احمد البهائي
الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 17:39
المحور:
الادارة و الاقتصاد
استدعاني أستاذي إلى مكتبه على عجل، وقبل أن يسمح لي بالجلوس قال: «قبل أن تجلس، أنت مع كينز أم فريدمان؟ لا تنسَ أن وارش في حيرة». قالها وعيناه معلقتان بإبريق القهوة العتيقة، حيث يعرف جيدًا مدى ضعفي أمامها. كان أستاذي يعلم، كعادته، ما يدور في رأسي أكثر مما ينبغي لأستاذ أن يعلم عن تلميذه. هل أقاوم رائحة القهوة التي تعبق بأركان مكتبه، أم أستسلم لها كما استسلمت لها البشرية منذ اكتشافها؟ ومع ذلك، هناك مراحل للإدمان يصبح فيها التظاهر بالمقاومة مجرد نفاق أكاديمي رخيص. قلت: «إذا كان السؤال عن كينز وفريدمان، فأنا أحتاج أولًا إلى فنجان قهوة، لأنني لا أستطيع أن أخوض معركة اقتصادية كبرى وأنا أعاني عجزًا نقديًا في الكافيين». ابتسم أستاذي، وصب القهوة ببطء، ثم قال: «إذن اجلس... لكن تذكّر أن وارش ليس لديه رفاهية أن يطلب فنجانًا آخر قبل أن يقرر».
جلست، وكان السؤال الذي طرحه أستاذي أكبر بكثير من فنجان القهوة الذي وضعه أمامي. فالأسواق العالمية تترقب اليوم بيانات التضخم الأمريكية لشهر يوليو، لكن الأسواق في الحقيقة لا تنتظر مجرد رقم جديد لمؤشر أسعار المستهلكين، وإنما تنتظر إجابة عن سؤال أكبر بكثير: أي تفسير للاقتصاد الأمريكي سيحكم قرار الاحتياطي الفيدرالي تحت قيادة كيفن وارش؟ هل نحن أمام اقتصاد بدأ يبرد بما يكفي كي يصبح خفض الفائدة ضرورة، أم أمام تضخم عنيد يجعل أي خفض للفائدة مغامرة قد تعيد إشعال الأسعار؟
المفارقة أن تقرير سوق العمل الذي سبق بيانات التضخم جاء ليزيد المشكلة تعقيدًا بدل أن يحلها. فقد انخفضت الوظائف غير الزراعية في يوليو بنحو 23 ألف وظيفة، واستقر معدل البطالة عند 4.1%، في إشارة إلى أن سوق العمل بدأ يفقد بعض الزخم. وهنا تحديدًا تبدأ المعضلة التي ستطارد وارش: اقتصاد يرسل إشارة ضعف من سوق العمل، وأسعار لا تزال أعلى من المستوى الذي يستطيع الفيدرالي اعتباره انتصارًا.
لو كان جون مينارد كينز هو صاحب الكلمة الأخيرة، لكان المشهد أكثر بساطة. فضعف الطلب على العمالة وارتفاع البطالة أو تباطؤ سوق العمل يؤديان إلى تراجع الضغوط على الأجور، ثم انخفاض الطلب، ثم تراجع التضخم. هذه هي الفكرة التي ارتبطت بمنحنى فيليبس: علاقة عكسية بين البطالة والتضخم على المدى القصير. ولذلك يستطيع الفيدرالي، عندما يبدأ الاقتصاد في فقدان قوته، أن يخفض الفائدة قبل أن يتحول التباطؤ إلى ركود حقيقي.
لكن ميلتون فريدمان يدخل إلى الغرفة في اللحظة التي يحاول فيها وارش استخدام هذه الحجة. ففريدمان لم ينكر وجود علاقة قصيرة الأجل بين التضخم والبطالة، لكنه رفض تحويلها إلى علاقة دائمة يمكن للسياسة النقدية استغلالها بلا نهاية. على المدى الطويل، لا تستطيع السلطات النقدية شراء بطالة أقل بصورة مستدامة بمجرد السماح بتضخم أعلى. توقعات التضخم تتكيف، ويكتشف العمال وأصحاب الأعمال أن الأسعار والأجور ارتفعت، فتختفي المكاسب الوهمية التي بدا أن منحنى فيليبس يمنحها للسياسة الاقتصادية.
وهنا يصبح تقرير التضخم أكثر من مجرد رقم.
إذا جاء التضخم منخفضًا بوضوح، فسيجد وارش أمامه الرواية الكينزية جاهزة: سوق العمل يضعف، نمو الأجور يتباطأ، والتضخم يتراجع. عندها يصبح خفض الفائدة دفاعًا عن الاقتصاد وليس استسلامًا للتضخم.
