أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رياض هاني بهار - التفكير الجماعي وهيئات الرأي في الوزارات العراقية















المزيد.....

التفكير الجماعي وهيئات الرأي في الوزارات العراقية


رياض هاني بهار

الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 13:38
المحور: المجتمع المدني
    


كيف يحافظ قانون هيئة الرأي على جودة القرار الإداري؟

يعد قانون هيئة الرأي رقم (9) لسنة 2011 الإطار القانوني الحاكم لعمل هيئات الرأي في الوزارات العراقية، وقد جاء ليؤسس لمرحلة متقدمة في صناعة القرار الإداري تقوم على الانتقال من القرار الفردي إلى القرار المؤسسي التشاركي.

فالمشرع لم ينظر إلى هيئة الرأي بوصفها إجراء شكليا أو محطة إجرائية سابقة لإصدار القرار، وإنما بوصفها أداة قانونية لإعادة بناء فلسفة القرار الإداري على أساس الحوار المؤسسي، وتكامل الخبرات، وتعدد زوايا النظر قبل اعتماد أي سياسة أو إجراء ذي أثر عام.

وانطلاقاً من هذا الإطار القانوني، فإن فلسفة قانون هيئة الرأي تقوم على مبدأ جوهري في القانون الإداري مفاده أن جودة القرار الإداري ترتبط بمدى سلامة الإجراءات التي سبقته، وأن القرار الرشيد لا يبنى على الانفراد بالرأي، بل على التمحيص الجماعي الذي يوازن بين الاعتبارات القانونية والإدارية والمالية والفنية.
ومن هنا فإن اجتماعات هيئات الرأي تمثل في جوهرها تطبيقا عمليا لمبدأ المشروعية الإجرائية في صناعة القرار حيث يفترض أن يمر القرار بمرحلة نقاش مؤسسي يضمن سلامته قبل صدوره.

غير أن هذه الفلسفة القانونية قد تتعرض إلى أحد أخطر التحديات في علم الإدارة والسلوك التنظيمي، وهو ما يعرف بـ التفكير الجماعي (Groupthink).

ويقصد بالتفكير الجماعي الحالة التي يسود فيها الحرص على تحقيق الإجماع والمحافظة على الانسجام داخل المجموعة ، أكثر من الحرص على اختبار صحة القرار.

ففي هذه الحالة يتردد بعض الأعضاء في إبداء الرأي المخالف أو يمتنعون عن طرح الأسئلة الجوهرية، أو يفضلون مجاراة الاتجاه السائد ولا سيما إذا كان الرأي قد صدر مبكراً من رئيس الجلسة أو من المسؤول الأعلى.

وعندما تصل هيئة الرأي إلى مرحلة يغيب فيها النقاش الحقيقي فإنها تفقد أهم وظيفة أنشئت من أجلها بموجب قانونها لأن دورها القانوني لا يقتصر على إقرار المقترحات، بل يمتد إلى فحصها وتمحيصها وتقييم آثارها القانونية والإدارية والمالية والفنية قبل اعتمادها كقرار إداري نهائي.

ومن هذا المنطلق فإن نجاح هيئة الرأي – في ضوء فلسفة قانونها – لا يقاس بسرعة إصدار القرارات، بل بمدى التزامها بوظيفتها القانونية في خلق بيئة نقاش مهني حر وتحويل تعدد الخبرات إلى أداة لتعزيز مشروعية القرار الإداري وجودته.

وقد أثبتت التجارب الإدارية العالمية أن كثيراً من الإخفاقات بسبب غياب الرأي المخالف، وسيطرة (ثقافة الموافقة الصامتة ) وتعطيل الدور الرقابي الداخلي الذي يفترض أن تمارسه هيئات الرأي قبل صدور القرار.

ولذلك فإن التطبيق السليم لقانون هيئة الرأي رقم (9) لسنة 2011 يتطلب تفعيل مجموعة من الممارسات العملية التي تنسجم مع فلسفته القانونية من أبرزها:

أولا: تخصيص دور “محامي الشيطان” داخل الاجتماعات.
يمكن لرئيس هيئة الرأي أن يكلف أحد الأعضاء في كل اجتماع بتولي مهمة مناقشة القرار من زاوية نقدية معاكسة من خلال تحليل المخاطر وطرح البدائل والتساؤل عن سلامة الافتراضات.

وهذه الممارسة تعزز الوظيفة القانونية للهيئة في التمحيص قبل الإقرار.

ثانياً: حماية حق الاختلاف المهني.
نصت المادة 10 من القانون على الآتي
( لكل عضو في الهيئة ان يبدي رايه بكل حرية , ولا يحاسب على ما ابداه من راي عدا ما يقع منه تحت طائلة القانون .)

ينبغي أن يفهم الرأي المخالف بوصفه جزءاً من الضمانات الجوهرية لجودة القرار الإداري وليس خروجاً على التسلسل الإداري، لأن قانون هيئة الرأي يفترض وجود نقاش حقيقي لا مجرد مصادقة شكلية.

ثالثاً: تأجيل إعلان رأي رئيس الهيئة أو الوزير.

من الممارسات التي تدعم فلسفة القانون أن يترك المجال كاملاً للأعضاء لإبداء آرائهم قبل إعلان الاتجاه العام، لضمان عدم التأثير على استقلالية النقاش وتحقيق الغاية القانونية من تشكيل الهيئة.

رابعا: دراسة أكثر من بديل.
ينبغي أن تعرض أمام هيئة الرأي بدائل متعددة مع تحليل آثار كل خيار قانونياً وإدارياً ومالياً، لأن المقارنة بين البدائل تمثل جوهر التقييم المؤسسي الذي يفترضه القانون.

