أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي سيف الرعيني - حين يكتب الكاتب نفسه والإلهام يشبه المطر!!














المزيد.....

حين يكتب الكاتب نفسه والإلهام يشبه المطر!!


علي سيف الرعيني
كاتب

(Ali Saaif Alraaini)


الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 10:02
المحور: الادب والفن
    


يظن كثيرون أن الكتابة تبدأ عندما تلامس الأصابع لوحة المفاتيح أو ينساب القلم فوق الورق، لكن الحقيقة أن النص يولد قبل ذلك بزمن طويل يولد في لحظة مباغتة حين تتوقف الروح أمام مشهد عابر أو كلمة أو وجع قديم أوسؤال يرفض أن يغادر العقل هناك، في تلك المساحة الخفية بين الشعور والفكرة يولد الإلهام لا كمعجزة تهبط من السماء بل كبذرة صغيرة تبحث عمن يمنحها الوقت لتنمو كذلك الإلهام ليس ضيفًا دائم الحضور، ولا يأتي كلما أراده الكاتب. إنه يشبه المطر قد يتأخر، لكنه لا يخذل الأرض التي تظل مستعدة لاستقباله. ولهذا فإن الكاتب الحقيقي لا ينتظر الإلهام فحسب، بل يصنع الظروف التي تسمح له بالولادة. يقرأ كثيرًا، يراقب الناس، ينصت للأحاديث العابرة، يتأمل الوجوه ويحفظ تفاصيل الحياة الصغيرة التي يعبرها الآخرون دون انتباه. فكل تجربة، مهما بدت عادية، قد تصبح يومًا الشرارة الأولى لنص يبقى طويلًا في ذاكرة القراء
لكن الفكرة الأولى ليست النص. إنها مجرد وعدٍ بالنص وهنا تبدا مرحلة جديدة في
تحويل تلك الشرارة إلى عمل حيّ يجلس الكاتب أمام الصفحة البيضاء، فتتدافع الأفكار في رأسه كأنها تعرف الطريق، لكنها ما إن تقترب من الكلمات حتى تتعثر يكتب سطرًا، ثم يمحوه. يضيف فقرة، ثم يشعر أنها لا تشبه ما كان يراه في خياله. عندها يدرك أن الكتابة ليست نقلًا للأفكار، بل إعادةاكتشافها داخل عقل الكاتب تدورمعركة لا يراها أحد
الحماس يقول له إن النص رائع، وإن عليه أن ينتهي منه سريعًا. أما الشك فيهمس بأن كل ما كتبه لا يزال ناقص وأن الفكرة أعمق مما استطاعت الكلمات أن تقوله. وبين هذين الصوتين يقف الكاتب وحيدًا، يحاول ألا يخدع نفسه بالحماس، وألا يقتله الشك
ولعل أكثر ما يؤلم الكاتب ليس البحث عن الكلمات، بل التخلي عنها
كم من جملة أحبها ثم اضطر إلى حذفها لأنها أبطأت إيقاع النص. وكم من فقرة تعب في صياغتها، ثم اكتشف أنها تخدم غروره أكثر مما تخدم الفكرة. في تلك اللحظة يتعلم درسًا قاسيًا: ليس كل ما نحبه يستحق أن يبقى
إن نضج النص لا يتحقق بإضافة المزيد من الكلمات بل أحيانًا بالشجاعة في حذفها ولهذا فإن المراجعة ليست مرحلة ثانوية بل هي قلب الكتابة الحقيقي. ففيها يتحول الكاتب من عاشق لنصه إلى قاض يحاكمه بعدل. يراجع المعنى، ويختبر الإيقاع، ويزن كل كلمة، ويسأل نفسه باستمرار: هل هذه العبارة تقول ما أريد حقًا؟ وهل تخدم القارئ أم تخدم إعجابي بها؟
وكل مراجعة هي ولادة جديدة للنص
قد يمر النص بعشر نسخ أوأكثر قبل أن يصل إلى صورته الأخيرة، وفي كل مرة يفقد شيئًا ويكسب شيئًا آخر، حتى يصبح أكثر صفاءً، وأقرب إلى الفكرة التي حلم بها منذ البداية. فالكتابة ليست لحظة إبداع واحدة، بل سلسلة طويلة من المحاولات، والصبر، والتصحيح، وإعادة البناء.
ومن المفارقات أن أجمل النصوص لم يكتبها أكثر الكتّاب ثقة، بل أولئك الذين ظلوا يشكون في نصوصهم بما يكفي ليواصلوا تحسينها. فالشك، حين يكون متزنًا، لا يهدم الكاتب، بل يدفعه إلى البحث عن الأفضل، ويمنعه من الوقوع في وهم الكمال السريع
إن عالم الكتابة ليس مكان للكلمات فقط بل هو ورشة دائمة لصناعة الإنسان نفسه. فكل نص يكتبه الكاتب يترك أثرًا فيه قبل أن يترك أثرًا في قارئه. وكل فكرة ينضجها تعيد ترتيب شيء في داخله. ومع كل مراجعة، لا يتغير النص وحده، بل يتغير صاحبه أيضًا
ولهذا فإن الكاتب الحقيقي لا يقيس نجاحه بعدد الصفحات التي أنجزها، ولا بعدد الإعجابات التي حصدها، بل بقدرته على أن يكون اليوم أكثر صدقًا، وأكثر عمقًا، وأكثر شجاعة في مواجهة نفسه مما كان عليه بالأمس
الكتابة ليست سباقا نحو النهاية، بل رحلة طويلة داخل النفس الإنسانية. تبدأ بفكرة صغيرة، وتكبر بالصبر، وتتقوى بالتجربة، وتنضج بالمراجعة، وتكتمل حين يجرؤ الكاتب على التضحية بأجمل جمله من أجل أجمل معنى
وعندها فقط لا يكون قد كتب نصًا فحسب بل يكون قد كتب قطعةً من روحه، بعد أن خاض معها معركةً صامتةً انتصر فيها الصدق على الزينة، والمعنى على الاستعراض، والنضج على الاندفاع !!



