أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - عماد حسب الرسول الطيب - 13. الدولة السودانية.. كيف أعادت كل مرحلة إنتاج التحالف الطبقي المسيطر؟















المزيد.....

13. الدولة السودانية.. كيف أعادت كل مرحلة إنتاج التحالف الطبقي المسيطر؟


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8786 - 2026 / 8 / 3 - 02:15
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


بعد تفكيك الإمبريالية والتبعية بوصفهما الإطار الخارجي الذي يحدد مسار الدولة السودانية، يبرز سؤال أكثر عمقاً: كيف أعادت الأنظمة السياسية المتعاقبة، رغم اختلاف شعاراتها وأشكالها، إنتاج التحالف الطبقي نفسه؟ فمنذ الاستقلال عام 1956، مرّ السودان بحكومات برلمانية، وانقلابات عسكرية، وتجربة اشتراكية معلنة، ودولة دينية شمولية، وفترة انتقالية مدنية، وصولاً إلى الحرب الحالية. غير أن القاسم المشترك بين هذه المراحل كلها هو استمرار سيطرة النخبة ذاتها على الدولة والثروة، مع تغيير الأقنعة والأيديولوجيات. وهذا التكرار ليس صدفة تاريخية، بل هو تعبير عن بنية اجتماعية واقتصادية تعيد إنتاج نفسها تحت مسميات مختلفة، لأن جوهرها لا يتغير بتغير الرموز السياسية. فالتحليل الماركسي يميز بين الدولة بوصفها شكلاً سياسياً، وبين السلطة الطبقية التي تمارس من خلالها. وقد تتبدل الحكومات والدساتير، بينما يبقى التحالف الطبقي المسيطر قادراً على إعادة إنتاج نفسه من خلال السيطرة على الاقتصاد، وأجهزة الدولة، وآليات إنتاج الشرعية. ومن هنا يصبح تغير الأنظمة السياسية، في حد ذاته، غير كافٍ لتفسير التحول التاريخي، ما لم يصاحبه تغير في البنية الاجتماعية التي تستند إليها الدولة.

فالتحليل المادي الجدلي يعلمنا أن الدولة ليست مجرد إطار سياسي محايد، بل شكل تاريخي لتنظيم الهيمنة الطبقية داخل المجتمع، وهي أداة لحماية مصالح الطبقة المسيطرة وإعادة إنتاج علاقات الإنتاج القائمة. والتغيير في شكل النظام السياسي - من مدني إلى عسكري، من ديمقراطي إلى شمولي - لا يعني بالضرورة تغييراً في جوهر السلطة الطبقية، طالما بقيت علاقات الملكية والتراكم الرأسمالي على حالها. والسودان، طوال تاريخه المستقل، شهد تغييرات سياسية متعددة، لكن العلاقة الأساسية بين الدولة والثروة ظلت قائمة على النهب والتمركز والتبعية، مع تغير أدوات الهيمنة وآلياتها. ففي كل مرحلة، كانت النخبة الحاكمة تعيد إنتاج التحالف نفسه بين المؤسسة العسكرية، والرأسمال التجاري الطفيلي، والنخب المركزية، مع اختلاف الأيديولوجيا التي تبرر هذا التحالف.

