أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - إِلى أين؟... من دُرُوبِ النّكبة إِلى حُلمِ العودة














المزيد.....

إِلى أين؟... من دُرُوبِ النّكبة إِلى حُلمِ العودة


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 13:56
المحور: القضية الفلسطينية
    


ليست لوحة «إلى أين؟» للفنان الفلسطيني الراحل إسماعيل شموط مجرد عمل فني، بل هي صرخة خرجت من قلب النكبة، ورثاءٌ صامت لشعبٍ اقتُلع من أرضه وحُمِل إلى المجهول. إنها لوحة لا تُرى بالعين وحدها، بل تُقرأ بالذاكرة، وتُفهم بدموع الذين عاشوا مرارة اللجوء وفقدان الوطن.

رسم إسماعيل شموط هذه اللوحة عام 1953، بعد أن عاش بنفسه تجربة النزوح من مدينة اللد عام 1948. لم يكن يرسم من الخيال، بل من الألم. كانت ريشته تحمل ذاكرة شعبٍ بأكمله، وكانت ألوانه تمتزج بتراب القرى التي أُجبر أهلها على الرحيل.

في قلب اللوحة يقف رجلٌ فلسطيني مسن، يحمل طفلاً على كتفيه، ويمسك بيد طفلٍ آخر، بينما يسير طفلٌ ثالث خلفه. يبدو وجه الأب متعباً، لكنه لا ينحني، وعيناه لا تنظران إلى الأرض، بل إلى الأفق البعيد، وكأنهما تبحثان عن إجابة لسؤالٍ لن يجد له جواباً: إلى أين؟

إنه ليس سؤال طريق، بل سؤال وطن. إلى أين يذهب الإنسان حين تُسرق أرضه؟ إلى أين يأخذ أبناءه وقد أُغلقت في وجهه الأبواب؟ إلى أي خيمة؟ إلى أي مخيم؟ إلى أي منفى؟

وتتحدث الشجرة اليابسة في خلفية اللوحة بصمتٍ أبلغ من الكلمات. فقدت أوراقها كما فقد الفلسطيني بيته، وبقيت واقفةً شاهدةً على جريمة الاقتلاع. أما القرية البعيدة، فتبدو كحلمٍ يبتعد كلما امتدت إليه الخطى، لكنها لا تغيب عن الذاكرة.

تمثل لوحة «إلى أين؟» محطة مهمة في مسيرة الفن التشكيلي الفلسطيني، فقد استطاع إسماعيل شموط أن يحوّل المعاناة الإنسانية إلى لغة بصرية مؤثرة. واعتمد في تكوينه على البساطة والوضوح، فجعل الشخصيات في مقدمة المشهد لتحتل مساحة الذاكرة، واستخدم الألوان الترابية الهادئة ليعكس قسوة الرحيل وثقل المنفى.

لم تكن لوحاته مجرد تسجيل لحدث تاريخي، بل كانت محاولة لحفظ الهوية الفلسطينية عبر الفن، حيث تحولت الريشة إلى وسيلة للمقاومة الثقافية، تحفظ تفاصيل المكان والإنسان والحكاية من خطر النسيان. وقد أسس شموط، من خلال أعماله، أسلوباً فنياً ارتبط بالذاكرة الوطنية الفلسطينية، وجعل من اللوحة وثيقةً إنسانية تحمل جمال الفن ووجع التاريخ في آنٍ واحد.

ولم يكن إسماعيل شموط يرسم أسرةً واحدة، بل كان يرسم شعباً كاملاً. فالأب هو رمز للشعب الفلسطيني، والأطفال هم الأجيال التي وُلدت على دروب اللجوء، تحمل الوطن في الذاكرة قبل أن تراه في الواقع.

ومن المؤلم أن عنوان اللوحة ليس «الرحيل» ولا «اللاجئون»، بل سؤالٌ مفتوح: «إلى أين؟». سؤالٌ ظل يتردد في قلوب ملايين الفلسطينيين منذ عام 1948، وما زال صداه يتردد حتى يومنا هذا.

ثم عاد شموط بعد ذلك، فرسم لوحته الشهيرة «سنعود»، وكأنه أراد أن يجيب بنفسه عن السؤال الذي طرحه في «إلى أين؟». فإذا كانت «إلى أين؟» تُجسد لحظة الضياع، فإن «سنعود» تُجسد لحظة الأمل، وكأن الفنان يقول إن الطريق قد يطول، لكن نهايته ستكون العودة.

