أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - طبقات المنفى في أعمال بهرم حاجو















المزيد.....

طبقات المنفى في أعمال بهرم حاجو


منير المجيد
(Monir Almajid)


الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 20:11
المحور: الادب والفن
    


الكتابة عن بهرم حاجو ليست عصيّة على الإمساك، أبداً، لكنني تردّدتُ كثيراً، لأنّ الصداقة القديمة/القريبة التي تجمعني به تجعل المسافة النقدية أكثر حساسية.
أعرف هذا الشعور جيداً منذ سبعينات دمشق، حين وجدت نفسي مضطراً للكتابة عن فيلمٍ لم يكن جيداً لصديقٍ قريب، فكتبت عنه بحذرٍ اعتبرته لاحقاً خيانةً صغيرة لمهنتي. مع بهرم الأمر مختلف، فالأعمال نفسها تفرض الكتابة، وتفتح باباً واسعاً للتأمل، وتستحق أن تُقرأ بالعربية كما قُرئت بلغات كثيرة.

ولد بهرم سنة ١٩٥٢ في قرية ديرونا في الجزيرة السورية. بدأت تجربته من نقطة تبدو حاسمة، فهذا طفل في قرية صغيرة يشعر بأن العالم أوسع من حدود المكان، حتّى حين انتقل إلى بلدة «تربا سپي»، التي ارتبطت باسم عائلة حاجو ومازالت.
كان عليه الإنتقال إلى القامشلي، حين جاءها طالباً، وهناك تعارفنا، ثم انقطعت أخباره حين غادر وهو في العشرين، ليبدأ سلسلة انتقالات ستصبح لاحقاً جزءاً من تكوينه البصري.

حين غادر سورية في مطلع السبعينيات، لم يكن يحمل مشروعاً فنياً واضحاً، بل رغبة في الخروج من ضيق الجغرافيا إلى اتساع المدن. بغداد كانت أول المدن التي فتحت له باباً، وهناك بدأ يتعرّف على فكرة الأكاديمية، لكن الحرب والاضطراب جعلا إقامته قصيرة، فانتقل إلى براغ، وهناك بدأ يتشكّل شيء يشبه الوعي البصري. المدن الباردة، الواجهات الحجرية، الوجوه التي لا تبتسم كثيراً، كلها دخلت إلى ذاكرته، وستظهر لاحقاً في لوحاته.

نقطة التحوّل الأولى كانت حين انتقل إلى برلين، المدينة المُغلّفة بقسوة شفيفة، والتي يعيش فيها كل شخص كأنه قادم من مكان آخر. هناك تبلور لديه شعور المنفى. في تلك الفترة بدأ يرسم وجوهاً بلا ملامح واضحة، كأنها تتكوّن ثم تتلاشى، وبدأت الخلفيات الرمادية تظهر للمرة الأولى، ذلك الرمادي الذي سيرافق أعماله دون انقطاع.

ثمّ انتقل إلى مدينة مونستر، تاركاً برلين خلفه، وهناك درس علم الآثار. حينها حدث شيء مهم، حين اكتشف أن الجسد، إضافة إلى كونه شكلاً، هو أيضاً أثر، طبقة، تاريخ، وأن كل وجه يحمل ما يشبه الحفر القديمة التي لا تزول.
الوعي الأركيولوجي هذا سيعود بقوة في أعماله اللاحقة، حين تصبح اللوحة نفسها طبقات تُكشط وتُعاد وتُمحى وتُضاف، كأنها قطعة أرض تُنقّب بحثاً عن معنى.

لكن اللحظة الحاسمة كانت في دوسلدورف، حين دخل الأكاديمية وتدرّب على يد «نوربرت تاديوس»، حيث تعلّم أن الجسد يمكن أن يكون مركز اللوحة دون أن يكون بطلاً، وأن الشخصية يمكن أن تكون حاضرة وغائبة في الوقت نفسه.
بدأ يرسم بطريقة مختلفة (سآتي إليها لاحقاً)، لتصبح إعلاناً عن بداية مرحلة جديدة؛ مرحلة البحث عن الإنسان داخل الفوضى.

في التسعينيات، حين كرّس نفسه للرسم تماماً، ظهرت شخصياته كما لو أنها خرجت من ضبابٍ كثيف. وجوه لا تنظر إلى أحد، أجساد تقف في منتصف الفراغ، خطوط تحيط بالشخصيات كأنها حدود نفسية لا يمكن تجاوزها. في تلك الفترة أصبح بهرم رسّام العزلة، رسّام الوقوف الصامت، رسّام اللحظة التي لا يحدث فيها شيء لكنها تحمل كل شيء. لوحاته لم تكن تعبيرية بالمعنى التقليدي، بل كانت محاولة لإظهار التردد، الخوف، الحيرة، والشعور بأن العالم أكبر من قدرة الفرد على احتماله.