في الحكومات البرلمانية في الخمسينيات والستينيات، كانت السلطة في أيدي نخب مدنية تقليدية، لكن الدولة ظلت خاضعة لسيطرة كبار ملاك الأراضي والرأسمال التجاري المرتبط بالسوق العالمي، بينما بقيت الأقاليم الطرفية محرومة من الموارد والخدمات. وفي نظام مايو (1969-1985)، الذي رفع شعارات الاشتراكية، لم تتغير علاقات الملكية الأساسية، بل تحولت الدولة إلى أداة في يد النخبة العسكرية والمدنية الجديدة، التي أعادت توزيع الامتيازات داخل الكتلة المسيطرة دون تغيير علاقات الإنتاج الأساسية، مع بقاء التبعية الاقتصادية للخارج كما هي. وفي نظام الإنقاذ (1989-2019)، الذي جمع بين الأيديولوجيا الدينية والرأسمالية الطفيلية، تكرس النموذج نفسه، لكن بأدوات أكثر عنفاً وشمولية. فقد جمع نظام البشير بين الإسلام السياسي ورأسمالية الدولة والمؤسسة العسكرية، وخلق تحالفاً عضوياً بين التيار الإسلامي والجيش ورجال الأعمال المقربين، ورسخ نموذجاً للاستغلال يقوم على نهب الموارد العامة باسم المشروع الحضاري. وحين انهار هذا النظام تحت ضغط الثورة الشعبية في ديسمبر 2018، جاءت الفترة الانتقالية (2019-2021) بمجلس عسكري ثم حكومة مدنية، لكن البنية الاقتصادية والسياسية التي ورثتها لم تتغير، وأعادت إنتاج كثير من القيود البنيوية نفسها، فظلت المؤسسة العسكرية محتفظة بامتداداتها الاقتصادية، وظلت شبكات الرأسمال الطفيلي قادرة على إعادة إنتاج نفسها، وظلت قرارات الاقتصاد الكلي تُتخذ وفق وصفات البنك الدولي وصندوق النقد.

وهذا التكرار يعكس حقيقة جوهرية: أن النخبة الحاكمة في كل مرحلة، رغم اختلاف أيديولوجياتها، كانت تنتمي إلى الموقع الطبقي نفسه، أو كانت تعيد إنتاجه عبر تحالفات مع الشرائح المسيطرة. فالنخبة المدنية في الخمسينيات، والنخبة العسكرية في مايو، والنخبة الدينية-العسكرية في الإنقاذ، والنخبة المدنية-التكنوقراطية في الفترة الانتقالية، جميعها مثلت، بدرجات مختلفة، مصالح شرائح من البرجوازية التجارية والطفيلية والبيروقراطية والبرجوازية الصغيرة المتحالفة معها، ولم تكن تمثل بأي حال مصالح الطبقات الكادحة (العمال، الفلاحين، الرعاة، الصيادين، وصغار المنتجين). وقد عبّر غرامشي عن هذه الظاهرة حين بيّن أن الطبقة المسيطرة تعيد إنتاج هيمنتها ليس فقط عبر القمع، بل عبر استيعاب النخب الصاعدة في منظومتها، وتحييدها عبر منحها شرعية أيديولوجية وحصة من الامتيازات، وهو ما وصفه بإعادة تشكيل "الكتلة التاريخية" بما يحافظ على الهيمنة. وهذا ما حدث في السودان مراراً: فكل نخبة صاعدة كانت تُدمج في التحالف الطبقي المسيطر، بدلاً من أن تغيره.

وهذه ليست مجرد قراءة نظرية، بل هي ما تثبته أدلة ملموسة. ففي كل مرحلة، ظل هيكل الاقتصاد السوداني قائماً على استخراج وتصدير المواد الخام (القطن، الصمغ، النفط، الذهب) دون تحويل صناعي، واعتماد المالية العامة على الريع أكثر من اعتمادها على الإنتاج الصناعي، وظل التوزيع غير عادل، وتمركز الثروة في الخرطوم والمركز على حساب الأطراف، وظلت التبعية للخارج سمة بنيوية، وظل الجيش يؤدي دوراً مركزياً في ضبط التوازنات الداخلية أكثر من بناء عقيدة دفاع وطني مستقلة. هذه الثوابت تثبت أن التغيير في شكل النظام السياسي لم يكن كافياً لتغيير جوهر الدولة الطبقية، لأن جوهرها يتحدد بعلاقات الإنتاج، لا بشكل الحكم. وكما كتب غرامشي، فإن الهيمنة لا تتحقق فقط عبر تغيير الحكومات، بل عبر إعادة إنتاج البنية الثقافية والاجتماعية التي تدعم النظام القائم، وهو ما يفسر استمرار التحالف الطبقي نفسه رغم تعاقب الأنظمة.

