أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - أنت موجود وغيرك موجود: الاختلاف وحق الإنسان في أن يعيش كما هو















المزيد.....

أنت موجود وغيرك موجود: الاختلاف وحق الإنسان في أن يعيش كما هو


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8786 - 2026 / 8 / 3 - 00:47
المحور: قضايا ثقافية
    


منذ أن بدأ الإنسان يعي وجوده، وهو يحمل أسئلة لا تفارقه: من أين أتيت؟ لماذا أنا هنا؟ ماذا ينتظرني بعد هذه الحياة؟
هذه الأسئلة ليست أسئلة عابرة، بل هي في قلب التجربة الإنسانية. ومن محاولات الإنسان الإجابة عنها ولدت الأديان والفلسفات والرؤى المختلفة التي حاولت أن تمنح الوجود معنى، وأن تمنح الإنسان الطمأنينة أمام غموض المصير.
ولهذا كان الإيمان، بالنسبة لملايين البشر عبر التاريخ، مصدراً للسلام الداخلي والأمل والمعنى. إنه يمنح الإنسان شعوراً بأن حياته ليست مجرد لحظة عابرة، وأن وراء هذا الوجود نظاماً أخلاقياً وغاية أكبر من وجوده الفردي.
لكن المشكلة لا تبدأ من الإيمان.
المشكلة تبدأ عندما ينتقل الإنسان من القول:
"وجدت في هذا الطريق معنى لحياتي."
إلى القول:
"لا يحق للآخرين أن يسلكوا طريقاً مختلفاً."
فالفارق كبير بين إنسان يعيش إيمانه بوصفه علاقة روحية تمنحه السكينة، وبين إنسان يحوّل فهمه الخاص للإيمان إلى سلطة على حياة الآخرين.
الإيمان الذي يحتاج إلى إلغاء الآخر كي يثبت نفسه، لم يعد مجرد علاقة بين الإنسان والمقدس، بل أصبح مشروعاً للهيمنة على الإنسان.

