أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - ناجي العلي… الرصاصة التي قتلت الرسام ولم تقتل الحكاية














المزيد.....

ناجي العلي… الرصاصة التي قتلت الرسام ولم تقتل الحكاية


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 15:22
المحور: القضية الفلسطينية
    


لم يكن ناجي العلي مجرد رسام كاريكاتير فلسطيني، بل كان صوتاً للفقراء واللاجئين، وذاكرةً تمشي على قدمين، وريشةً لم تعرف كيف تصمت أمام الظلم.

وُلد ناجي العلي عام 1936 في قرية الشجرة قرب الناصرة، وعاش طفولته قبل أن تأتي النكبة الفلسطينية عام 1948، فتقتلع عائلته من أرضها، ويجد نفسه لاجئاً في مخيم عين الحلوة في لبنان.

ومن مخيم عين الحلوة بدأت الحكاية.

هناك كبر الطفل الذي حمل فلسطين في ذاكرته، وحوّل ألم اللجوء إلى خطوط سوداء على الورق، حتى أصبحت ريشته واحدة من أكثر الأصوات حضوراً في الكاريكاتير الفلسطيني والعربي.

ومن بين تلك الخطوط وُلد حنظلة… ذلك الطفل الصغير الذي يدير ظهره للعالم، ويعقد يديه خلف ظهره، ويرفض أن يكبر قبل أن يعود إلى فلسطين.

لم يكن حنظلة مجرد شخصية كرتونية؛ كان ذاكرة اللاجئ الفلسطيني، وصورة الوطن الذي لم يستطع الاحتلال اقتلاعه من الذاكرة.

وكان ناجي يرسم جرائم الاحتلال، لكنه لم يتردد أيضاً في كشف قضايا الفساد والاستبداد والخيانة والنفاق، أينما رآها؛ لذلك لم تكن ريشته مريحةً لأحد؛ لا للمحتل، ولا للسلطة، ولا لكل من اعتاد أن يختبئ خلف الصمت.

وكان يعرف أن الحقيقة التي تُقال في زمن الخوف ليست بلا ثمن.

ومن أشهر ما نُسب إليه في هذا السياق قوله:

«اللي بدو يكتب لفلسطين، واللي بدو يرسم لفلسطين، بدو يعرف حاله: ميت، أنا مش ممكن أتخلّى عن مبادئي ولو على قطع رقبتي...»

لم تكن هذه الكلمات مجرد عبارة عابرة؛ بل تعكس إدراكه للخطر الذي أحاط به بسبب مواقفه ورسوماته، وإيمانه بأن الريشة التي تفضح الظلم قد تصبح هدفاً لمن يخاف الحقيقة.

وفي صيف عام 1987، وصل الخطر إلى بابه.

في 22 يوليو/تموز 1987، وبينما كان ناجي العلي متوجهاً إلى مقر عمله في لندن، تعرّض لإطلاق نار أصابه إصابة خطيرة. دخل في غيبوبة، وظل يصارع الموت أسابيع، حتى رحل في 29 أغسطس/آب 1987.

أما الجهة التي تقف وراء اغتياله، فلم تُحسم بصورة قاطعة رسمياً، وبقيت القضية محاطة بالاتهامات والفرضيات.

رحل الجسد…

لكن شيئاً آخر لم يمت.

حنظلة بقي واقفاً.

وفي الصورة التي أمامنا، تبدو خشبة المسرح وكأنها تختصر المأساة كلها.

رجل يحمل جسداً هامداً بين ذراعيه، وطفل صغير يقف وحيداً في المقدمة، وعلى الخلفية كُتبت العبارة:

The End — النهاية.

مشهد يبدو للوهلة الأولى وكأنه إعلان عن نهاية رجل.

لكن ربما كانت «النهاية» هنا أوسع من ذلك.

ربما كانت نهاية الجسد، لا نهاية الفكرة.

فناجي رحل، لكن حنظلة بقي.

وبقيت أكثر من 12 ألف رسمة تركها وراءه، وبقيت معها ذاكرة فلسطين، وألم اللجوء، وأسئلة الإنسان العربي التي لم تجد لها إجابات.

لقد أُطلقت الرصاصة على ناجي العلي، لكنها لم تستطع أن تطلق النار على ما تركه وراءه.

وهنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة:

قد يُقتل الرسام، لكن الرسم لا يموت.
وقد يُغتال الإنسان، لكن الفكرة قد تعيش أكثر من صاحبها.