والأكثر إشكالية في وثيقة حمدوك أنها تتجاهل هذا التاريخ تماماً، وتتعامل مع الأزمة السودانية وكأنها وليدة اللحظة، وكأن إعادة تأسيس الدولة ممكنة بتوافق النخب وإصلاح المؤسسات، من دون مساءلة البنية التاريخية التي أعادت إنتاج الأزمة ذاتها. فهي لا تقدم أي تحليل للدروس المستفادة من تجارب الماضي، ولا تستخلص من هذا التاريخ برنامجاً لكسر دورة إعادة الإنتاج، بل تكتفي بتقديم ركائز دستورية وإدارية تظل، في غياب تغيير جذري في علاقات الملكية وميزان القوى الطبقي، مجرد تكرار لما فشل مراراً. وكما كتب ماركس، فإن البشر يصنعون تاريخهم، لكنهم لا يصنعونه كما يشاؤون، وإنما في ظروف يجدونها موروثة من الماضي. غير أن تغيير الظروف الموروثة يقتضي تغيير القوى الاجتماعية التي أعادت إنتاجها، وليس مجرد تغيير الشعارات السياسية. وثيقة حمدوك تتعامل مع هذه الظروف الموروثة كما لو كانت قابلة للتغيير بإرادة سياسية مجردة، بينما هي في الواقع نتاج لقرون من التراكم الطبقي والتبعية، ولا يمكن تغييرها دون مواجهة جذرية لهذه البنية ذاتها.

وهنا تتكشف الحدود التاريخية والسياسية لرؤية حمدوك. فهي تقدم مشروعاً للدولة دون أن تقدم مشروعاً للمجتمع، ودون أن تعترف بأن الدولة ليست سوى انعكاس للعلاقات الاجتماعية القائمة. والحديث عن "دولة مدنية ديمقراطية" دون تغيير المجتمع الذي تنتجه هذه الدولة، هو حديث عن تغيير الشكل مع بقاء الجوهر. وكما كتب فانون، فإن تحرير الدولة لا ينفصل عن تحرير المجتمع، لأن الدولة تعكس ميزان القوى داخل المجتمع، ولا تخلقه من العدم. والسودان اليوم ليس بحاجة إلى دستور جديد بقدر ما هو بحاجة إلى ثورة اجتماعية تعيد تعريف علاقات الملكية، وتفكيك شبكات النهب، واستعادة السيطرة الشعبية على الموارد، وبناء تحالف طبقي جديد تقوده الطبقات الكادحة، لا النخب المسيطرة. فإعادة إنتاج الدولة القديمة بوجوه جديدة لن تنتج سوى الأزمة القديمة بأشكال جديدة، ما لم تتغير البنية الاجتماعية التي تستند إليها الدولة نفسها.