منذ سنوات كتبت قصة قصيرة بعنوان ”أنت موجود وغيرك موجود “ عن أخوين أرسلهما والدهما لطلب العلم. ذهب أحدهما لدراسة الشريعة، والآخر لدراسة الفلسفة.
كان الأب يحلم بأن يعود ابناه حاملين للمعرفة، وأن يضيفا شيئاً إلى مجتمعهما. لم يكن يريد لأحدهما أن ينتصر على الآخر، بل كان يرى أن العلم، بكل أشكاله، يمكن أن يخدم الإنسان.
لكن الرحلة كشفت أمراً أعمق: ليست المشكلة دائماً في نوع المعرفة التي يحصل عليها الإنسان، بل في الطريقة التي يفهم بها هذه المعرفة.
عاد الأخ الأول وقد تعمق في دراسة الدين، لكنه أصبح يرى اختلاف الآخرين خطراً يجب مواجهته. وفي طريق العودة دخل معبداً ورأى أناساً يمارسون طقوساً تختلف عما يعرفه، فبدلاً من أن يرى بشراً يبحثون عن المعنى، رأى خطأ يجب تصحيحه.
أما الأخ الثاني، الذي درس الفلسفة، فدخل المكان نفسه ورأى المشهد ذاته، لكنه رأى الإنسان قبل العقيدة. احترم ما لا يؤمن به، وفهم أن الآخر أيضاً يرى في معتقده معنى وحقيقة.
لم يكن الفرق بين الأخوين في مقدار العلم الذي حصّلاه، بل في ثمرة هذا العلم.
فالمعرفة التي لا تعلم الإنسان التواضع أمام تعقيد العالم قد تتحول إلى وسيلة جديدة للانغلاق.
ليس المطلوب من الإنسان أن يتخلى عن قناعته لكي يحترم الآخرين. فالمؤمن له حق الإيمان، وغير المؤمن له حق موقفه، وكل إنسان له حق البحث والتفكير والاختيار.
إن احترام الآخر لا يعني أن نعتقد أن جميع الأفكار متساوية أو أن كل الناس يجب أن يفكروا بالطريقة نفسها. الاختلاف جزء طبيعي من الوجود الإنساني.
لكن هناك فرقاً بين أن نناقش فكرة، وبين أن ننكر حق صاحبها في الحياة الكريمة.
وهنا أتذكر قصة الأسقف جورج كيري(أسقف كانتربري) عندما كان يتحدث في إحدى الجامعات البريطانية عن موقف ديني من قضية أخلاقية، فاعترض أحد الطلاب قائلاً له بمعنى: ابقَ في كنيستك وعقيدتك، ولا تفرضها علينا. كان بإمكان الأسقف أن يحول الموقف إلى مواجهة، لكنه احترم اعتراض الطالب وصمت.
قد لا نتفق مع كل ما قاله الطالب أو مع موقف الأسقف، لكن المشهد يحمل درساً مهماً: في المجتمع الحر، لكل إنسان مساحة لقناعته، لكن لا أحد يملك الإنسان الآخر.
ومن يريد أن يمثل الله على الأرض عليه أن يتذكر أن فهم الإنسان للمقدس يظل فهماً بشرياً محدوداً، وأن التواضع أمام الله يفترض تواضعاً أمام البشر.
عندما نتحدث عن سوريا، فإننا لا نتحدث عن مجتمع يمكن لأي طرف أن يعيد تشكيله من الصفر...سوريا ليست صفحة بيضاء تنتظر من يكتب عليها هويته الخاصة، بل هي ذاكرة طويلة تشكلت عبر قرون من التفاعل بين شعوب وثقافات ومعتقدات متعددة.
هي وطن عاش فيه العرب والكرد والسريان والآشوريون والأرمن والتركمان والشركس وغيرهم وعاش فيه مسلمون من مذاهب ومدارس مختلفة، ومسيحيون من كنائس متعددة، وجماعات دينية وثقافية لها تاريخها وذاكرتها.
هذا التنوع ليس مشكلة يجب حلها، بل هو جزء من شخصية سوريا نفسها.
ولهذا فإن محاولة اختزال البلاد في لون واحد أو تعريف واحد للهوية ليست بناء للوحدة، بل قد تكون إلغاء للتاريخ السوري.
فالوطن ليس المكان الذي يعيش فيه المتشابهون فقط. الوطن هو المكان الذي يتعلم فيه المختلفون كيف يعيشون معاً.
قد يظن البعض أن قضايا الفن والموسيقى واللباس والحياة الخاصة قضايا صغيرة مقارنة بالأزمات الكبرى. لكن علاقة السلطة أو الجماعة بالإنسان تظهر كثيراً في هذه التفاصيل.
فالموسيقى ليست مجرد آلات وألحان. إنها جزء من ذاكرة الناس، من أفراحهم وأحزانهم وطفولتهم واحتفالاتهم.
وعندما يصبح الفن موضع ريبة، أو تصبح الآلة الموسيقية شيئاً يحتاج إلى إذن، أو يتحول المجال الثقافي إلى مساحة مراقبة، فالقضية لا تعود قضية فن فقط.
السؤال يصبح:
هل نرى الإنسان ككائن قادر على الاختيار، أم ككائن يجب أن تُحدد له مسبقاً حدود حياته؟
والأمر نفسه ينطبق على حياة المرأة. فهناك فرق بين مجتمع يناقش قيمه عبر الحوار والإقناع، وبين فرض نموذج واحد على الجميع باعتباره الطريق الوحيد المقبول.
المرأة ليست رمزاً في معركة سياسية أو دينية. والرجل ليس مظهراً خارجياً. والمواطن ليس اختباراً لمدى مطابقته لرؤية جماعة معينة.
الإنسان أكبر من ذلك كله.

