أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - غزة... حين سقطت الأقنعة














المزيد.....

غزة... حين سقطت الأقنعة


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8786 - 2026 / 8 / 3 - 18:13
المحور: القضية الفلسطينية
    


امتحان الضمير الإنساني في زمن الحرب والخذلان

تُروى روايةٌ عن سقوط طليطلة بعد حصارٍ طويل، تقول إن الإسبان سألوا أهلها بعد الاستسلام؛ كيف صبرتم كل هذه الأشهر؟ فأجابوا: كنا ننتظر المدد من ملوك الطوائف. فجاءهم الرد القاسي: لكن ملوك الطوائف كانوا معنا في حصاركم.

وسواء ثبتت هذه الرواية تاريخياً أم بقيت في حدود المأثور الشعبي، فإنها تختصر واحدةً من أكثر الحقائق إيلاماً في تاريخ الأمم؛ فالهزيمة لا تصنعها قوة العدو وحدها، بل يصنعها أيضاً خذلان القريب، وصمت الأخ، وانهيار معنى التضامن ساعة الامتحان.

بعد قرون، تقف غزة أمام مشهدٍ يكاد يعيد التاريخ بصورٍ أكثر قسوة.

لم تكشف غزة وحشية الاحتلال، فهذه الحقيقة يعرفها العالم منذ عقود، لكنها كشفت حجم النفاق الذي أحاط بالقضية الفلسطينية، وحجم الشعارات التي كانت تُرفع في المؤتمرات والمنابر، ثم تتبخر عندما يحين موعد الفعل.

منذ أيام، تحدثت مطولاً مع صديقٍ يعيش في قطاع غزة. لم يكن حديثنا عن السياسة، بل عن الناس، وعن الجوع، وعن الخوف، وعن حياةٍ أصبحت تُقاس بالساعات لا بالأيام.

قال لي: "في بداية الحرب كان الخط الأصفر بعيداً عن مكان سكني، لكنه يقترب كل يوم، خطوةً بعد خطوة. أخشى أن أنام هذه الليلة، فأستيقظ غداً لأجد الخط الأصفر قد وصل إلى نافذة بيتي."

أغلقت الهاتف، لكن صوته بقي يرن في أذني. أدركت أن الخوف في غزة لم يعد من القصف وحده، بل من خريطةٍ تتغير كل يوم، ومن خطٍ أصفر يلتهم ما تبقى من الأرض، ويضيق على الناس حتى يكاد يطرق نوافذ بيوتهم.

أيُّ حياةٍ هذه التي ينام فيها الإنسان وهو لا يعلم إن كانت المسافة بينه وبين التهجير ستختصر مع شروق اليوم التالي؟

منذ نكبة عام 1948، وعلى مدى أكثر من سبعة عقود، والقضية الفلسطينية حاضرة في الخطب والبيانات والقمم والشعارات، لكن عندما تعرضت غزة لواحدة من أكثر الحروب دمويةً في العقود الأخيرة، سقطت الأقنعة واحداً تلو الآخر، وانكشف الفرق بين من يحمل فلسطين في ضميره، ومن يحملها في خطاباته فقط.

في غزة لم تُقصف البيوت وحدها، بل قُصفت الثقة أيضاً. ولم تُهدم المدارس والمستشفيات والمساجد فحسب، بل تهدمت أوهامٌ كثيرة كانت تعيش في وجدان الناس عن أمةٍ لن تتركهم وحدهم، وعن عالمٍ لا يزال يؤمن بشيء اسمه العدالة.

أطفالٌ يموتون جوعاً، وعائلاتٌ تُباد، وأحياءٌ تُمحى من الخرائط، فيما يقف العالم متفرجاً، ويكتفي كثيرون ببيانات الشجب والإدانة، وكأن الكلمات تستطيع أن توقف الطائرات أو تعيد الحياة إلى من رحلوا.

لقد أصبحت غزة مرآةً أخلاقية للعالم. من نظر فيها رأى نفسه كما هو، بلا أقنعة ولا شعارات. رأى من انتصر للإنسان، ورأى من خذله، ورأى من آثر الصمت حين كان الصمت شراكةً في الجريمة.