مع بداية الألفية، بدأ يخفّف من حضور الملامح، ويزيد من حضور الجسد ككتلة. الشخصيات أصبحت أكثر انحناءً، أكثر صمتاً، أكثر ابتعاداً عن المشاهد. الخلفيات الرمادية تحوّلت إلى فضاءٍ شبه معدني، كأنها جدارٌ لا يمكن اختراقه. في هذه المرحلة أصبح الرسم عنده أقرب إلى محاولة لترميم الذات، كأن كل لوحة عنده تُعيد بناء شيء تهدّم في الداخل. لم يعد يهتم بالقصص، بل بالوقفة، بالظلّ، بالخطّ الذي يمرّ على الكتف أو الوجه.

ثم جاءت المرحلة الأخيرة، مرحلة ما بعد المنفى الطويل، حين بدأ يرسم شخصيات تدير ظهرها للمشاهد. هذا التحوّل كان إعلاناً عن انتقال داخلي، فالإنسان لم يعد في مواجهة العالم، بل في مواجهة رموزه، تاريخه، ذاكرته.
في بعض الأعمال تنحني الشخصيات أمام الكوفية الفلسطينية، بعيداً عن الرمزية السياسية، بجعلها حمل تاريخي، مرتبط أيضاً بقضيته الكردية. هو يريد أن يقول إن الإنسان لا يواجه إلّا ما تراكم فوقه من سرديات وأثقال.
في هذه المرحلة أصبح الجسد أكثر ضعفاً، والخطّ أكثر قسوة، واللون أكثر صمتاً. اللوحة نفسها أصبحت اعترافاً متأخراً بأن الحياة عبارة عن سلسلة آثار.

هكذا تطوّرت تجربة بهرم، من شاب يبحث عن مدينة، إلى رسّام يبحث عن وجه، إلى فنان يبحث عن أثر. كل مرحلة كانت طبقة فوق أخرى، وكل لوحة كانت محاولة لفهم جسد الإنسان الذي لا يتوقف عن التغيّر، الإنسان الذي يقف دائماً في منتصف الفراغ، محاطاً بخطوط لا يعرف إن كانت تحميه أم تحاصره. وهنا يتبدّى الجسد في تجربته على هيئة وسيط مركزي للتعبير، حاملاً للألم الداخلي، ولتوتر العلاقات الإنسانية، ولأثر العنف والحرمان على الذات.

في هذه البنية، يصبح الجسد وسيطاً للتعبير عن أثر الفقدان، عن الانقطاع، عن حياةٍ لم تعد تمتلك سنداً عاطفياً أو اجتماعياً. الأكتاف المنحنية، النظرات البعيدة، الهيئة والبرنيطة والبشرة الداكنة في كثير الأعمال، التي يبدو وكأنها بهرم نفسه، كلها إشارات إلى حالة داخلية لا تحتاج إلى سردٍ لفظي. الجسد واضح، محدّد، غير قابل للمحو، حتى حين تغطيه طبقات لونية شفافة تستر بعض العري. هذا التوتر بين الوضوح والستر يمنح أعماله طابعاً مسرحياً، حيث تتحوّل الوضعيات الجسدية إلى لغة كاملة.

تقنية بهرم في بناء اللوحة تقوم على تصور العمل الفني مثل عملية حفرٍ بصري في طبقات المعنى. اللوحة ليست سطحاً يُنجز دفعة واحدة.
يبدأ العمل بوضع القماش على الأرض في مشغله الواسع بسقفه العالي، ويكون قبلها قد أدار مفتاح جهازه الموسيقي على إحدى الأعمال الكلاسيكية الكبيرة، ولا بأس من كأس ويسكي أيضاً، حينها يمزج الأكريليك والأصباغ مباشرة فوق القماش الخام، في حركة أقرب إلى السكب منها إلى الرسم، ثم يعلّق القماش ويعيد توجيهه مرات عدة، بحثاً عن تكوينات جديدة تتشكّل تدريجياً من خلال الحوار بين اللون والبنية. هذه الحركة بين الأفقية والعمودية، بين الأرض والجدار، تجعل اللوحة نفسها كائناً يتحوّل، بانتظار أن يُملأ.