والسؤال الذي يطرحه هذا التحليل التاريخي على الحلقة القادمة هو: إذا كانت الدولة السودانية قد أعادت إنتاج الأزمة ذاتها عبر كل هذه المراحل، فكيف تعاملت وثيقة حمدوك مع البعد الأكثر إلحاحاً والذي لا يمكن تأجيله، وهو الأزمة الإنسانية التي يعيشها ملايين السودانيين؟ ففي الوقت الذي تتحدث فيه الوثيقة عن الدولة والمؤسسات والدستور، يموت السودانيون جوعاً وقصفاً ونزوحاً، وتنهار المدارس والمستشفيات، وتتسع رقعة المجاعة. وهذا يكشف عن ترتيب للأولويات يجعل إعادة بناء جهاز الدولة تسبق معالجة شروط بقاء المجتمع نفسه، وهو ما يعكس انفصال النخب السياسية عن واقع حياة الكادحين. فهل يمكن الحديث عن إعادة تأسيس الدولة دون معالجة هذه الأزمة الإنسانية الفورية، أم أن ذلك يكشف عن انفصال النخبة السياسية عن قضايا الجماهير الأساسية؟ هذا ما ستناقشه الحلقة الرابعة عشرة.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 12. الإمبريالية والتبعية.. الحلقة المفقودة في رؤية حمدوك
- 11. الحوكمة.. إصلاح الدولة أم إعادة إنتاج الرأسمالية؟
- 10. العدالة الانتقالية.. محاكمات أم تفكيك بنية الحرب؟
- ملف المفقودين وصراع السرديات
- 9. الجيش.. جهاز الدولة الطبقي أم مؤسسة وطنية؟
- 8. الفيدرالية.. لامركزية السلطة أم لامركزية الفقر؟
- 7. الفصل بين الدين والدولة.. بين الحياد القانوني واستمرار ال ...
- 6. المواطنة المتساوية.. بين المساواة القانونية واللامساواة ا ...
- 5. الديمقراطية الليبرالية.. سلطة الصندوق أم سلطة رأس المال؟
- 4. البرجوازية الصغيرة.. حارس التوافق لا فاعل الثورة
- 3. الدولة المدنية.. مدنية لمن؟
- 2. العقد الاجتماعي: أيديولوجيا تخفي الصراع الطبقي
- رؤية حمدوك: هيمنة النخبة المدنية لا سلطة الكادحين
- 17. الخاتمة: نحو سياسة تحررية
- 16. البيئة والمناخ واللجوء: الأزمة المركبة
- 15. التنظيم الذاتي والمقاومة
- 14. الإسلام كحيز للتفاوض
- حين كانت الجماهير أكثر ثورية من قياداتها
- 13. العنصرية والجندر والطبقة
- 12. الذكورة المهشمة


المزيد.....




- ترامب يعلن استئناف المفاوضات مع إيران الإثنين بعد إلغاء هجوم ...
- كيف ظهرت موريتانيا في مسار تحقيقات هجوم برلين؟
- ترامب: مفاوضات جديدة إيران اليوم الاثنين وألغيت هجوما كان سي ...
- اتفاق غزة بين سلاح حماس وانسحاب إسرائيل
- ثاني اتصال خلال 24 ساعة.. عراقجي وبن فرحان ومنير يسابقون الز ...
- رويترز: انفجار قرب سفينة في بحر عمان
- لبنان.. قصف وغارات وجولة مفاوضات
- -دير شبيغل-: ترجيح تنحي المستشار الألماني بعد انتخابات سبتمب ...
- مسنة عاشت فوق 10 أطنان من القذائف طوال عمرها.. والسلطات الأل ...
- روسيا تحذر إيرلندا من عواقب محاولات ارتكاب أعمال قرصنة بحرية ...


المزيد.....

- كراسات التحالف الشعبي الاشتراكي (11) التعليم بين مطرقة التسل ... / حزب التحالف الشعبي الاشتراكي
- ثورات منسية.. الصورة الأخرى لتاريخ السودان / سيد صديق
- تساؤلات حول فلسفة العلم و دوره في ثورة الوعي - السودان أنموذ ... / عبد الله ميرغني محمد أحمد
- المثقف العضوي و الثورة / عبد الله ميرغني محمد أحمد
- الناصرية فى الثورة المضادة / عادل العمري
- العوامل المباشرة لهزيمة مصر في 1967 / عادل العمري
- المراكز التجارية، الثقافة الاستهلاكية وإعادة صياغة الفضاء ال ... / منى أباظة
- لماذا لم تسقط بعد؟ مراجعة لدروس الثورة السودانية / مزن النّيل
- عن أصول الوضع الراهن وآفاق الحراك الثوري في مصر / مجموعة النداء بالتغيير
- قرار رفع أسعار الكهرباء في مصر ( 2 ) ابحث عن الديون وشروط ال ... / إلهامي الميرغني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - عماد حسب الرسول الطيب - 13. الدولة السودانية.. كيف أعادت كل مرحلة إنتاج التحالف الطبقي المسيطر؟