#علي_سيف_الرعيني (هاشتاغ)       Ali_Saaif_Alraaini#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسالة لم تصل !!
- المغتربين:وإشتياق يتجدد مع كل مناسبة !!
- أولئك الذين يرممون العالم !!
- تحويل الفهم إلى وعي !!
- لم يعد الإنسان وحيدا أبدا ومع ذلك لم يشعر بهذا القدر من الغي ...
- في عصر الحرية الرقمية لماذا اصبح الجميع يشبه الجميع ؟
- قصةقصيرة :التأمل على حافة الرماد !!
- تضحيات لاتكتب بالسجلات !!
- رغم كل الظروف بقي اليمن متصل !!
- الراديو :ذاكرة الصوت التي لم يطفئها الزمن !!
- بين الحلم ورغيف الخبز !!
- يمضي العيد ويبقى الاحبة !!
- الوسواس :العدو الذي يسكن خلف الافكار!
- العزلة المقنعة في ظل التكنولوجيا !!
- ماقبل عرفة !!
- قصة قصيرة !!
- يمن فورجي :وحالةً متصاعدة من السخط والتذمر بين المشتركين !!
- الإعلان الروسي عن الروبل والين في عقودالنفط إشارةالى شكل الن ...
- جرعات صغيرة من المعنى قد تمنح القلب سببا للإستمرار!!
- حين يكون العلاج إمتياز وليس حق مكفول !!


المزيد.....




- تغاريد تحت القصف.. كيف يوثق الأدب ذاكرة أطفال غزة؟
- -في مرآتي- يحصد جائزة -الكوكب الذهبي- في اختتام الأيام الوط ...
- ارتفاع أسعار تذاكر المهرجانات الموسيقية في روسيا بنسبة 21% خ ...
- بعد التأجيل لأسباب عائلية.. موعد جديد لجنازة الممثل الراحل أ ...
- بوتين يمنح الفنان أوليغ غازمانوف وسام -الاستحقاق للوطن- من ا ...
- من أبرز المجددين في الموسيقى المصرية.. رحيل المؤلف الموسيقي ...
- الفنان السعودي محمد عبده يوجه رسالة بعد ظلم منتخب مصر وخسارة ...
- اكتشاف نحو ثلاثين عملا فنيا خلال ترميم مركز معارض عموم روسيا ...
- لإنهاء الحرب.. ما هو المخرج الذي ينبغي أن يسلكه الجميع الآن؟ ...
- وفاة هاني شنودة.. عراب نجوم الموسيقى في مصر


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي سيف الرعيني - حين يكتب الكاتب نفسه والإلهام يشبه المطر!!