أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي سيف الرعيني - قصة قصيرة !!














المزيد.....

قصة قصيرة !!


علي سيف الرعيني
كاتب

(Ali Saaif Alraaini)


الحوار المتمدن-العدد: 8713 - 2026 / 5 / 22 - 23:25
المحور: الادب والفن
    


في آخر الحيّ الذي أنهكته الحرب كان هناك بيت صغير يشبه صدراً متعباً يحاول أن يتنفس رغم الركام.
جدرانه متشققة وسقفه يحمل آثار شظايا كأن السماء ذات ليلة قررت أن تسقط فوق رؤوس الفقراء وحدهم.
في ذلك البيت كانت تعيش أمينة مع طفلها ياسر، الذي لم يتجاوز التاسعة، لكنه كان يحمل في عينيه خوف رجلٍ عجوز رأى من المآسي ما يكفي لعمرين.
كل مساء، حين ينطفئ ضجيج النهار، كانت الحرب تستيقظ داخل رأسه.
يرتجف من أي صوت مفاجئ، حتى سقوط ملعقة في المطبخ كان يجعله يركض مذعوراً إلى حضن أمه وهو يصرخ:
أمي هل عاد القصف؟
كانت أمينة تضمّه بصمت، بينما قلبها يتشقق أكثر من جدران البيت.
فالحرب لا تنتهي حين تتوقف الطائرات… بل حين تتوقف الذاكرة عن الارتجاف، وهذا ما لا يحدث أبداً
في الحيّ نفسه، كانت الأشجار تموت ببطء.
الغبار الأسود غطّى أوراقها، والدخان لوّث الهواء حتى صار الأطفال يسعلون كما لو أن صدورهم تحترق من الداخل.
النهر الصغير الذي كان يوماً مكاناً للضحك واللعب، صار مجرى موحلاً يحمل بقايا القذائف وأحزان الناس.
حتى الطبيعة بدت كأنها ضحية أخرى للحرب، كأن الأرض نفسها أصابها اليتم.
كان ياسر يحب الرسم.
قبل الحرب كان يرسم الشمس كبيرة وطيوراً ملونة وحقولاً خضراء، لكن دفاتره الآن امتلأت بالدبابات والنيران والبيوت المحترقة.وحين سألته معلمته ذات يوم:
لماذا لا ترسم شيئاً جميلاً يا ياسر؟
أجابها بعينين مطفأتين:
لأنني لم أعد أرى الأشياء الجميلة تلك الجملة كسرت قلبها أكثر من أي خبر عاجل
وفي ليلة شتوية باردة، انقطع الخبز من البيت.
جلست أمينة قرب النافذة تحاول أن تخفي دموعها عن طفلها، بينما كانت تسمع بكاء الجيران من الجوع والعجز.
الحرب لا تقتل الناس بالقذائف فقط… بل تقتلهم أيضاً حين تجعل الأب عاجزاً عن شراء دواء، والأم عاجزة عن إطعام أطفالها، والطفل عاجزاً عن الحلم.
في صباح اليوم التالي، مرّ ياسر قرب مدرسة مهدمة.
توقف طويلاً أمام السبورة المحطمة، ثم قال لصديقه الصغير:
هل تعتقد أن المدارس تموت أيضاً؟
لم يعرف الطفل الآخر ماذا يجيب. فالحرب جعلت حتى الأسئلة أكبر من أعمار الأطفال
مرت السنوات، لكن شيئاً لم يُمحَ
لا أصوات الانفجارات، ولا صور الجثث، ولا رائحة الدخان، ولا الخوف الذي يسكن الأرواح مثل مرض خفي.
الحرب لا تلغي الأشياء فقط… إنها تعيد تشكيل البشر بطريقة موجعة.
تحول الطفل إلى رجل خائف قبل أوانه، وتجعل الضحكة تبدو ذنباً، وتجبر الأحلام على العيش تحت الأنقاض
كبر ياسر، لكنه ظل كلما سمع صوت طائرة يرفع رأسه إلى السماء بذات الرعب القديم.
فبعض الحروب تنتهي في نشرات الأخبار، لكنها تبقى مشتعلة داخل البشر إلى الأبد.
ولهذا، فإن أكثر ما تسحقه الحروب ليس الحجر بل الإنسان نفسه
تدوس الطفولة، وتلوّث الروح كما تلوّث الأرض، وتزرع الجوع واليتم والخوف جيلاً بعد جيل، حتى تصبح المأساة ميراثاً ثقيلاً يتناقله الأبناء دون ذنب
ومع ذلك يبقى الإنسان يحاول النجاة
يخبئ بذرة أمل صغيرة وسط الخراب، ويقاوم كي لا تتحول إنسانيته إلى ركام آخر تحت أقدام الحرب !!



#علي_سيف_الرعيني (هاشتاغ)       Ali_Saaif_Alraaini#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يمن فورجي :وحالةً متصاعدة من السخط والتذمر بين المشتركين !!
- الإعلان الروسي عن الروبل والين في عقودالنفط إشارةالى شكل الن ...
- جرعات صغيرة من المعنى قد تمنح القلب سببا للإستمرار!!
- حين يكون العلاج إمتياز وليس حق مكفول !!
- الشعرلايولد في الابراج العالية !!
- الوحدة التنفيذية للمشاريع والإنشاءات بالمؤسسة العامة للاتصال ...
- المطر : ونافذة مفتوح على السماء !!
- موظف الاتصالات حين يأتي العيد مثقلا لامبهجا !!
- الطموح : وكلام الناس والظروف !!
- اليمن : هوالخلود حين يكتب بالدم !!
- الامهات ذاكرة البيوت والنجاة من الخراب !!
- عندما يتحول التعليم لتكريس الفوارق بين الناس !!
- الموظف :وحياة لاترحم !!
- الازمات الإقتصادية وتأمين لقمة العيش !!
- الحروب تغير مفهوم المستقبل !!
- من بين الركام يولد الادب حيا نابض !!
- الفقر وجع يومي طويل !!
- غياب العدالة والصمت وسيلة نجاة !!
- المشهدالقاسي وبروز ملامح إنسانية نادرة !!
- المعرفة ومواجهة الحقيقة !!


المزيد.....




- مهرجان كان السينمائي- اليوم الأخير للمسابقة الرسمية قبل ليلة ...
- الولايات المتحدة: مهرجان موموكون في أتلانتا يجمع 65 ألف معجب ...
- بقرار قضائي.. السلطات المصرية تحجب حسابات فنانين وإعلاميين و ...
- رواية -الجوع والعطش-: حين يتحول الرعب الأدبي إلى مرآة لهشاشة ...
- فنان فرنسي يحوّل أقدم جسور باريس فوق نهر السين إلى عمل فني ض ...
- الجهةُ التي بكى فيها الله
- محمد بنيس: جحافل الزمن الرقمي تقودنا للنسيان ولا بديل عن الق ...
- هيفاء وهبي في الريفييرا الفرنسية تستحضر أيقونات السينما بوشا ...
- كريستن ستيورات تكسر-بأحذيتها- قواعد مهرجان كان السينمائي
- ثقافة تخدم الاقتصاد.. كيف أضحت الصناعة الثقافية أفقا للتنمية ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي سيف الرعيني - قصة قصيرة !!