بعد هذه المرحلة، يرسم بهرم الملامح بالفحم، وهي خطوة حاسمة في تحويل الكتلة اللونية إلى جسد. الفحم، بخطوطه القاسية والشفافة في آن، يحدّد ملامح الشخصيات دون أن يغلقها، بل يتركها قابلة للمحو والتعديل. ثم تأتي طبقات إضافية من اللون، شفافة أو كثيفة، تغطي أجزاء من الجسد وتكشف أجزاء أخرى، في لعبة مستمرة بين الستر والكشف، بين الحضور والغياب. بهذه الطريقة، تكون اللوحة نتيجة سلسلة من القرارات المتراكبة التي تترك آثارها في كل طبقة. في نهاية المطاف، إذا لاحظ أن الرمادي سيطر كثيراً على سطح لوحته، لا يتردد في إضافة لمسة صغيرة في زاوية ما بلونه الأصفر البرتقالي المميز، والذي أدعوه بالأصفر البهرمي. هذا لا يعني انه يبتعد عن فكرة إضافة ألوان اخرى، بعضها يشعّ بفرح الطفولة.

هذه التقنية الطبقية ترتبط بوعي الفنان الأركيولوجي، فعلم الآثار يعلّم النظر إلى الأرض على أنّها طبقات زمنية، وإلى كل طبقة على أنها أثر لحياةٍ سابقة، وهذا الوعي ينتقل إلى اللوحة. فكل طبقة لونية هي أثر، كل خط فحمي هو أثر، وكل محوٍ هو كشفٌ عن طبقة أعمق. اللوحة عنده بمثابة موقع للحفر في الذات، في الذاكرة، في المنفى، في العلاقات الإنسانية، عبر طبقات تتراكم ولا تُمحى بالكامل.

من الناحية الإجرائية، يمكن ملاحظة أنّه لا يسعى إلى إخفاء أثر العملية التقنية، بل يترك للمتلقي إمكانية قراءة تاريخ اللوحة من خلال آثارها؛ مناطق كثيفة اللون تشير إلى صراعٍ لوني سابق، مناطق شفافة تكشف عن طبقات تحتية، خطوط فحمية مترددة أو ممحوّة جزئياً تشير إلى تغيّر في قراره بشأن وضعية الجسد أو ملامحه. هذه الشفافية في إظهار تاريخ العمل تمنح اللوحة طابعاً زمنياً يمثّل سلسلة لحظات متراكبة.

تقنية الطبقات ترتبط أيضاً بطبيعة الموضوعات التي يتناولها، من صراعات الإنسان الداخلية، إلى الهشاشة العاطفية، العزلة، وحتّى الفقدان، كلها موضوعات تحتاج إلى بناءٍ تدريجي، إلى تراكم، إلى تداخل بين ما يُقال وما يُخفى. الطبقات ضرورة مفهومية، لأنّ الإنسان نفسه طبقات، علاقاته طبقات، ذاكرته طبقات، والمنفى طبقات، واللوحة تصبح المكان الذي تُختبر فيه هذه الطبقات بصرياً.

بهذه التقنية، يحقّق توازناً بين التجريد والتجسيد؛ اللون يتحرّك بحرية في الخلفية، في فضاءٍ رمادي أو أبيض أو ضبابي، بينما الجسد يتحدّد بخطوط واضحة، لكنه يبقى معرّضاً لتأثير الطبقات اللونية التي تغطيه أو تكشفه.
التوتر بين الحرية اللونية والانضباط الجسدي هو ما يمنح أعماله طابعاً خاصاً، يجعلها في آن واحد قريبة من التعبيرية وقريبة من التجريدية، دون أن تنتمي بالكامل إلى أي منهما. اللوحة، في النهاية، هي بصمته الخاصة التي تُقرأ من خلال سطحها النهائي فقط.

العري الوجودي لديه ينعكس في البنية البصرية، فناسه بلا عاطفة ظاهرة، مرسومة بألوان شاحبة، على خلفيات بيضاء أو رمادية، غير متصلة بأي مكان أو منظور، كأنّها معلّقة في فراغ المنفى. لا توجد علامات مكانية واضحة، ولا سياقات زمنية محدّدة، بل فضاء محايد يحيط بالجسد ويضاعف شعوره باللاانتماء. المنفى، بهذا المعنى، ليس مدينة بعينها، بل حالة «اللا مكان»، حالة أن يكون الإنسان دائماً خارج إطارٍ محدّد، خارج سياقٍ مستقر، وهو ما يتجسّد في ذلك الفراغ الممتد.

