أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - في وداع رحمة يوسف كايد (أم عادل)














المزيد.....

في وداع رحمة يوسف كايد (أم عادل)


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 17:31
المحور: القضية الفلسطينية
    


لا يخيفني الموت كثيراً بقدر ما يخيفني موت الشهود.

فالذين يرحلون اليوم ليسوا أفراداً فحسب، بل ذاكراتٌ كاملة. يمضون حاملين معهم أصوات القرى التي مُحيت، ووجوه الذين ابتلعتهم المنافي، وأسماء البيوت التي لم يبقَ منها سوى مفاتيح صدئة، معلقة على جدران الذاكرة.

لم تكن رحمة يوسف كايد (أم عادل) امرأةً فلسطينيةً عاشت النكبة فحسب، بل كانت واحدةً من ذلك الجيل الذي حمل فلسطين في قلبه، وظل يرويها كما عاشها، لا كما دُوِّنت في الكتب. وبرحيلها، تخسر فلسطين شاهداً آخر من شهودها.

الفلسطيني لا يغادر حزنه العام إلى حزنه الخاص؛ بل يحملهما معاً. يحمل وطنه في قلبه، ووجوه أحبته في ذاكرته، ويمضي في حياته وهو ينتظر اليوم الذي يعود فيه إلى الأرض التي سُلبت منه، وإلى البيوت التي بقيت عامرة في الروح، وإن غاب أهلها.

ما أقسى أن تودّع إنساناً تحبه في غربة الليل، من دون وداعٍ حقيقي، أو مصافحةٍ أخيرة، أو كلمةٍ أخيرة. يصبح الدمعُ لغة الرحيل، وتغفو العين، فيما يبقى القلب معلقاً بصورةٍ ترفض أن تغيب.

نحن نعيش في عالمٍ صلدٍ يكاد يطبق علينا حتى الاختناق، يعصر أحلامنا وذكرياتنا، ولا يترك لنا سوى أن نقاوم، وأن نحرس ما تبقى من حكاياتنا.

ما أقسى أن تنطفئ الأصوات صوتاً بعد صوت، وأن يلف الضباب بالحزن البيوت وساكنيها، وأن تتحول الأرض التي مشينا عليها إلى غيمةٍ من الشوق والدموع، متبخرةٍ من دمائنا، ومن صور السنوات الماضية، وشظايا الذاكرة.

وما أقسى أن تتحول الذكريات إلى رمادٍ تذروه رياح القهر، وأن يصبح الإنسان غريباً عن الأماكن التي احتضنت عمره، يبحث عن وطنٍ ضائع، أو حلمٍ طال انتظاره.

اليوم انطفأ ذلك الألق الذي كان يملأ البيت.

تبدلت الوجوه، وخفتت حركة الأقدام في باحته برحيل رحمة يوسف كايد (أم عادل)، ابنة النكبة من طيرة حيفا في فلسطين المحتلة، المرأة التي حملت في ذاكرتها تاريخ شعبٍ بأكمله، رحلت شاهدةً من دون أن تُسجَّل شهادتها، ومن دون أن يُوثَّق ما رأته عيناها خلال عقودٍ من الألم والصمود.

رحلت رحمة في مدينة مالمو، جنوب السويد، صباح الأربعاء 22 تموز/
2026، ودُفنت بعيداً عن فلسطين، بعيداً عن طيرة حيفا التي بقيت تسكن قلبها حتى آخر لحظة.

وما أقسى أن يموت الإنسان بعيداً عن وطنه، وهو يحمل في داخله تاريخ المكان، وأسماء الناس، ورائحة البيوت القديمة. كانت رحمة خزاناً للحكايات؛ تحمل فلسطين كما عرفتها من أهلها، وتحمل طيرة حيفا ببياراتها وبيوتها وذكرياتها، كما تحمل وجع المخيمات في لبنان.

حدثتني كثيراً عن فلسطين، وعن النكبة، وعن طيرة حيفا التي لم تغادر روحها، وعن حرب المخيمات، ومخيم شاتيلا، وسنوات الحرب والاقتلاع. كانت حكاياتها تعلق في الذاكرة كالوشم، لأنها لم تكن روايات تُحكى، بل شهادة امرأةٍ عاشت التاريخ ولم تتلقه من الكتب.

كانت نموذجاً للمرأة الفلسطينية الكادحة والمناضلة، تعتز بانتمائها إلى شعبٍ قدّم التضحيات، وحمل وطنه في المنافي والمخيمات، وظل متمسكاً بحقه في العودة.

منذ أيامٍ قليلة، زرتها زيارةً وداعية. كنت أعلم أنها ستكون الأخيرة، وأن الصمت سيكون آخر ما يجمعنا. لم تستقبلني كما اعتادت، ولم تودعني كما عرفتُها دائماً. بدا وكأن شيئاً قد انطفأ قبل الرحيل، وأن اللقاء الأخير مرّ بهدوءٍ يشبه الغياب.

