أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين سالم مرجين - معايير ومؤشرات الصمود لضمان جودة التعليم في بيئات النزاع العربية















المزيد.....

معايير ومؤشرات الصمود لضمان جودة التعليم في بيئات النزاع العربية


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 21:16
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


من الواضح أن معضلة المعايير البنيوية لا تتوقف عند حدود بيئتنا الوطنية فحسب، بل تمتد لتشكل أزمة إقليمية مشتركة تتقاسم سياقاتها وديناميكياتها دول عربية أخرى مثل اليمن، وسوريا، والسودان. وتتجسد المفارقة الصارخة هنا عندما نرى جهودًا إقليمية مثل التصنيف العربي للجامعات، الذي وضع كل الجامعات العربية في سلة واحدة، وقاسها بمسطرة معيارية واحدة متجاهلًا الفروق الجوهرية والظروف الموضوعية بين الدول.
ومن هنا يبرز السؤال المعرفي والمهني الكبير: ألا تحتاج دول النزاعات والأزمات المركبة إلى معايير ومؤشرات خاصة بالصمود، بدلًا من إخضاعها القسري لمعايير الرفاهية والامتداد والاستقرار التي تنطبق فقط على دول تعيش بوفرة مالية ومؤسسية؟
إن مساواة كليات وجامعات في ليبيا أو السودان أو اليمن بنظيراتها في دول أكثر استقرارًا ونموًا مثل السعودية أو الكويت أو مصر يُمثّل إجحافًا علميًا وظلمًا منهجيًا صارخًا.
هذه المقاربة الإقليمية القاصرة تتعامل مع مؤسساتنا التعليمية وكأنها تعيش في وضع مستقر تمامًا، لا تعاني تحديات لوجستية حادة، ولا من انقسامات سياسية، ولا من أزمات خانقة في توفير الموارد المالية وتدريب وتأهيل الموارد البشرية، فضلًا عن المعركة اليومية لضمان مجرد استمرار الدراسة في القاعات والمدرجات.
إن تبنّي المسطرة الواحدة يعيق عمليات التعافي المؤسسي بدلًا من دعمها؛ فالتعافي لا يمكن أن يتحقق إلا إذا واجهنا الواقع بعقلانية، واعترفنا بالتفاوت البنيوي الحاصل في منطقتنا العربية. نحن بحاجة ماسة ومستعجلة إلى تفكير أعمق وأوسع يتجاوز استنساخ النماذج الجاهزة، ويسعى إلى ابتكار أدبيات جودة استثنائية تخاطب هذا التفاوت، وتمنح دول النزاعات خريطة طريق متدرجة ومرنة للاستيقاظ الأكاديمي.
وذلك من خلال معايير ومؤشرات الصمود؛ والتي لا تعني القبول بتدني الجودة، بل تعني حماية جوهر التعلّم بما يتوافق مع الظروف الأمنية والاقتصادية الراهنة. إنها تهدف إلى بناء منظومة مرنة وقادرة على التكيّف لإدارة وضمان الجودة بالحدود الدنيا كخطوة إلزامية لإنقاذ مستقبل الأجيال الصاعدة، وتأمين صمود المؤسسات التعليمية العربية أمام رياح الانهيار الكامل.
ولكي ننتقل بهذه الرؤية من الفضاء التنظيري إلى حيز التطبيق الإجرائي، يتوجب علينا تفكيك التباين الجذري بين مؤشرات الاستقرار الشائعة في الأدبيات التقليدية المستوردة، وبين مؤشرات الصمود المرنة التي تفرضها سياقات الأزمات والنزاعات. ويُظهر هذا التمايز كيف يمكن للمؤسسة التعليمية إحلال آليات مرنة وواقعية كبديل عن المحاكاة الصورية لبيئات الرفاه المستقرة.
فمثلًا، في دول النزاعات، يتطلب استمرار الدراسة استراتيجية قائمة على المرونة عبر خطة طوارئ موجزة (لا تتجاوز صفحة أو اثنتين) تحدد بوضوح آليات استئناف الدراسة والامتحانات فورًا عند حدوث أي عراقيل أو نزاعات مسلحة أو طوارئ أمنية.
وفي المقابل، يتطلب التعليم البديل أيًا كان شكله استراتيجية مرنة تشمل التعليم عن بُعد والتعليم الهجين، تراعي وتتكيف مع ضعف البنية التحتية المحلية، وانقطاعات الكهرباء وشبكات الإنترنت، وتعتمد على بدائل رقمية بسيطة ومنخفضة التكلفة ومتاحة للطلبة في منازلهم.
أما علاقة الأستاذ بالطالب والدعم الأكاديمي، فتقاس بمؤشرات القيادة الأكاديمية التمكينية؛ أي قدرة الأستاذ على قيادة الطلبة نحو التميز عبر أساليب تعويضية مرنة، ومراعاة الفجوات التحصيلية الناتجة عن الأزمات، وتحمل المؤسسة للمسؤولية المعرفية تجاه طلبتها.
وبالمقابل، في دول الاستقرار، ستكون المؤشرات مختلفة؛ مثل اشتراط انتظام الدراسة الحضورية الكاملة بنسبة 100% وفق جداول زمنية صارمة وغير قابلة للتعديل. كما سيكون التقييم مرتبطًا بتوفر بنية تحتية رقمية فائقة، ومنصات تعليم إلكتروني تفاعلية مدفوعة ومستقرة ومتاحة على مدار الساعة. كذلك يتحدد تقييم عضو هيئة التدريس بناءً على الالتزام الكمي بساعات الإلقاء التقليدية، وحصر الغياب والحضور الصارم للطلبة في الظروف الطبيعية.
وهنا تستحضرني واقعة ميدانية بالغة الأهمية والدلالة؛ فعندما أخفق عدد من الطلبة في تحقيق النجاح في أحد المقررات بسبب الفجوات التحصيلية والغياب القسري الناتج عن جولات النزاع، وقف أحد الأساتذة الجامعيين الأجلاء في موقف يجسد المعنى الحقيقي للمسؤولية الأخلاقية والأكاديمية، قائلاً بشجاعة ومكاشفة: لستم أنتم من فشل، بل نحن الذين فشلنا في تمكينكم من المعارف والمهارات المطلوبة، نتيجة للغياب والانقطاع المتكرر الذي فرضته هذه الحروب والنزاعات.
إن هذا الموقف الإنساني والأكاديمي النبيل يلخص جوهر فكرتنا: فالجودة في بيئات الصمود ليست سيفًا مسلطًا لمعاقبة الضحية (الطالب)، بل هي آليات مرنة ومؤشرات حية تضمن التزام الأستاذ والمؤسسة بابتكار مسارات تعويضية، وتقديم دعم أكاديمي ونفسي مستمر، يضمن نقل المعارف والمهارات الحرجة للطلاب بالحدود الدنيا المصونة، مهما بلغت التحديات اللوجستية أو الأمنية في الميدان.