ينعكس المنفى أيضاً في طبيعة العلاقات داخل اللوحة، حين تظهر شخصيتان لا يلتفت أحدهما إلى الآخر، لا يوجد تواصل حقيقي، بل حوار صامت بين قرينين لا مرئيين، كأنّ كل شخصية تعيش في منفاها الخاص، حتى داخل اللوحة نفسها. هذا الانقطاع في التواصل يعكس حالة الإنسان المنفي الذي يعيش بين الآخرين دون أن يندمج معهم، والذي يرى في الآخر انعكاساً لذاته أكثر مما يراه شريكاً فعلياً. المنفى ينتج عزلة مضاعفة، عزلة عن المكان، والآخرين.

كما يفسّر المنفى انتقال الفنان من رسم الطبيعة في بداياته إلى رسم الأجساد في فضاءات محايدة.
الطبيعة الأولى، في الجزيرة السورية، كانت مرتبطة بمكانٍ محدّد، بأرضٍ لها حدود واضحة، بشمسٍ وأفقٍ يمكن تسميتهما، لكن هذه الطبيعة تعود لاحقاً في أعماله ضمن رؤية جديدة، حيث تتداخل الأرض والشمس وتصبح كتلة واحدة بلا حدود. فقد المكان تمايزه، وتحول إلى كتلة رمزية تشير إلى الخلاص النهائي وإلى جغرافيا بعينها.
التحوّل يعكس أثر المنفى في إعادة تشكيل علاقة الفنان بالمكان.

المنفى يظهر في اختياراته التقنية والموضوعية، لأنّه يُركّز على الألم الداخلي، على الصرخات التي لا تُكتم، على الضحايا التي لا تذوب في الفراغ. كل ذلك يشير إلى فنانٍ يرى العالم من موقع المنفي، الذي لا يملك سلطةً على الأحداث، لكنه يملك القدرة على تسجيل أثرها في الجسد وفي الفراغ. اللوحة تصبح سيرة داخلية للمنفى، وحالة مستمرة من الفقدان، من التعليق، من البحث عن توازن بين الداخل والخارج، بين الذاكرة والواقع، بين الجسد والفراغ الذي يحيط به.

مع اتساع رقعة شهرة بهرم في أرجاء المعمورة، أجدني أبحث في خارطة الفن التشكيلي السوري، بين بعض روّادها والعلاقة البنيوية بينهم وبين بهرم. فحين نتأمل تاريخ الفن السوري منذ منتصف القرن العشرين، نرى أنّه تشكّل عبر مسارين متوازيين، الأول ظلّ قريباً من الأرض والذاكرة المحلية، والآخر خرج إلى المدن الأوروبية وعاد محمّلاً بوعيٍ بصري جديد.
في المسار الأول نجد أسماء مثل فاتح المدرّس، لؤي كيالي، محمود حمّاد، نذير نبعة ولاحقاً صفوان داحول، وكلّهم اشتغلوا على الإنسان السوري في سياقٍ محلي، سواء عبر الرموز الشعبية أو التعبيرية الحزينة أو التجريد المرتبط بالبيئة. في المسار الثاني نجد فنانين غادروا مبكراً، وعاشوا تحوّلات المدن الأوروبية، واشتغلوا على الإنسان المعلّق بين ثقافتين، بين ذاكرةٍ أولى وواقعٍ جديد. بهرم ينتمي إلى هذا المسار، لكنه قدّم صيغة مختلفة، لأنّ منفاه أصبح طريقة لرؤية العالم.
يجب أن أُشير إلى أنّ تجربة صفوان داحول تشذّ عن رواية الفنان السوري الذي ربطته عند المسار الأول، فالبرغم من ارتباطه البيئي، وصل، في حالة نادرة لفنان سوري، إلى العالمية، بعد أن أقام في دبي على نحو متواصل. قد أُخصّص له بحثاً منفصلاً فيما بعد.

تجربة بهرم لا يمكن قراءتها من داخل التصنيفات التقليدية للفن السوري. ليست تعبيرية بالمعنى الذي عرفناه عند كيالي، وليست رمزية كما عند المدرّس، وليست تجريدية كما عند حمّاد، وليست زخرفية شعبية كما لدى نذير نبعة، وليست سوداوية كما عند داحول. إنّها تجربة تشكّلت خارج البلاد، لكنها تحمل أثر البلاد في طبقاتها. حين بدأ هجرته لم يكن يحمل مشروعاً فنياً واضحاً، بل رغبة في الخروج من ضيق الجغرافيا إلى اتساع المدن، وهي رغبة ستتحوّل لاحقاً إلى بنية بصرية كاملة؛ الجسد الذي يبحث عن مكان، الخلفية التي لا تمنحه مكاناً، والخطّ الذي يحيط به كحدّ نفسي.

