أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - فيتو المظلوم✋: حين تتحول قذارة الداخل إلى ظلمٍ في الخارج …















المزيد.....

فيتو المظلوم✋: حين تتحول قذارة الداخل إلى ظلمٍ في الخارج …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 16:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ لا تقلق ممن يحاولون إفساد مزاجك…فالمرء الخطير هو من يقوم بهذه المهمة بنفسه على أكمل وجه قبل أن يصل إليه الآخرون ، لهذا ، أصعب «فيتو» يمكن أن يواجهه الإنسان ليس ذلك الذي يصدر عن دولة كبرى في مجلس الأمن ، ولا القرار الذي تعجز الدول عن تمريره بسبب إرادة قوة عظمى ، تلك الفيتوهات ، على قسوتها ، تبقى جزءًا من عالم السياسة ؛ لها حساباتها ومصالحها ، ويمكن تجاوزها بتغير موازين القوة أو تبدل التحالفات ، لكن ثمة «فيتو» آخر لا يخضع لأي من هذه القواعد ؛ فيتو لا تمنحه دولة ولا تسحبه دولة ، ولا تستطيع قوة على الأرض أن تعطل مفعوله ، إنه فيتو المظلوم .

أتخيل المشهد عند أبواب الجنة : يقف الإنسان الذي ظن طوال حياته أن سلطته ستحميه ، وأن نفوذه سيمنحه القدرة على الإفلات ، وأن الزمن كفيل بدفن ما فعله بالآخرين ، وبينما هو يتقدم ، يظهر المظلوم الذي لم ينسَ ما حدث له ، فيقول : يا رب، هذا الإنسان ظلمني ، وأذاقني الويلات ، وسرق من ليلي النوم ، وحوّل حياتي إلى خوف واستنفار دائم ، عندها تتوقف كل الحسابات التىّ عرفها الإنسان في الدنيا ، لا مجلس أمن ، ولا حليف ، ولا نفوذ ، ولا سلطة ، ولا قدرة على استخدام «الفيتو» لإسكات الطرف الآخر ، ففيتوهات الدنيا يمكن التعامل معها لأنها جزء من لعبة القوة ، أما فيتو المظلوم ، فليس لعبة سياسية ، بل شهادة على فعلٍ وقع ، وحقٍ لم يُرد ، وألمٍ لم يجد عدالة .

لكن السؤال الأهم ليس ماذا يحدث للظالم في النهاية ، وإنما : كيف يصبح الإنسان ظالمًا أصلًا ؟، فالإنسان لا يستيقظ صباحًا ليقرر فجأة أن يصبح ظالمًا ، الظلم ، في كثير من الأحيان ، يبدأ قبل الفعل بوقت طويل ؛ يبدأ في مكان أكثر خفاءً : في الداخل ، قد يبدأ بحسد صغير لا يواجهه صاحبه ، أو بشعور بالتفوق على الآخرين ، أو باحتقار المختلف ، أو بتعصب للانتماء ، أو بحقد يبرره الإنسان لنفسه حتى يتحول مع الوقت إلى جزء من شخصيته ، ثم ينتقل ما كان شعورًا داخليًا إلى نظرة ، ومن النظرة إلى موقف ، ومن الموقف إلى سلوك ، ومن السلوك إلى ظلم ، ما لا يُطهَّر في الداخل ، قد يتحول في الخارج إلى ظلم ، وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية ، فنحن نعرف كيف نغسل أجسادنا ، وكيف ننظف ملابسنا وبيوتنا ، وكيف نرتب الأشياء من حولنا ، نعرف كيف نحافظ على مظهر لائق أمام الآخرين ، وكيف نصنع صورة اجتماعية تبدو متماسكة ومحترمة ، لكننا أقل استعدادًا للقيام بالعمل الأصعب : أن نفتح أبواب الداخل ونرى ما الذي تراكم هناك ، فالجسد يمكن غسله بالماء ، لأن أوساخه ظاهرة ويمكن التعامل معها بطريقة مباشرة ، أما النفس ، فإن أكثر ما يلوثها لا يظهر على سطحها ، والحسد لا لون له ، والحقد لا رائحة له ، والتعصب لا يترك أثرًا على الوجه ، والكراهية يمكن أن تختبئ خلف ابتسامة ، والغرور يستطيع أن يرتدي ثياب التواضع .