كان ناجي يعرف أن الطريق إلى فلسطين طويل، وأن من يمشي فيه قد يدفع عمره ثمناً.

ولم يكن يعرف متى ستأتي الرصاصة، لكنه كان يعرف أن الصمت ليس دائماً نجاة، وأن الحقيقة ليست طريقاً آمناً.

ومع ذلك، مشى.

ولهذا فإن ذكرى ناجي العلي ليست ذكرى فنان استُشهد، بل ذكرى رجل عرف ثمن مواقفه، ودفعه كاملاً.

رحل ناجي العلي، وبقي حنظلة.
رحل الرسام، وبقيت رسوماته…

وبقي حنظلة واقفاً، عاقداً يديه خلف ظهره، يدير وجهه عن العالم، وكأنه ينتظر اليوم الذي يستطيع فيه أن يستدير دون أن يرى وطنه جريحاً.

وفي كل مرة يظهر فيها حنظلة، يبدو الأمر كأن ناجي لم يقل «النهاية» فعلاً.

بل قال:

انتهى ناجي…
أما الحكاية، فلم تنتهِ.

رحم الله ناجي العلي،
الذي حمل فلسطين في قلبه، ورسم ألمها بريشته،
ودفع حياته ثمناً لمواقفه.

فبعض الفنانين يموتون…

لكن رسوماتهم ترفض أن تموت.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إِلى أين؟... من دُرُوبِ النّكبة إِلى حُلمِ العودة
- غزة... حين سقطت الأقنعة
- غزة… حين صمد أبناء النكبة وخذلتهم الأمة
- محمود الباشا... شاعرُ المخيّم الذي حمل فلسطين في صوته
- أحمد الياباني... حين يموت الحلم قبل أن يموت أصحابه
- في وداع رحمة يوسف كايد (أم عادل)
- التغريبة الفلسطينية... حين يتحول الفن إلى ذاكرة وطن
- حتّى الأوكسجين... هل سيُصبح بحاجةٍ إلى ترخيص؟
- أولاد نزار بنات.. ورثة الحكاية
- نزار بنات وجيهان الحروب… حين يكون الوفاء سيرةً لا تُروى إلا ...
- العدالة المذبوحة: قصة نزار بنات والقاضي محمود خليف
- نزار بنات... لم يكن يملك سوى هاتفٍ وكلمات
- نزار بنات... رجلٌ اغتيلت أحلامه، وتُرك وحيداً
- نزار بنات كما عرفه شاكر اطميزه: حكايةُ صداقةٍ لم تنتهِ بالمو ...
- يوسف نصّار يروي: نزار بنات... خمسون شيكلاً وقطة جريحة
- من جامعة بيت لحم إلى فجر الخليل: نزار بنات وفايز دويك في موا ...
- نزار بنات، غسّان كنفاني، ناجي العلي: حين يُغتال الصّوت ولا ت ...
- نزار بنات... حكاية عمرٍ بدأت بابتسامة وانتهت بوجعٍ لا ينتهي
- نزار بنات: الذين يشبهون الحقيقة لا يعيشون طويلاً
- الشهيد نزار بنات... ماذا تُفيد البطولة أطفالاً فقدوا أباهم؟


المزيد.....




- موجة عاتية تجرف صبيًا من البر إلى البحر بفعل إعصار -دولفين-. ...
- -اتركونا وشأننا-.. غضب بريطاني من قيود محتملة على تقليد عريق ...
- الإمارات تعلن إحباط هجمات سيبرانية متقدمة استهدفت قطاعات حيو ...
- ما أبرز شروط إيران لإعادة فتح مضيق هرمز؟
- مصدر عراقي: العثور على مخزون أسلحة في مزرعة نائب بالأنبار
- 11 عامًا من الحبس والتدوير.. المبادرة المصرية تطالب الداخلية ...
- ماذا نعرف عن المخا ومينائها الذي استهدفه الحوثيون بالصواريخ ...
- الإمارات تعلن إحباط هجمات سيبرانية استهدفت قطاعات الطيران وا ...
- أسماك القرش تتحول إلى -مجسات بحرية- لتحسين التنبؤ بشدة الأعا ...
- خبيرة تغذية تحذر من الجعة: تأثيرها لا يختلف عن المشروبات الك ...


المزيد.....

- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - ناجي العلي… الرصاصة التي قتلت الرسام ولم تقتل الحكاية