أما إذا جاء التضخم مرتفعًا أو أكثر عنادًا من المتوقع، فستعود مدرسة شيكاغو لتقول له: لا تنخدع بضعف الوظائف. سوق العمل قد يبرد، لكن التضخم لم يمت. وإذا خفضت الفائدة الآن، فقد تحصل على أسوأ ما يمكن أن تحصل عليه السياسة النقدية: اقتصاد أضعف وتضخم أكثر رسوخًا.
وهذا تحديدًا هو الكابوس الذي لا يريد وارش أن يراه.
فالفيدرالي أبقى في اجتماعه الأخير سعر الفائدة المستهدف عند 3.50% إلى 3.75%، لكن القرار لم يكن هادئًا. فقد صوت ثلاثة أعضاء لصالح رفع الفائدة ربع نقطة، بينما اختارت الأغلبية الانتظار. أي أن النقاش داخل الفيدرالي لم يعد فقط حول موعد الخفض، وإنما عاد بالفعل إلى احتمال الرفع.
وهنا يصبح تقرير التضخم نقطة فاصلة. إذا جاء الرقم ساخنًا، فقد يتحول اجتماع سبتمبر من اجتماع يبحث فيه الفيدرالي عن مبرر للخفض إلى اجتماع يبحث فيه عن مبرر للرفع. وإذا جاء ضعيفًا، فستعود الأسواق إلى تسعير الخفض بقوة أكبر.
لكن المشكلة أن وارش لا يواجه الاقتصاد وحده، وإنما يواجه السياسة أيضًا.
ترامب يريد أسعار فائدة أقل، لأن الفائدة المرتفعة تضغط على تكلفة الاقتراض وعلى سوق السندات والنشاط الاقتصادي. لكن وارش لا يستطيع أن يجعل السياسة النقدية رهينة لرغبة البيت الأبيض من دون أن يدفع ثمنًا أكبر بكثير في مصداقية البنك المركزي. وهنا تصبح شخصية وارش نفسها جزءًا من المعادلة: عليه أن يثبت أن الفيدرالي يستطيع أن يكون مستقلًا في الوقت الذي يضغط فيه الرئيس من أجل الأموال الأرخص.
لكن الأخطر أن المشكلة ليست في التضخم وحده.
السؤال الحقيقي هو: ما مصدر التضخم؟
إذا كان التضخم ناتجًا عن فائض الطلب، فإن الفائدة المرتفعة أداة منطقية. رفع تكلفة الاقتراض يضغط على الاستثمار والاستهلاك، ويبرد الطلب، ويعيد الاقتصاد إلى توازن أكثر ملاءمة للأسعار.
أما إذا كان جزء مهم من التضخم ناتجًا عن صدمات العرض أو الرسوم الجمركية أو الطاقة أو اضطرابات التجارة العالمية، فإن الفائدة تصبح سلاحًا محدود الفاعلية. تستطيع أن تجعل الأمريكي أقل استعدادًا لشراء سيارة أو منزل، لكنها لا تستطيع أن تنتج مزيدًا من النفط أو تخفض تكلفة النقل أو تعيد بناء سلاسل الإمداد.
وهنا تصبح مهمة وارش أكثر تعقيدًا: عليه أن يميز بين التضخم الذي يستطيع الفيدرالي قتله والتضخم الذي يستطيع فقط أن يضر الاقتصاد أثناء محاولته قتله.
وهذا هو الفارق بين أن يكون التضخم مشكلة نقدية وأن يكون مشكلة عرض. ففي الحالة الأولى تكون الفائدة علاجًا. وفي الثانية قد تتحول إلى دواء له آثار جانبية أشد من المرض نفسه.
لكن الفيدرالي لا يعيش في عالم الأرقام المنفردة. إنه يعيش في عالم التوقعات.
المستثمر لا يسأل فقط عن تضخم اليوم، وإنما عن تضخم الغد. العامل لا يتفاوض فقط على أجره الحالي، وإنما على ما يتوقع أن تفعله الأسعار خلال العام المقبل. والشركات لا تحدد أسعارها بناءً على مؤشر CPI الأخير فقط، وإنما بناءً على ما تعتقد أنه سيحدث في تكاليفها المستقبلية.
وهنا كان فريدمان أكثر إزعاجًا من كينز.
لأن التضخم عندما يتحول إلى توقعات راسخة يصبح التخلص منه أكثر تكلفة.
ولهذا فإن وارش لا يستطيع أن يقول ببساطة: سوق العمل ضعف، إذن سنخفض الفائدة. عليه أولًا أن يسأل: هل ضعف سوق العمل سيؤدي إلى تضخم أقل، أم أن الاقتصاد الأمريكي دخل في مرحلة يستطيع فيها التضخم أن يبقى مرتفعًا حتى مع تراجع الطلب على العمالة؟
هذه هي النقطة التي تجعل البيانات الحالية أكثر أهمية من مجرد مقارنة رقم التضخم السابق باللاحق.
إذا كان الاقتصاد يبرد والتضخم يبرد معه، فهذه أفضل نتيجة ممكنة لوارش.