قد تنتهي الحروب يوماً، وقد تتغير الموازين، لكن التاريخ لا ينسى. فهو لا يكتب أسماء المنتصرين وحدهم، بل يكتب أيضاً أسماء الذين خذلوا، والذين صمتوا، والذين تاجروا بآلام الشعوب، ثم اختفوا ساعة الامتحان.

لقد خسر كثيرون امتحان الضمير، لكن غزة، رغم الجراح، بقيت شاهدةً على أن الكرامة قد تُحاصر، لكنها لا تُهزم.

غزة لم تسقط الأقنعة عن الاحتلال، فالاحتلال لم يكن يوماً يخفي وجهه الحقيقي، لكنها أسقطت الأقنعة عن كثيرين ممن ادعوا نصرة فلسطين، فإذا بهم يغيبون عندما احتاجتهم فلسطين أكثر من أي وقتٍ مضى.

وربما يستيقظ صديقي غداً ليجد الخط الأصفر عند نافذة بيته، لكن الأخطر أن تستيقظ أجيالٌ كاملة لتكتشف أن الخط الفاصل لم يكن على خرائط غزة وحدها، بل كان بين الضمير الإنساني وما بقي منه.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غزة… حين صمد أبناء النكبة وخذلتهم الأمة
- محمود الباشا... شاعرُ المخيّم الذي حمل فلسطين في صوته
- أحمد الياباني... حين يموت الحلم قبل أن يموت أصحابه
- في وداع رحمة يوسف كايد (أم عادل)
- التغريبة الفلسطينية... حين يتحول الفن إلى ذاكرة وطن
- حتّى الأوكسجين... هل سيُصبح بحاجةٍ إلى ترخيص؟
- أولاد نزار بنات.. ورثة الحكاية
- نزار بنات وجيهان الحروب… حين يكون الوفاء سيرةً لا تُروى إلا ...
- العدالة المذبوحة: قصة نزار بنات والقاضي محمود خليف
- نزار بنات... لم يكن يملك سوى هاتفٍ وكلمات
- نزار بنات... رجلٌ اغتيلت أحلامه، وتُرك وحيداً
- نزار بنات كما عرفه شاكر اطميزه: حكايةُ صداقةٍ لم تنتهِ بالمو ...
- يوسف نصّار يروي: نزار بنات... خمسون شيكلاً وقطة جريحة
- من جامعة بيت لحم إلى فجر الخليل: نزار بنات وفايز دويك في موا ...
- نزار بنات، غسّان كنفاني، ناجي العلي: حين يُغتال الصّوت ولا ت ...
- نزار بنات... حكاية عمرٍ بدأت بابتسامة وانتهت بوجعٍ لا ينتهي
- نزار بنات: الذين يشبهون الحقيقة لا يعيشون طويلاً
- الشهيد نزار بنات... ماذا تُفيد البطولة أطفالاً فقدوا أباهم؟
- مريم وقبس: حكاية حب في سيرة الشهيد نزار بنات
- بين خليل الأب وخليل الابن... حكاية وفاء في سيرة الشهيد نزار ...


المزيد.....




- هل أصبحت نقاط الولاء الوسيلة الوحيدة لتحمّل تكاليف السفر الص ...
- دقائق فاصلة أنقذت حياتهما.. زوجان ينجوان بأعجوبة من حريق أثن ...
- هل أوقف اتصال محمد بن سلمان ضربة أمريكية ضد إيران؟.. طهران ت ...
- توترات أمنية في ريف دمشق تجدد الجدل حول تحديات المرحلة الانت ...
- الشرع يلتقي بارزاني في دمشق.. فماذا على جدول الأعمال؟
- سوريا.. عودة الطفلة نتالي في ريف جبلة من الاختطاف والأمن يعت ...
- الكونغو.. وفاة 1657 شخصا وإصابة 3748 بفيروس إيبولا
- دراسة تكشف نمطا غامضا.. كوارث الأرض الكبرى تتكرر كل 27.5 ملي ...
- القبض على مسؤول مصري كبير ومساعده في قضية فساد
- هرتصوغ يشيد بخطة -مجلس السلام في غزة- ويشترط نزع سلاح -حماس- ...


المزيد.....

- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - غزة... حين سقطت الأقنعة