لهذا قد يكون الإنسان شديد النظافة في الخارج ، بينما يحمل في داخله ما هو أشد قذارة مما يحاول إخفاءه عن الآخرين ، ومن هنا تكتسب كلمة «القذارة» معناها الأعمق ؛ فهي ليست بالضرورة قذارة الجسد ، وإنما قذارة الوعي حين يفسد ، وقذارة النفس حين تفقد قدرتها على رؤية الإنسان في الإنسان ، ولعل رواية «القذارة» (Filth) للكاتب الاسكتلندي إيرفين ويلش ، الصادرة عام 1998، تقدم نموذجًا أدبيًا لافتًا لهذه المنطقة المظلمة من النفس البشرية ، فالقذارة في عالم الرواية ليست مجرد وصف خارجي ، بل ترتبط بما يختبئ داخل الشخصية من اضطرابات ورغبات وعدوان واحتقار للآخر ، وهنا تكمن المفارقة : قد يقضي الإنسان وقتًا طويلًا في تنظيف ما يمكن للناس رؤيته ، بينما يترك ما لا يراه أحد يتراكم في أعماقه ، بل إن الاهتمام المفرط بالمظهر الخارجي قد يتحول أحيانًا إلى وسيلة للهروب من مواجهة الذات ، فكلما انشغل الإنسان بتلميع صورته أمام الآخرين ، أصبح أقل استعدادًا للنظر إلى المرآة الداخلية التىّ لا تجامل أحدًا .

إن أخطر الأوساخ ليست تلك التىّ تظهر على الملابس ، وإنما تلك التىّ تجعل الإنسان يرى الآخرين أقل قيمة منه ، فالحسد ، مثلًا ، لا يكتفي بأن يجعل الإنسان يتألم من نعمة الآخر ؛ إنه قد يدفعه تدريجيًا إلى تمني زوالها ، ثم إلى البحث عن عيوب صاحبها ، ثم إلى الانتقاص منه ، وربما إلى إيذائه ، وهكذا يتحول شعور داخلي لم يُعالج إلى عداء خارجي ، والكراهية بدورها لا تولد مكتملة ، إنها تحتاج إلى رواية يرويها الإنسان لنفسه حتى يبررها ، يبدأ الأمر بـ«أنا لا أحبه»، ثم يصبح «هو لا يستحق»، ثم «هو خطر»، ثم يصبح إيذاؤه في نظر صاحبه أمرًا مشروعًا ، وهكذا تعمل القذارة الداخلية : تبدأ شعورًا ، ثم تتحول إلى فكرة ، ثم تصبح موقفًا ، ثم تتحول إلى سلوك ، والمشكلة أن الإنسان قد يصل إلى مرحلة لا يعود فيها قادرًا على رؤية القذارة التىّ في داخله ؛ ليس لأنها اختفت ، وإنما لأنها أصبحت جزءًا من نظرته إلى العالم .

