أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي سيف الرعيني - قصة قصيرة : العودة إلى الدفئ !!














المزيد.....

قصة قصيرة : العودة إلى الدفئ !!


علي سيف الرعيني
كاتب

(Ali Saaif Alraaini)


الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 10:07
المحور: الادب والفن
    


في مساء بارد كان الرجل يجلس وحيدًا قرب نافذته، يراقب المطر وهو يرسم على الزجاج خطوطًا تشبه خرائط العمر. لم يكن البرد في الخارج هو ما يؤلمه، بل ذلك الفراغ الذي استقر في قلبه منذ سنوات. ظن طويلًا أن الدفء شيء يمكن شراؤه، أو مكانًا يمكن الوصول إليه، أو أشخاصًا جددًا يعوضون من رحلوا. لذلك ظل يركض من مدينة إلى أخرى، ومن حلم إلى آخر، باحثًا عن شعورٍ افتقده دون أن يعرف اسمه.
لكن كلما اقترب من شيء جديد، اكتشف أنه يزداد بعدًا عن نفسه
وفي إحدى الليالي، وبينما كان يرتب صندوقًا قديمًا نسيه في زاوية المنزل، عثر على صورة باهتة لأسرته. كانت الأم تبتسم بعفوية، والأب يقف شامخًا رغم تعب السنين، وهو طفل يضحك دون أن يعرف معنى الخوف أو ثقل الأيام. وما إن وقعت عيناه على الصورة حتى شعر بشيء دافئ ينساب في صدره، كأن الزمن عاد للحظة ليطرق الباب برفق
لم تكن الصورة مجرد ورقة، بل كانت مفتاحًا فتح غرفةً أغلقتها الأيام في أعماق روحه
تدفقت الذكريات تباعًا؛ رائحة الخبز الساخن في الصباح، صوت الأم وهي تنادي أبناءها، دفء يد الأب وهو يعبر بهم الطريق، ضحكات الإخوة حول مائدة بسيطة، وأحاديث الجيران التي كانت تجعل الحي كله بيتًا واحدًا. أدرك فجأة أن تلك التفاصيل الصغيرة، التي ظنها يومًا عادية، كانت أثمن ما امتلكه في حياته
جلس طويلًا يتأمل
وسأل نفسه: لماذا كنت أبحث عن الدفء في الأماكن البعيدة، بينما كنت أحمله معي طوال هذا الوقت؟
في تلك اللحظة فهم الحقيقة التي غابت عنه سنوات: أن الدفء الحقيقي لا يُخلق من جديد، بل يُستعاد من أعماق ما احتفظت به الروح
فالذاكرة ليست مخزنًا للأحداث فحسب، بل وطنٌ داخلي نحمله معنا أينما ذهبنا. فيها تختبئ اللحظات التي صنعت إنسانيتنا، والأصوات التي منحتنا الطمأنينة، والوجوه التي علمتنا معنى الحب قبل أن نعرف أسماءه.
ولهذا، عندما يشتد علينا برد الحياة، لا يكون أول ما نحتاجه بيتًا أكبر أو مدينةً أجمل، بل نافذةً نطل منها على أنفسنا القديمة، لنستعيد ذلك الطفل الذي كان يفرح بالأشياء الصغيرة، ويؤمن أن العالم، رغم قسوته، يتسع دائمًا لابتسامة صادقة
ومع مرور الأعوام، يكتشف الإنسان أن الحنين ليس ضعفًا كما يظن البعض، بل وفاءٌ صامت لكل ما شكّل روحه. إنه الجسر الذي يربط حاضرنا بجذورنا، ويذكرنا بأننا لسنا أبناء اللحظة وحدها، بل أبناء كل لحظةٍ أحببناها بصدق.
غير أن الذكريات لا تدعونا إلى البقاء في الماضي، وإنما تمنحنا القوة لنكمل الطريق. فهي لا تطلب منا أن نعيش خلفها، بل أن نحمل نورها معنا ونحن نمضي. فمن يعرف قيمة ما عاشه، يصبح أقدر على صناعة غدٍ أكثر رحمةً واتزانًا
وعندما أغلق الرجل الصندوق، لم يكن قد استعاد أشخاصًا رحلوا، ولا سنواتٍ مضت، لكنه استعاد نفسه
خرج إلى شرفته، وكان المطر ما يزال يهطل، إلا أنه لم يعد يشعر بالبرد كما قبل. ابتسم بهدوء، وأدرك أن أكثر الأماكن دفئًا ليست تلك التي تحيط بأجسادنا، بل تلك التي تحفظها أرواحنا من النسيان
وهكذا يبقى الحنين، حين يكون صادقًا، ليس هروبًا إلى الوراء، بل عودةً إلى الأصل؛ إلى تلك اللحظات التي جعلتنا بشرًا قبل أن تثقلنا الحياة. فالإنسان قد يفقد أشياء كثيرة في رحلته، لكنه ما دام يحتفظ في أعماقه بذكرى حبٍ صادق، ووجهٍ حنون، وصوتٍ كان يطمئنه، فإنه لم يفقد دفئه كله لأن الروح تعرف دائمًا الطريق إلى ما أحبّت، وتستطيع أن تستعيد منه نورًا يكفي ليضيء ما تبقى من العمر!!