لقد عرفت سوريا خلال تاريخها الحديث سنوات طويلة من الخوف والرقابة. ولذلك فإن السؤال الحقيقي في أي مرحلة جديدة ليس فقط: من يحكم؟
السؤال الأعمق هو:
كيف تُعامل السلطة الإنسان؟
هل يشعر المواطن أنه صاحب حق في السؤال والاختلاف، أم أنه مطالب بالصمت لأن هناك دائماً من يقرر نيابة عنه؟
فالتغيير الحقيقي لا يعني فقط رحيل شخص أو سقوط سلطة، بل يعني تغيير العلاقة بين الإنسان والقوة التي تحكمه.
فالسلطة ليست ملكية خاصة، والوطن ليس مكافأة لمن وصل إليه بالقوة أو الظروف السياسية نصّبته هناك.
الوطن هو المكان الذي يشعر فيه كل إنسان أن له مكانا فيه.

في النهاية، ليست القضية أن ينتصر فريق على فريق، أو أن يفرض طرف رؤيته على الآخرين.
القضية أعمق من ذلك.
القضية هي: هل نستطيع أن نبني مجتمعاً لا يحتاج فيه الإنسان إلى إخفاء جزء من ذاته كي يعيش بأمان؟
قد نختلف في الدين، والثقافة، والسياسة، وطريقة فهم الحياة. وقد نبقى مختلفين إلى الأبد. لكن هناك حقيقة أساسية لا يستطيع أي مجتمع أن يعيش من دونها:
أن الآخر ليس خطأً في العالم.
الآخر ليس وجوداً زائداً يجب محوه، ولا عقبة يجب تجاوزها.
إنسانيتنا تبدأ عندما ندرك أن وجودنا لا يحتاج إلى إلغاء وجود غيرنا.
أنت موجود.
وغيرك موجود.
وربما تكون هذه أبسط قاعدة، لكنها أيضاً أصعب قاعدة، لبناء وطن يتسع للجميع.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سقط الأسد وبقيت الأسدية
- الدفاع عن الجلاد: السلطة التفسيرية وصناعة الولاء في الخطاب ا ...
- القمح والورد:* ماذا يحتاج الإنسان لكي يحيا؟
- كتاب مقدس في الإنسانية
- تحت الركام
- امتثال أم انتماء؟
- الخاسر الوحيد ليس من فقد السلطة... بل من فقد الأمان
- هل يمكن أن يكون الإنسان موضوعياً؟
- الموسيقى التي تُمنَع… والتي نسمعها في داخلنا
- ثقافة التحريم ... وثقافة الحياة
- عقدة النقص على عرش السلطة: حين يصبح الحكم مرآة للخواء
- غاتسبي يحمل الدكتوراه*
- نظرية المؤامرة والتسلق إلى القمة: الواقع التاريخي والخوف الن ...
- أبعد من الشرق والغرب
- حين تصبح الوشاية فضيلة زائفة
- بين الثابت والمتغير: لماذا نحتاج إلى إصلاح ديني؟
- من نحن قبل الطوائف؟
- الأمل الذي يرحل قبل أصحاب الحقائب
- حفار القبور لا يخطئ الموعد
- الإفلاس يختبر الأخلاق


المزيد.....




- وزير الخارجية السعودي يبحث جهود خفض التصعيد مع نظيره الإيران ...
- الحكومة المغربية تخرج عن صمتها بشأن أزمة سبتة، فماذا قالت؟
- حريق هائل يندلع في مصنع كيماويات في فرنسا
- إيران مباشر.. بزشكيان يعيد الحديث عن مذكرة التفاهم ومباحثات ...
- -مروحية سورية تقتحم أجواء العراق قبل انسحابها بسبب نيران الح ...
- شاهد لحظة اصطدام مروحيتي إطفاء حرائق في اليونان
- مشاهد متداولة لأخطبوط يقبض على ظهر رجل تصيب الآلاف بالرعب
- بعد تصاعد التكهنات.. مصر توجه رسالة حاسمة بشأن حادث استهداف ...
- الشرع: تأثرت بالخطاب القومي العربي وفيه أشياء مشتركة مع الخط ...
- ملادينوف: الضربات الإسرائيلية على غزة تتواصل رغم موافقة الفص ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - أنت موجود وغيرك موجود: الاختلاف وحق الإنسان في أن يعيش كما هو