وهنا ينتقل الأمر من الفرد إلى المجتمع ، فحين تتكرر هذه الحالة داخل جماعة ، تتحول القذارة النفسية إلى قذارة سياسية واجتماعية ، يصبح التعصب هوية ، والطائفية ملجأ ، والقومية المتطرفة جدارًا ، ويبدأ الإنسان في تعريف نفسه لا بما هو عليه ، وإنما بمن يرفضه ، عندها يصبح المجتمع مقسمًا إلى جماعات مغلقة ، يعيش كل منها داخل سرديته الخاصة ، ويرى الآخر بوصفه تهديدًا أكثر من كونه شريكًا في الوطن ، والأخطر أن الخوف المتبادل يبدأ في إنتاج نفسه ، نخاف لأننا لا نثق ، ولا نثق لأننا لا نعرف ، ولا نعرف لأننا لا نريد الاقتراب ، ولا نقترب لأننا نخشى الآخر ، وهكذا تتحول المجتمعات إلى دوائر مغلقة من سوء الظن ، يصبح فيها المختلف متهمًا قبل أن يتكلم ، ويصبح الانتماء سببًا للحكم على الإنسان قبل معرفة أفعاله ، وفي هذه اللحظة ، لا يعود الوطن مكانًا مشتركًا ، بل يتحول إلى مساحة من الحدود النفسية .

قد يعيش الإنسان في مدينته ، وبين أهله ، وفي المكان الذي ولد فيه ، ومع ذلك يشعر بالغربة ؛ لأن الوطن لا يصبح وطنًا بالحدود الجغرافية وحدها ، وإنما يصبح كذلك حين يشعر الإنسان أن كرامته مصونة ، وأن اختلافه لا يجعله هدفًا للعداء ، ولهذا فإن الطائفية والعصبيات القومية ليست مجرد مشكلات سياسية يمكن حلها بتعديل قانون أو تغيير حكومة ، إنها ، في جانب منها ، مشكلة في طريقة نظر الإنسان إلى الإنسان ، وإذا لم نواجه الجذور النفسية للكراهية ، فسوف نستمر في معالجة نتائجها ، وسنضع قوانين لمنع العنف ، لكننا لن نعالج الاحتقار الذي يسبقه ، وسنتحدث عن الوحدة ، لكننا لن نعالج الخوف الذي يمنعها ، وسنرفع شعارات التسامح ، بينما تظل النفوس عاجزة عن قبول المختلف .

إن تطهير المجتمع ، إذنً ، لا يبدأ فقط من مؤسساته ، بل يبدأ أيضًا من الإنسان نفسه ، فأن يملك الشجاعة ليسأل نفسه : لماذا أكره هذا الشخص؟ لماذا أشعر أنني أفضل منه؟ لماذا يزعجني نجاحه؟ لماذا أحتاج إلى التقليل من شأنه كي أشعر بقيمتي؟ ومتى تحول اختلافي معه إلى عداء له؟، هذه الأسئلة ليست ترفًا أخلاقيًا ، بل ربما تكون أحد أشكال الوقاية من الظلم ، فالظلم الذي نراه في الخارج قد تكون له جذور عميقة في الداخل ، ولهذا فإن أخطر معركة يخوضها الإنسان ليست مع الآخرين ، وإنما مع الأشياء التىّ إذا تركها تتضخم في داخله ، جعلته يومًا ما قادرًا على إيذائهم .

وفي النهاية ، يستطيع الإنسان أن ينتصر سياسيًا ، وأن يمتلك المال والسلطة ، وأن يبني شبكة من المصالح والتحالفات ، تماماً كما يفعل الاسرائيلي ، وأن ينجح في إسكات من ظلمه في الدنيا ، لكنه لا يستطيع أن يضمن أن يسكت المظلوم إلى الأبد ، لأن هناك لحظة تسقط فيها كل وسائل القوة ، ولا يبقى للإنسان سوى ما صنعته يداه ، وعندها يعود ذلك «الفيتو» الذي بدأنا منه ، يقف المظلوم ، لا بوصفه خصمًا سياسيًا ، ولا طرفًا في معركة مصالح ، وإنما بوصفه صاحب حق ، ويقول كلمته ، وهنا ندرك أن أخطر ما في الظلم ليس أنه فعل يقع على الآخر فحسب ، وإنما أنه يعود في النهاية إلى صاحبه .