خامسا: الاستناد إلى الأدلة.
كل قرار يعرض على هيئة الرأي يجب أن يستند إلى بيانات وتقارير ودراسات قانونية وفنية، انسجاماً مع فلسفة القرار الإداري الرشيد الذي يقوم على الدليل لا على الانطباع.

سادساً: الاستفادة من الخبرات الخارجية.
يجوز الاستعانة بالخبراء والمختصين عند الحاجة، بما يعزز البعد الفني والقانوني للنقاش، ويضمن شمولية التقييم قبل اتخاذ القرار.

إن محاضر اجتماعات هيئات الرأي في ضوء قانونها لا ينبغي أن تكون مجرد تسجيل للقرارات النهائية، بل يُستحسن أن تعكس بإيجاز مسار النقاش وأبرز البدائل المطروحة وأسباب الترجيح لأن ذلك يعزز الشفافية ويجسد الطبيعة القانونية للهيئة كأداة تمحيص لا مجرد اعتماد.

ومن الناحية القانونية والإدارية فإن وجود رأي مخالف داخل هيئة الرأي لا يعد خللاً في الأداء ، بل هو مؤشر على سلامة البيئة التنظيمية التي أتاحها قانون هيئة الرأي، إذ إن هذا القانون يفترض وجود مساحة حقيقية للاجتهاد المؤسسي.
أما الهيئات التي تسعى إلى الإجماع الشكلي فإنها قد تنتج قرارات تبدو متوافقة ظاهرياً لكنها تفتقر إلى متانة الأساس القانوني والفني.

إن الغاية التي أرادها المشرّع من إنشاء هيئات الرأي بموجب قانون رقم (9) لسنة 2011 تتمثل في ترسيخ مفهوم القرار الإداري التشاركي، الذي يوازن بين السلطة والمسؤولية، وبين السرعة والدقة، وبين الكفاءة والمشروعية.

ومن ثم فإن مكافحة التفكير الجماعي ليست مجرد تحسين إداري بل هي التزام قانوني مباشر ينبع من فلسفة القانون ذاته، الذي يجعل من النقاش المؤسسي شرطاً ضمنياً لجودة القرار.

خلاصة القول
إن قوة هيئة الرأي – في ضوء قانونها – لا تقاس بعدد القرارات التي تعتمدها، بل بمدى التزامها بوظيفتها القانونية في تمحيص القرار قبل صدوره.

فالإجماع الحقيقي الذي يستهدفه القانون ليس ذلك الذي يفرض في بداية النقاش، بل الذي يتشكل بعد حوار مؤسسي عميق يضمن أن يكون القرار الإداري أكثر مشروعية وكفاءة وقابلية للتنفيذ.



#رياض_هاني_بهار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الزيارات المليونية من الادارة العسكرية الى التخصص المؤسسي
- التحليل الجنائي ودوره في صناعة القرار الامني
- فالكوني هزم المافيا بالقانون فهل يتعلم العراق الدرس
- لا تستهلكوا الجيش بمهام الامن الداخلي
- المخدرات المجنحة… بالونات الموت ومسيرات السموم
- عندما تختطف النخبة مؤسسات الدولة قراءة في كتاب مافيا الدولة
- تنظيم برامج الجريمة.. عودة إلى سيادة القانون وفهم الإنسان
- رجل المرور العراقي.. صمود يومي في مواجهة الفوضى
- اثنا عشر عاماً على أخطر انهيار أمني في تاريخ العراق الحديث
- تنظيم برامج الجريمة.. عودة إلى سيادة القانون والقيم الشرطوية ...
- الكفاءات الشرطية بين التمكين والاحباط
- لماذا تتصارع القوى السياسيه على وزارة الداخليه
- هندسة الخراب الإداري في العراق
- العقل المغلق في موقع القرار… كارثة مؤجلة
- الادله الرقميه في العراق بين القصور التشريعي وضعف الاجراءات
- الدوله حين تهدد نفسها
- علم الجهل حين يصنع الغموض ويعطل الدولة
- التلوث الرقمي رسائل الجمعة حين تفقد معناها
- الوطن يبدأ من الاسرة أم البنات قلب أنجب وطنا
- عقود الضياع: أثر الحروب المستمرة على النسيج المجتمعي العراقي


المزيد.....




- بدعم من الحكومة الكندية... لجنة الانتخابات وبرنامج الأمم الم ...
- تصعيد عسكري واسع في مخيم قلنديا: اعتقالات وهدم للمنشآت وإصاب ...
- تصعيد إسرائيلي واسع في الضفة: تحويل منازل لثكنات بالبيرة وحم ...
- مطالبة شعبية بإعدام قتلة عائلة تايلاندية وسائحين روسيين في م ...
- محافظة القدس: العدوان على مخيم قلنديا يستهدف المخيمات وقضية ...
- -هيومن رايتس ووتش- تتهم إسرائيل بجرائم حرب بعد مقتل الصحفية ...
- العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش: مقتل الصحفية آمال خليل بهجو ...
- في شأن أحداث سبتة: سفيرا إسرائيل لدى إسبانيا والأمم المتحدة ...
- إزالة ركام غزة تثير اتهامات بإتلاف أدلة محتملة على جرائم حرب ...
- الأمم المتحدة: أطفال أفغانستان يئنون من سوء التغذية


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رياض هاني بهار - التفكير الجماعي وهيئات الرأي في الوزارات العراقية