في تاريخ الفن السوري، كان الجسد دائماً موضوعاً حساساً. كيالي رسمه حزيناً، هشّاً، قريباً من الألم الاجتماعي. المدرّس رسمه رمزاً وكتلةً تحمل معنىً يتجاوز شكلها. الفنانون الواقعيون رسموه جسداً يومياً مرتبطاً بالعمل والشارع. بهرم قدّم الجسد بطريقة مختلفة تماماً، جسداً بلا سياق واضح، يقف في منتصف الفراغ كأنه أثرٌ من حياةٍ لم تعد موجودة. هذا الجسد لا ينتمي إلى امتداد المدرسة سورية، هو امتدادٌ لحياةٍ عاشها الفنان في مدنٍ باردة، في غرفٍ صغيرة، وفي عزلةٍ طويلة.

هذا ما يجعل بهرم حالة خاصة داخل الفن السوري، لأنّه أعاد تعريف الجسد خارج سورية. لم يعد مرتبطاً بالبيئة المحلية أو الرموز الشعبية أو القصص الاجتماعية، بل أصبح جسداً يعيش في فضاءٍ رمادي، في مدينة لا تمنحه يقيناً، في علاقة مع العالم تقوم على الانكفاء، مما يضعه في موقعٍ مختلف عن الفنانين السوريين الذين اشتغلوا على الجسد من داخل البلاد، لأنّه يراه في جسد الإنسان المنفي، الإنسان الذي فقد دفء المكان الأول، وفقد الأمان والترابط الإنساني.

تقنية الطبقات التي يعتمدها تمنحه موقعاً آخر داخل هذا التاريخ. الفن السوري عرف الطبقات اللونية عند المدرّس، والرمزية عند حمّاد، والتعبيرية عند كيالي، لكن بهرم قدّم طبقة جديدة، ألا وهي الطبقة الأركيولوجية. اللوحة عنده ليست سطحاً، بل أرضاً تُنقّب؛ كل طبقة لونية أثرٌ لطبقة سابقة، وكل خطّ فحمي أثرٌ لقرارٍ سابق، وكل محوٍ كشفٌ عن طبقة أعمق. هذا الوعي جاء من دراسته لعلم الآثار، لكنه تحوّل إلى بنية فنية كاملة، جعلت اللوحة نفسها موقعاً للحفر في الذات والذاكرة والمنفى.

في تاريخ الفن السوري، لم يكن المنفى موضوعاً مركزياً إلا عند قلة قليلة. الفنانون الذين بقوا في البلاد اشتغلوا على الحرب والفقر والقمع والرموز والفلكرول، والفنانون الذين غادروا اشتغلوا على المدن الجديدة والحداثة والتجريد، لكنهم لم يجعلوا المنفى بنيةً داخلية للعمل كما فعل بهرم. الشخصيات عنده لا تتواصل، حتى حين تظهر اثنتان في اللوحة، فهما كأنهما انعكاسان لا يلتفت أحدهما إلى الآخر، وهو ما يعكس حالة الإنسان المنفي الذي يعيش بين الآخرين دون أن يندمج معهم. لهذا فإن أعماله لا تمت بصلة إلى أولئك الذين حملوا معهم موتيفات لا تختلف إلا بالتقنية عمّا كانوا يعملون عليه في سوريا، مثل الهيئات البشرية التي تعزف على الناي، وأخصّ بهم كرد سوريا. أستثني هنا تجربة مواطنه الجزراوي والكردي عادل داوود.

هذا ما يجعل بهرم جزءاً من تاريخ الفن السوري، لكن من زاوية مختلفة، لأنه قدّم قراءة بصرية للمنفى السوري قبل أن يصبح المنفى ظاهرة جماعية بعد ٢٠١١. أعماله في التسعينيات كانت ترسم المهاجرين في أوروبا، عزلتهم وخوفهم وانكفاؤهم، قبل أن يصبح هذا المشهد جزءاً من الذاكرة السورية العامة. بهذا المعنى، يمكن القول إنّه كان يكتب سيرة داخلية للمنفى السوري قبل أن يكتبها التاريخ نفسه.

