تُساوَم، وأن الكلمة الحرة تستحق أن يُدفع ثمنها مهما كان باهظاً.

رحل نزار بنات، لكن الحكايات التي بقيت في ذاكرة شاكر ما زالت تمنحه حضوراً لا يستطيع الغياب أن يمحوه؛ فالأشخاص العاديون يرحلون بصمت، أما الذين عاشوا بصدق فإنهم يتركون خلفهم أثراً يتجدد كلما رُويت حكاية من حكاياتهم.

وهكذا، كلما استعاد شاكر تلك الرحلة القصيرة من دورا إلى وزارة العدل، أو تذكّر جلسات المحاكم والتحقيقات، لا يستحضر مجرد أحداث مضت، بل يستعيد صديقاً كان استثنائياً في صدقه، بسيطاً في حياته، كبيراً في مواقفه.

سلامٌ على نزار بنات، يوم عاش حراً، ويوم رحل متمسكاً بما آمن به، ويوم بقيت سيرته تُروى في ذاكرة محبيه. وسلامٌ على الصداقة التي أثبتت أن بعض العلاقات لا تنتهي بالموت، بل تبدأ بعده حكايةً تُروى للأجيال.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوسف نصّار يروي: نزار بنات... خمسون شيكلاً وقطة جريحة
- من جامعة بيت لحم إلى فجر الخليل: نزار بنات وفايز دويك في موا ...
- نزار بنات، غسّان كنفاني، ناجي العلي: حين يُغتال الصّوت ولا ت ...
- نزار بنات... حكاية عمرٍ بدأت بابتسامة وانتهت بوجعٍ لا ينتهي
- نزار بنات: الذين يشبهون الحقيقة لا يعيشون طويلاً
- الشهيد نزار بنات... ماذا تُفيد البطولة أطفالاً فقدوا أباهم؟
- مريم وقبس: حكاية حب في سيرة الشهيد نزار بنات
- بين خليل الأب وخليل الابن... حكاية وفاء في سيرة الشهيد نزار ...
- حين يعود الحجيج... وتبقى غزة ومخيماتها في موسم الألم
- غزة ومخيماتها... حكاية شعبٍ هزم المؤامرات بالصمود
- نزيه القبرصلي... الشهيد الذي كبر قبل أوانه
- غزة بلا أضحية… وأمةٌ غارقة في عارها
- من النكبة إلى اتفاقيات التطبيع: فلسطين وحيدة في آخر الطريق
- غزة… والمخيمات التي يُراد لها أن تموت
- الأرض تعرف أصحابها... حكاية فلسطين كما رواها جدي محمود (أبو ...
- دوّار بني سهيلا.. حين تُمحى غزة أمام صمت العالم
- النكبة 78: محمود كلّم (أبو فهد)… رجُلٌ لم يُغادر أرضهُ
- العالم الذي بكى على النفط... ونام على جوع غزة
- لا تركب القطار الخطأ لأنك مللت الانتظار! من أقوال «أبو الأفك ...
- وجع خلف القضبان: حين يموت الأسرى بصمت


المزيد.....




- ماكرون يصف محادثاته مع ترامب بشأن أوكرانيا والبحر الأحمر بأن ...
- سلام يدعو إلى إبقاء وجود دولي في جنوب لبنان بعد انتهاء مهمة ...
- المساعدة والقاضي.. حظر يفتح معركة جديدة بين ترمب والإعلام
- حرائق كاليفورنيا تودي بحياة طيارين بعد تحطم مروحيتهما
- قمة ترمب وشي.. ابتسامات فوق الطاولة وركلات تحتها
- الحوثيون يشنون -المرحلة التالية من حملتهم- بينما تنأى إدارة ...
- بيرنهام يتعهد بحل أزمة قاعدة -دييغو غارسيا- مع موريشيوس
- أزمة سد -النهضة-: مصر توضح حقيقة حصولها على -نصيب الأسد من م ...
- استطلاع: تراجع شعبية ترامب لأدنى مستوى خلال مسيرته السياسية ...
- ارتفاع الإنفاق على عمليات مكتب زيلينسكي بنسبة 22.2% في عام 2 ...


المزيد.....

- الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغ ... / سمير أبومدللة
- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - نزار بنات كما عرفه شاكر اطميزه: حكايةُ صداقةٍ لم تنتهِ بالموت.