عاشت اجتياح عام 1982 بكل تفاصيله، ونجت من الموت. وعاشت حرب المخيمات في شاتيلا، وسنوات الحرب الداخلية في لبنان، ونجت مراتٍ كثيرة من موتٍ محقق. لكنها، في النهاية، رحلت بعيداً في جنوب السويد، بعد عمرٍ طويل من التعب والانتظار.

كانت حياتها ممتلئةً بالحزن، لكنها لم تفقد يوماً أمل العودة إلى فلسطين. لم تكن تخشى الموت، فقد تعلمت أمهاتنا أن الموت ليس أكثر ما يرعب الإنسان، بل أن يرحل بصمت، في عالمٍ ينام على صوت المدافع ويستيقظ على هدير الدبابات.

رحلت رحمة كايد، ولم تمسك بطائرها الوردي، طائر العودة إلى طيرة حيفا. رحلت، وبقي الوطن في قلبها، وبقيت الحكاية أمانةً في قلوب من عرفوها.

لهذا، فإن موت الشهود ليس حدثاً عائلياً، ولا خبراً عابراً في سجل الوفيات.

إنه خسارة وطن.

سلامٌ عليكِ يا ابنة طيرة حيفا.

سلامٌ على قلبٍ ظل يحمل مفتاح العودة حتى آخر نبضة.

وسلامٌ على امرأةٍ نجت من الحروب، ولم تنجُ من المنفى.

أما نحن...

فلم يبقَ لنا إلا أن نحرس الحكاية، قبل أن تموت هي الأخرى.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التغريبة الفلسطينية... حين يتحول الفن إلى ذاكرة وطن
- حتّى الأوكسجين... هل سيُصبح بحاجةٍ إلى ترخيص؟
- أولاد نزار بنات.. ورثة الحكاية
- نزار بنات وجيهان الحروب… حين يكون الوفاء سيرةً لا تُروى إلا ...
- العدالة المذبوحة: قصة نزار بنات والقاضي محمود خليف
- نزار بنات... لم يكن يملك سوى هاتفٍ وكلمات
- نزار بنات... رجلٌ اغتيلت أحلامه، وتُرك وحيداً
- نزار بنات كما عرفه شاكر اطميزه: حكايةُ صداقةٍ لم تنتهِ بالمو ...
- يوسف نصّار يروي: نزار بنات... خمسون شيكلاً وقطة جريحة
- من جامعة بيت لحم إلى فجر الخليل: نزار بنات وفايز دويك في موا ...
- نزار بنات، غسّان كنفاني، ناجي العلي: حين يُغتال الصّوت ولا ت ...
- نزار بنات... حكاية عمرٍ بدأت بابتسامة وانتهت بوجعٍ لا ينتهي
- نزار بنات: الذين يشبهون الحقيقة لا يعيشون طويلاً
- الشهيد نزار بنات... ماذا تُفيد البطولة أطفالاً فقدوا أباهم؟
- مريم وقبس: حكاية حب في سيرة الشهيد نزار بنات
- بين خليل الأب وخليل الابن... حكاية وفاء في سيرة الشهيد نزار ...
- حين يعود الحجيج... وتبقى غزة ومخيماتها في موسم الألم
- غزة ومخيماتها... حكاية شعبٍ هزم المؤامرات بالصمود
- نزيه القبرصلي... الشهيد الذي كبر قبل أوانه
- غزة بلا أضحية… وأمةٌ غارقة في عارها


المزيد.....




- كحول ومخدرات خلف وفاة أمير سعودي في لندن العام الماضي - صحف ...
- ثالث هجوم خلال أسابيع: مسيّرات أوكرانية تستهدف -وايلدبيريز- ...
- حاخام إيراني يشعل الجدل ويهدد ترامب ونتنياهو: قتلة خامنئي يج ...
- رسوم أمريكية جديدة تدخل حيز التنفيذ وتثير اعتراضات من شركاء ...
- نتنياهو وكاتس: أوامر للجيش بجمع السلاح من الضفة وسحب تصاريح ...
- عون يدعو لدعم أوروبي لاتفاق الإطار مع إسرائيل: بقاء -اليونيف ...
- سوريا.. مقتل عاملين سابقين بمجموعة -محسن الهيمد- على يد مجهو ...
- فيتسو: سلوفاكيا لن تنضم لـ -تحالف الراغبين- بدعم أوكرانيا
- الجيش الأردني: إسقاط 7 صواريخ و6 مسيرات إيرانية دون إصابات أ ...
- معاناة مرضى العيون بغزة يفاقمها نقص العلاج


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - في وداع رحمة يوسف كايد (أم عادل)