أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - علي سيف الرعيني - الكتابة : وغياب اللذة الخفية !!














المزيد.....

الكتابة : وغياب اللذة الخفية !!


علي سيف الرعيني
كاتب

(Ali Saaif Alraaini)


الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 09:58
المحور: قضايا ثقافية
    


في بدايات الطريق، لا يعرف الكاتب شيئا عن الشهرة ولا يفكر في عدد القراء ولا ينشغل بمن سيصفق له أو بمن سينتقده كانت الكلمات تخرج منه خفيفة، دافئة صادقة، تشبه ضحكة طفل اكتشف العالم للتو، أو مطرا هادئا يعانق أرضا عطشى
تبدأ الكتابة، شيئا فشيئا في فقدان براءتها الأولى. يتحول النص من مساحة حرية إلى ساحة اختبار، ويصبح الكاتب أسيرا لنظرات الآخرين، يزن كل جملة بميزان الإعجاب ويقيس كل فكرة بعدد التصفيقات، حتى يغدو القلم أداة لإثبات الذات أكثر من كونه وسيلة للبوح. وهنا تبدأ الرحلة الأصعب رحلة الابتعاد عن النفس.
فالمصيبة ليست أن يجف قلم الكاتب بل أن يجف قلبه وهو يكتب فالجفاف الحقيقي لا يعني غياب الأفكار، بل غياب تلك اللذة الخفية التي كانت تجعل الحروف تنبض بالحياة. حين تتحول الكتابة إلى واجب ثقيل، أو إلى سباق محموم مع النجاح، فإنها تفقد جوهرها، لأن النصوص العظيمة لم تُولد من الخوف بل وُلدت من الفرح، ومن الدهشة، ومن ذلك الشعور العميق بأن الكتابة مكافأة للروح قبل أن تكون رسالة للناس
ولعل التحول النفسي الذي يمر به الكاتب هو أكثر التحولات خفاء ففي البداية كان يكتب لأنه يحب الكتابة ثم أصبح يكتب لأنه يخشى أن يتوقف، ثم وجد نفسه يكتب لأنه يخشى أن ينساه الناس. وبين الحب والخوف تضيع المسافة التي كانت تمنحه صدقه الأول
أما التحول التاريخي فهو ليس بعيدًا عن هذه الحكاية ففي زمن الرسائل الورقية والدفاتر القديمة كانت الكلمات تنضج على مهل وتجد طريقها إلى القلوب دون استعجال. أما اليوم، فقد أصبحت الكتابة محاصرة بإيقاع سريع، ومنصات لا تمنح النص وقتًا ليتنفس وأرقام تختزل قيمة الكاتب في تفاعل عابر، حتى صار كثيرون يكتبون لإرضاء الخوارزميات أكثر مما يكتبون لإرضاء ضمائرهم
ومن الناحية الرمزية، تبدو الكتابة كطائر كان يحلق بحرية في فضاء مفتوح، ثم وجد نفسه داخل قفص ذهبي. القفص يلمع، لكنه يظل قفصًا. فالنجاح قد يمنح الكاتب جمهورًا، لكنه لا يمنحه بالضرورة سلامًا داخليًا. والسلام هو الهواء الذي لا تستطيع الكتابة أن تعيش بدونه
ولذلك ضرورة أن يعود الكاتب إلى الورقة دون أن يفكر بمن سيقرأ، وأن يسمح للجملة أن تولد كما تشاء، لا كما يتوقع الآخرون أن يكتب لأن قلبه امتلا لا لأن صفحته تحتاج منشورًا جديدًا. وأن يتصالح مع حقيقة بسيطة لكنها عميقة وهي أن النص الصادق يصل متأخرًا خير من نص متكلف يصل سريعا
إن الخوف من الحكم هو أكثر السجون ضيقًا. فهو يجعل الكاتب يحذف أجمل ما في روحه قبل أن يقرأه أحد، ويقنعه بأن الكمال شرط للنشر، مع أن أعظم النصوص الإنسانية لم تكن كاملة، بل كانت صادقة. والصدق وحده هو الذي يمنح الكلمات قدرتها على البقاء
لذلك، لا ينبغي أن يسأل الكاتب نفسه كل صباح: هل سأحقق نجاحًا بهذا النص؟ بل ليسأل سؤالًا آخر أكثر أهمية هل شعرت بالسعادة وأنا أكتبه؟ فإن كانت الإجابة نعم، فقد ربح قبل أن ينشر، وقبل أن يقرأه أحد
فالكتابة الحقيقية لا تبدأ عندما يمسك الإنسان بالقلم بل تبدأ عندما يتصالح مع روحه، ويتحرر من عبء المقارنة، ومن خوف الأحكام، ومن وهم الكمال. عندها فقط تصبح الكلمات امتدادًا طبيعيًا للحياة، لا وسيلة لإثباتها.
في الختام سيكتشف كل كاتب، مهما طال به الطريق أن أجمل النصوص لم تكن تلك التي صنعت له المجد بل تلك التي منحته سلاما داخليا وهو يكتبها. فالسعادة ليست جائزة تنتظر الكاتب في نهاية الرحلة، بل هي الخطوة الأولى التي ينبغي أن يبدأ بها ومن دونها، قد تُكتب آلاف الصفحات، لكنها تظل عاجزة عن أن تلامس قلبا واحدا لأن الكتابة التي لا تُولد من فرح يصعب عليها أن تمنح الفرح لأحد !!



#علي_سيف_الرعيني (هاشتاغ)       Ali_Saaif_Alraaini#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصحافة:بوصفها جسرا بين المجتمع وصناع القرار !!
- ليتنا فعلنا اكثر !!
- قصةقصيرة : دموع العودة !!
- قصةقصيرة : القرار الذي غير حياته !!
- العودة من جديد !!
- قصةقصيرة : بقاء الباب مواربا !!
- قصة قصيرة : بقي واحد !!
- تمسك بصديقك الوفي !!
- قصة قصيرة : روح المبادرة !!
- الازدحام الخفي !!
- ليس من شأني !!
- السيرة التي تصنع الإنسان !!
- الرتابة الفكرية !!
- قصة قصيرة : العودة إلى الدفئ !!
- باب المندب : حين تتحول الجغرافيا إلى لغة سياسية !!
- حين يكتب الكاتب نفسه والإلهام يشبه المطر!!
- رسالة لم تصل !!
- المغتربين:وإشتياق يتجدد مع كل مناسبة !!
- أولئك الذين يرممون العالم !!
- تحويل الفهم إلى وعي !!


المزيد.....




- هكذا علق ممداني على فوز عبدالرحمن السيد بالانتخابات التمهيدي ...
- إيران وسلطنة عُمان تقتربان من اتفاق محتمل بشأن مضيق هرمز.. إ ...
- بمقولة منسوبة إلى عمر بن الخطاب.. علاء مبارك يعلّق على التعا ...
- كارلسون يصف أمريكا المثالية بـ10 نقاط
- وزير الداخلية الألماني حول حادث المسيرة في مطار لايبزيغ: سين ...
- اليابان تحيي ذكرى هيروشيما بدعوة إلى نزع السلاح النووي وتتجن ...
- دراسة: الحالة النفسية تؤثر على صحة الفم والأسنان
- هل يتم فتح مضيق هرمز قريبا جدا؟
- الناتو يوجّه الطائرات الأوكرانية المسيّرة
- مسرح صدام الإمبراطوريات.. حرب منسية لكنها تهدد البشر شرقا وغ ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - علي سيف الرعيني - الكتابة : وغياب اللذة الخفية !!