إن الغاية الأساسية والمحورية من هذه المقالة الفكرية تكمن في تقديم مرئيات منهجية حاسمة ومقاربات بديلة قد تكون غائبة أو غير واضحة في أذهان مسؤولي الجودة وضمانها في الهيئات العربية والدولية. إذ إن إصرار هذه الجهات على التعامل بمنطق الرؤية الأحادية والشمولية لتقييم كافة المؤسسات التعليمية وإخضاعها لمعايير وتصنيفات موحدة، ينطوي على خلل بنيوي وإجحاف مركب لا يقتصر على دول النزاعات فحسب، بل يمتد أيضًا ليُظلم دول الاستقرار ذاتها.
فكيف يمكن منطقيًا وعلميًا وضع جامعات تعاني من الحروب والانقسامات في ذات المسطرة مع جامعات مستقرة وممولة؟ بل إن هذه المقاربة تقود إلى مفارقات مضحكة مبكية: فلو حدث أن تقدمت جامعة من دول النزاع بفعل التعبئة الورقية أو البيروقراطية الصورية بدرجة أو اثنتين في التصنيف مقارنة بجامعة في دول الاستقرار، فكيف سيكون الموقف العلمي والمنهجي لتلك التصنيفات والجامعات؟
إن الأمر يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى وقفة جادة ومراجعة حقيقية وواعية ومدركة لهذه التباينات الصارخة. إن إعادة النظر في معايير ومؤشرات الاعتماد والتصنيف باتت ضرورة حتمية، بحيث تُصاغ معايير ومؤشرات الصمود خصيصًا لدول النزاعات والصراعات لتمكينها من مواجهة رياح الانهيار، في حين تُترك معايير الاستقرار والرفاه الأكاديمي للدول التي تبحث عن مزيد من التميز الفعلي والتنافسية الدولية.
حتى مفهوم الأثر الفعلي الذي تبحث عنه الجودة يختلف جذريًا في فلسفته وبوصلته بين هذين السياقين؛ ففي دول النزاع والصراعات تتجه بوصلة الأثر الأولى نحو المجتمع وبناء السلام: أي كيف يمكن للجامعة أن تُسهم في تقليل حدة النزاعات، وإحداث أثر مجتمعي يدفع نحو المصالحة الوطنية وتأصيل السياسات التوافقية السليمة، وصون عقول الأجيال من التطرف والانهيار المعرفي.
وفي المقابل، تتحرك بوصلة الأثر في دول الاستقرار نحو تعزيز مستويات الابتكار والتميز العلمي، ومعالجة المشكلات الصناعية والتنموية، والريادة الاقتصادية.
وبناءً على ذلك، نوصي صراحةً بضرورة فصل معايير التصنيف العربي للجامعات، واستحداث مسار تصنيفي وتقييمي خاص بدول النزاعات يتواءم مع استحقاقاتها الوطنية الاستثنائية وواقعها اللوجستي؛ إذ إن بعض المؤشرات الحالية تُعدّ ترفًا مستهجنًا في مضمونها وسياقها عند إسقاطها على بيئات تعاني من انقطاع الكهرباء والإنترنت، ونزيف الموارد البشرية والمالية.
لن تتحسن منظومة التعليم العالي العربي، ولن تنهض من عثرتها، ما دمنا نُغلق أعيننا عن الواقع ونتوهم بأن كل الأوضاع متطابقة ونتعامل معها بمسطرة واحدة. إن إنقاذ مستقبل الأجيال الصاعدة وتأمين صمود منظومتنا الأكاديمية يتطلب هذه الوقفة العقلانية الشجاعة لإحلال جودة الصمود مسارًا بديلًا وحتميًا للتعافي والبناء الأكاديمي المستدام.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تشريح سوسيولوجي لظاهرة أمراء الحرب وخصخصة الدولة في ليبيا
- كيف نرى الجودة وضمانها في التعليم بليبيا ؟ أطر الحوكمة ورهان ...
- الانقلاب على حتحات على ما فات: هندسة الذاكرة الليبية سيكولوج ...
- تأصيل التفاهة وتأميم الذاكرة: قراءة في المتخيل القبلي والسيا ...
- قراءة تقييمية لواقع جودة التعليم العالي وضمانها في المنطقة ا ...
- علم الاجتماع في ليبيا تفكيك إرت الكوابح ورهانات المشروع السو ...
- علم الاجتماع في ليبيا: من ذاكرة شرنقة السلطة إلى حصار الرقاب ...
- رؤية تفاعلية لإعادة هيكلة أنظمة الجودة وضمانها في التعليم بل ...
- السيولة الهيكلية في الإدارة الليبية: أداة لتفتيت الذاكرة الم ...
- ذاكرة الآباء الواقعية: كيف تبني عثرات الماضي مناعة الأبناء؟
- أزمة التعليم في ليبيا: إنتاج المشكلات بدل الحلول
- سيادة التعليم في ليبيا بين مطرقة الانقسام وسندان المنظمات ال ...
- 9 يوليو 1996 في ليبيا: الذاكرة الجريحة التي ما تزال تنزف صمت ...
- كيف يُدار التعليم العالي في ليبيا ؟
- سوسيولوجيا الذاكرة الجريحة في ليبيا من التفكيك إلى آليات الت ...
- سوسيولوجيا الذاكرة الجريحة: نحو مقاربة المصالحة القائمة على ...
- جامعات ليبيا بعد 2014: طفرة في العدد وتعثر في الأثر
- من لعب الإقصاء في المدارس إلى ثقافة المواطنة: دعوة لإعادة هي ...
- المشروع الوطني لإعادة هيكلة التعليم في ليبيا: تشخيص الواقع و ...
- مفارقات سوسيولوجية لوسائل التواصل الاجتماعي في المنطقة العرب ...