التحوّل الأخير في أعماله، حين بدأت الشخصيات تدير ظهرها للمشاهد وتنحني بإشارة إلى مآسي شعوب شرق المتوسط، يضعه في موقعٍ جديد داخل الفن السوري المعاصر. لم يعد الجسد في مواجهة العالم، بل في مواجهة رموزه وتاريخه وذاكرته. هذا الانحناء ليس موقفاً سياسياً مباشراً، بل موقفاً بصرياً يعيد تعريف علاقة الإنسان بالرموز الثقيلة التي تراكمت فوقه.
الفن السوري عرف الرموز السياسية، لكنه لم يعرف هذا النوع من الانحناء البصري الذي يربط الجسد الفردي بالوعي الجمعي بطريقة صامتة وغير خطابية.

حين نضع بهرم حاجو داخل هذا التاريخ، نرى أنّه يشكّل ظاهرة مستقلة، جاءت من الخارج لكنها تعيد قراءة الداخل بطريقة مختلفة. الفن السوري عرف التعبيرية والرمزية والواقعية والتجريد، لكنه لم يعرف هذا المزج بين الأركيولوجيا والجسد والمنفى والفراغ الرمادي. هو بعيد عن الإنتماء المدرسي، وله مسارٍ خاص بدأ من رغبة في الخروج من ضيق الجغرافيا، وانتهى إلى بحثٍ بصري عن معنى العيش في عالمٍ يتغيّر أسرع من قدرة الفرد على احتماله.
تجربةٌ بدأت بخجل في الجزيرة السورية، ومرت ببغداد وبراغ وبرلين ودوسلدورف، وانتهت في مونستر إلى لوحاتٍ تقف فيها الشخصيات في منتصف الفراغ، محاطة بخطوط لا تعرف إن كانت تحميها أم تحاصرها، وتواجه رموزاً ثقيلة لا تملك إلا أن تنحني أمامها.



#منير_المجيد (هاشتاغ)       Monir_Almajid#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصائد عُضيمة تمشي على أطراف العالم
- الصين التي تعيد رسم العالم بلا ضجيج
- رواية التراث بين فيلم نولان واليمين
- مصانع كوريا الثقافية
- نهاية سلطة العالم القديم وصعود السلطة الخوارزمية
- توسيع إطار السرد في ردٌّ إلى السيد حسين علوان حسين
- سردية الإباحية اليابانية عبر القرون، من الشونغا إلى الدمى ال ...
- من تيزُكا إلى ميازاكي: صارت طفولة اليابان فلسفة وطن
- «جيلٌ يعيش فوق خطّ الصدع»، عن الفيلم الياباني «النهاية السعي ...
- «القلق الياباني الجميل»، من القصيدة إلى السينما
- الولايات المتحدة بين التاريخ والتحوّلات المعاصرة.
- قراءة في الشعبوية الدينية من أمريكا إلى الشام
- حين غنّت تونس بيرة وشمپانيا
- المونديال: كرة الفقراء التي صارت بورصة الأغنياء
- اليابانية يوزوكي تستخدم الطعام كأداة تفكيك لا كزينة سردية
- قراءة مُتأخرة «للرواية الأخيرة» لماركيز
- عبد الناصر في القامشلي
- خليل صويلح يشعل وهج الرواية السورية
- رائحة فلسطين
- مشروع محمد عُضيمة الياباني


المزيد.....




- ماتياس يايسله يترك الدوري السعودي ويتولى القيادة الفنية لفري ...
- منزل الفنان الروسي ريبين -بيناتي- يفتح أبوابه للزوار قبل اكت ...
- النائب نهلة الأفندي: -المدى- كرّست الإعلام الحر ورسخت ثقافة ...
- لوحات تروي الحكايات.. معرض يحتفي بإرث الفنان الروسي إيفان بي ...
- تكريم الممثلة الإيطالية إيزابيلا روسيليني في مهرجان لوكارنو ...
- فنانة مصرية توجّه استغاثة عاجلة لوزارة الداخلية
- أصالة تعود إلى دمشق بعد غياب.. رحلة إلى البيوت التي خبأت طفو ...
- الإرميتاج يبحث عن أسرار فينوس تاوريد.. من مصدر الرخام إلى أل ...
- حجر رشيد مفتاح فهم اللغة المصرية القديمة
- القدس... معركة الرواية التي لا يجوز أن نخسرها


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - طبقات المنفى في أعمال بهرم حاجو