#علي_سيف_الرعيني (هاشتاغ)       Ali_Saaif_Alraaini#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- باب المندب : حين تتحول الجغرافيا إلى لغة سياسية !!
- حين يكتب الكاتب نفسه والإلهام يشبه المطر!!
- رسالة لم تصل !!
- المغتربين:وإشتياق يتجدد مع كل مناسبة !!
- أولئك الذين يرممون العالم !!
- تحويل الفهم إلى وعي !!
- لم يعد الإنسان وحيدا أبدا ومع ذلك لم يشعر بهذا القدر من الغي ...
- في عصر الحرية الرقمية لماذا اصبح الجميع يشبه الجميع ؟
- قصةقصيرة :التأمل على حافة الرماد !!
- تضحيات لاتكتب بالسجلات !!
- رغم كل الظروف بقي اليمن متصل !!
- الراديو :ذاكرة الصوت التي لم يطفئها الزمن !!
- بين الحلم ورغيف الخبز !!
- يمضي العيد ويبقى الاحبة !!
- الوسواس :العدو الذي يسكن خلف الافكار!
- العزلة المقنعة في ظل التكنولوجيا !!
- ماقبل عرفة !!
- قصة قصيرة !!
- يمن فورجي :وحالةً متصاعدة من السخط والتذمر بين المشتركين !!
- الإعلان الروسي عن الروبل والين في عقودالنفط إشارةالى شكل الن ...


المزيد.....




- زادونسك.. -القدس الروسية- التي ترك قديسها أثرا في عالم دوستو ...
- مدير مهرجان جرش لـCNN: المهرجان في دورته الـ40 يحتفي بجذوره ...
- ماريا فولكونسكايا.. الأم التي لم يعرفها تولستوي وخلّدها في ر ...
- عشرات الشخصيات الأردنية الوطنية والسياسية والثقافية والعشائر ...
- وفاة الممثلة الصماء كايلي هوتل بطلة سلسلة -غودزيلا- في حادث ...
- قصة قصيرة: بصراتو.. خَارِجَ البُرْوَازِ
- -الست لمّا-.. يسرا ترفع -الفيتو- بوجه الرجال في فيلم كوميدي ...
- إلغاء حفلات لفنانين أيّدوا نظام الأسد.. هل يمكن فصل الفن عن ...
- بعد توقف 3 سنوات.. الكتب تعود لسوق البوستة بأم درمان
- -الأوديسة-.. عندما حوّل كريستوفر نولان ملحمة هوميروس إلى فيل ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي سيف الرعيني - قصة قصيرة : العودة إلى الدفئ !!