فالإنسان الذي لم يطهّر داخله ، قد يحمل قذارته إلى الآخرين ، ويحوّلها إلى ظلم ، ثم يكتشف متأخرًا أن ما ظنه قوةً كان في الحقيقة عبئًا ، وأن ما ظنه انتصارًا لم يكن سوى دين مؤجل ، لهذا ، ربما كان السؤال الأهم في حياتنا ليس : كيف نحافظ على نظافة الخارج؟

بل : كيف نمنع الداخل من أن يتحول إلى قذارة ، والقذارة إلى كراهية ، والكراهية إلى ظلم ، والظلم إلى فيتو لا يمكن إسقاطه؟

ذلك هو الفيتو الذي لا تملكه الدول الكبرى ، ولا تستطيع السياسة تعطيله ، فيتو المظلوم … والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- واشنطن بين استنزاف الحروب وتمرد الصندوق -🗳هل بدأ الم ...
- حين تسارعت الحضارة وتأخر الإنسان✋…
- بعد غزة🇵🇸 … أيُّ سلامٍ يمكن أن يولد من تحت ا ...
- حين يصبح الغباء قوة: عن غياب المنطق وانهيار الحوار🗣…
- بين ذاكرة الثورة 🇵🇸 واستحقاقات الدولة - الخل ...
- السكران الذي تحدّى نيتشه… وانكسر أمام تشيخوف -بين الكأس ...
- الاستنزاف المركب…حين يتصدع الداخل الإسرائيلي وتمتد ارتدادات ...
- الفاعل الحقيقي - النقد بين أخلاق الحقيقة وسيكولوجيا الحسد ...
- بين الحبة المنسية والسياسة المنهكة…هل بدأ الجمهوريون🇺 ...
- الرأسمالية وإرادة الإنسان…عندما تتحول الوسيلة إلى غايةӿ ...
- زيلينسكي ونتنياهو… عندما يصبح توسيع الحرب وسيلةً للنجاة …
- اعترافات الغزالي… عندما أنقذ الاكتئاب العقل من الشهرة …
- أحمد الياباني 🇯🇵 🇵🇸 … حين يع ...
- من ابن الجوزي إلى تشيبولا 🇮🇹…سيرة الغباء الت ...
- بين القانون والحرب📕: عندما تتغير قواعد الاشتباك وتُع ...
- التعليم لا يبدأ من المدرسة🏫… كيف تصنع العائلة الفارق ...
- بين فساد الداخل وتحولات النظام الدولي: العراق 🇮 ...
- آسيا… الأم التىّ علمتني أن أكتب - في الذكرى السنوية لرحيل وا ...
- الفيفا… إمبراطورية فوق القانون-حين تتحول كرة القدم ⚽ إ ...
- العائلة… النموذج الأول☝للعقد الاجتماعي …


المزيد.....




- الديدان الخارقة.. حل غير متوقع وأرخص لتنظيف هياكل الحيوانات ...
- بيان سعودي بعد هجوم إيراني على ناقلة إماراتية بمضيق هرمز
- بزشكيان: إيصال البضائع إلى إيران لم يعد أمرا سهلا ونبحث عن ط ...
- بعد ضربة موجعة لقوافله القادمة من ليبيا.. حميدتي يعلن -الطوا ...
- -تعهّد بالولاء وتدخل في الملفات الأمنية-.. رئيس ديوان نتنياه ...
- لماذا فضل محمد صلاح الدوري التركي على السعودي؟
- -إنديكس-: سيارتو يواجه اتهاما بتلقي رشوة وعقوبة قد تصل إلى ث ...
- طبيب يحذر: تناول الآيس كريم بكثرة في الحر قد يرهق الجسم ويضر ...
- الخارجية الروسية: مدينة فلاديقوقاز الروسية قد تصبح مركزا للن ...
- أكثر الفواكه التي قد تسهم بتفشي عدوى -السيكلوسبورا-


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - فيتو المظلوم✋: حين تتحول قذارة الداخل إلى ظلمٍ في الخارج …