المزيد.....




- اتفاق شراكة مع تيك توك يتيح لصناع المحتوى استخدام شخصيات ديز ...
- بعد أزمة ضياء العوضي.. مصر تلغي فعالية طبية للأسترالية باربر ...
- كاميرا CNN تجوب شوارع دمشق.. وهذا ما رصدته خلال نظرة على الح ...
- ترامب: صناعاتنا الدفاعية تتوسع
- اختتام مفاوضات روما بين لبنان وإسرائيل
- -نلتقي في 15 أغسطس-.. دعوات عبر منصات التواصل لـ-عبور جماعي- ...
- بعد فوزه بالترشح لمجلس الشيوخ.. عبد الرحمن السيد: الأمريكيون ...
- جبهة حرب اليمن.. إلى أين يتجه التصعيد بين الحوثيين والسعودية ...
- نتنياهو يصعد بلبنان.. صفعة لترامب وإيران
- إيطاليا.. القضاء يوقف صفقة نظام رادار إسرائيلي لمطار ليونارد ...


المزيد.....

- التربية الرقمية للكاتبة د-انتصار الخشت / انتصار كامل جفلان الخشت
- الكنز المخفي / انتصار كامل جفلان الخشت
- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين سالم مرجين - معايير ومؤشرات الصمود لضمان جودة التعليم في بيئات النزاع العربية