أما إذا كان الاقتصاد يبرد والتضخم يظل مرتفعًا، فهذه أسوأ نتيجة ممكنة.
في الحالة الأولى ينتصر كينز.
وفي الثانية ينتصر فريدمان.
أما إذا ظل الاقتصاد قويًا والتضخم مرتفعًا، فالمسألة تصبح أكثر سهولة: لا مجال حقيقي للخفض، وربما يكون الرفع هو الخيار.
لكن إذا ضعف الاقتصاد بشدة بينما ظل التضخم مرتفعًا، فسوف يجد وارش نفسه أمام السياسة النقدية في أكثر صورها قسوة: لا يستطيع خفض الفائدة دون المخاطرة بالتضخم، ولا يستطيع رفعها دون تعميق تباطؤ الاقتصاد.
إنها ليست مطرقة وسندانًا فقط. إنها معضلة بنك مركزي يكتشف أن كل طريق أمامه له ثمن.
والأسواق تعرف ذلك جيدًا. ولذلك أصبحت بيانات يوليو محورية في تحديد اتجاه سبتمبر. ضعف الوظائف أعاد فتح النقاش حول التيسير، بينما استمرار التضخم فوق الهدف يبقي باب التشديد مفتوحًا.
وهنا تكمن المفارقة السياسية الكبرى.
ترامب يريد الفائدة منخفضة الآن.
أما التضخم فيقول لوارش: ليس بهذه السرعة.
وسوق العمل يقول له: لا تتأخر كثيرًا.
والأسواق تقول له: أثبت لنا أولًا أنك تعرف إلى أين تتجه.
وبين هذه الأصوات الثلاثة يقف وارش.
إذا استجاب لسوق العمل وخفض الفائدة ثم ارتفع التضخم، فسوف يقال إنه ضحى باستقرار الأسعار من أجل النمو، وربما تحت ضغط سياسي.
وإذا تجاهل سوق العمل وأبقى الفائدة مرتفعة ثم تحول التباطؤ إلى ركود، فسوف يقال إنه قتل الاقتصاد دفاعًا عن رقم تضخم لم يعد يعكس بالضرورة ضغط الطلب.
أما إذا رفع الفائدة، فسوف يواجه ترامب مباشرة، لكنه في المقابل يبعث برسالة لا لبس فيها إلى الأسواق: استقلال الفيدرالي ليس شعارًا للاستهلاك السياسي.
لهذا فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل انخفض التضخم الأمريكي؟
السؤال الحقيقي هو: هل انخفض التضخم لأن الاقتصاد بدأ يبرد، أم أن الاقتصاد بدأ يبرد والتضخم يرفض الانخفاض؟
الفرق بين الإجابتين هو الفرق بين خفض الفائدة ورفعها.
وهو أيضًا الفرق بين قراءة كينزية للاقتصاد وقراءة فريدمانية له.
وربما لهذا السبب تحديدًا تبدو بيانات اليوم أكبر من مجرد تقرير شهري عن الأسعار.
إنها أول اختبار حقيقي لوارش في معركة يريد ترامب أن يحسمها سريعًا، بينما يريد الفيدرالي أن يحسمها بطريقة لا تعيد إنتاج التضخم.
المعضلة التي ستظل تطارد وارش ليست أين يضع الفائدة، وإنما أي خطأ يستطيع الاقتصاد الأمريكي تحمله: خطأ في اتجاه التضخم أم خطأ في اتجاه النمو.
فخفض الفائدة في الوقت الخطأ قد يعيد التضخم.
ورفعها في الوقت الخطأ قد يصنع ركودًا.
وبين الخطأين، ستظل مدرسة كينز تذكّره بأن البطالة لها ثمن، وستظل مدرسة فريدمان تذكّره بأن التضخم له ذاكرة.
أما وارش، فعليه أن يقرر أيهما أخطر: اقتصاد يضعف بما يكفي للمطالبة بخفض الفائدة، أم تضخم لا ينخفض بما يكفي ليسمح بذلك بأمان.
والآن فقط فهمت لماذا استدعاني أستاذي على عجل، ولماذا كان إبريق القهوة العتيقة ينتظرني فوق مكتبه. لم يكن يريد أن يعرف إن كنت مع كينز أم فريدمان. كان يريد أن يعرف إن كنت أفهم أن الاقتصاد، مثل القهوة التي أمامي، لا يعطيك دائمًا ما تريد، وإنما يعطيك أحيانًا ما لا تستطيع تحمله.
رفعت الفنجان، ونظرت إلى أستاذي.
قال: «والآن، هل عرفت مع من أنت؟»
قلت: «أنا مع التضخم إذا كان منخفضًا، ومع البطالة إذا كانت منخفضة، ومع القهوة في كل الأحوال».
ابتسم وقال: «إذن لم تفهم شيئًا بعد».
اكمل قهوتك في مكتبك..قلت له دائما انت محقا.
#احمد_البهائي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