واليوم، ونحن نستذكر إسماعيل شموط، فإننا لا نستذكر رساماً فحسب، بل نستذكر واحداً من كبار الفنانين الفلسطينيين الذين حفظوا الذاكرة الوطنية بريشتهم، كما حفظها المناضلون بتضحياتهم. لقد أدرك أن اللوحة قد تكون أبلغ من الخطب، وأن اللون قد ينتصر على النسيان.

رحل إسماعيل شموط، لكن لوحاته لم ترحل. بقيت شاهدةً على النكبة، وعلى ألم اللاجئين، وعلى الحلم الذي لم يمت. وستظل لوحة «إلى أين؟» تطرح سؤالها على ضمير العالم: كيف يمكن لإنسان أن يُقتلع من وطنه، ثم يُطلب منه أن ينسى؟

وفي امتداد هذه الذاكرة التي لم تنكسر، نستحضر كلمات الشهيد نزار بنات، الذي أدرك أن طريق الحرية لا ينفصل عن تضحيات الأحرار، فقال:

«تعازينا لهذه الأمة العظيمة باستشهاد عظمائها، ومعاً وسويّاً حتى تحرير الأرض والإنسان.»

رحم الله إسماعيل شموط، ورحم الشهيد نزار بنات، ورحم كل من حمل فلسطين في قلبه وريشته وقلمه. فالعظماء لا يرحلون حقاً، بل يبقون أحياءً في ذاكرة الشعوب، وفي كل عملٍ تركوه شاهداً على الحقيقة، حتى يأتي اليوم الذي تتحول فيه عبارة «سنعود» من لوحةٍ إلى واقع، ويعود الحق إلى أصحابه، ويعود الإنسان الفلسطيني إلى وطنه.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غزة... حين سقطت الأقنعة
- غزة… حين صمد أبناء النكبة وخذلتهم الأمة
- محمود الباشا... شاعرُ المخيّم الذي حمل فلسطين في صوته
- أحمد الياباني... حين يموت الحلم قبل أن يموت أصحابه
- في وداع رحمة يوسف كايد (أم عادل)
- التغريبة الفلسطينية... حين يتحول الفن إلى ذاكرة وطن
- حتّى الأوكسجين... هل سيُصبح بحاجةٍ إلى ترخيص؟
- أولاد نزار بنات.. ورثة الحكاية
- نزار بنات وجيهان الحروب… حين يكون الوفاء سيرةً لا تُروى إلا ...
- العدالة المذبوحة: قصة نزار بنات والقاضي محمود خليف
- نزار بنات... لم يكن يملك سوى هاتفٍ وكلمات
- نزار بنات... رجلٌ اغتيلت أحلامه، وتُرك وحيداً
- نزار بنات كما عرفه شاكر اطميزه: حكايةُ صداقةٍ لم تنتهِ بالمو ...
- يوسف نصّار يروي: نزار بنات... خمسون شيكلاً وقطة جريحة
- من جامعة بيت لحم إلى فجر الخليل: نزار بنات وفايز دويك في موا ...
- نزار بنات، غسّان كنفاني، ناجي العلي: حين يُغتال الصّوت ولا ت ...
- نزار بنات... حكاية عمرٍ بدأت بابتسامة وانتهت بوجعٍ لا ينتهي
- نزار بنات: الذين يشبهون الحقيقة لا يعيشون طويلاً
- الشهيد نزار بنات... ماذا تُفيد البطولة أطفالاً فقدوا أباهم؟
- مريم وقبس: حكاية حب في سيرة الشهيد نزار بنات


المزيد.....




- مسؤول إيراني يعدد 6 نقاط بموجبها -تصحح أمريكا سلوكها- لفتح م ...
- اتفاق مكة للدفاع المشترك.. هل تنضم مصر قريبا؟
- سوريا.. توغل إسرائيلي في القنيطرة والإفراج عن شاب بعد اختطاف ...
- تل أبيب تترقب بحذر: القاهرة قد تنضم لحلف دفاعي إسلامي يضم قو ...
- الجيش الإسرائيلي يقتل أغناما في الضفة الغربية (صور)
- التعليم العالي: 91 ألف طالب سجلوا رغباتهم في تنسيق المرحلة ا ...
- ترافقه وزيرة التنمية المحلية.. رئيس الوزراء يبدأ جولة موسعة ...
- “بحوث الصحة الحيوانية ببنها” يجدد اعتماده الدولي “ISO 17025” ...
- تركيا ترجح انضمام مصر إلى اتفاق الدفاع المشترك مع السعودية و ...
- الفيفا يحذر من -جهود متضافرة ومستمرة- هدفها -تقويض- مكانة إن ...


المزيد.....

- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - إِلى أين؟... من دُرُوبِ النّكبة إِلى حُلمِ العودة