أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - الموسيقى التي تُمنَع… والتي نسمعها في داخلنا














المزيد.....

الموسيقى التي تُمنَع… والتي نسمعها في داخلنا


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 04:49
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست الموسيقى دائما ما نسمعه، بل أحيانا ما نكون مستعدين لسماعه.
قد تمرّ مقطوعة موسيقية بسيطة في لحظة عادية فلا تترك أثرا، ثم تمر المقطوعة نفسها في لحظة أخرى، فتبدو وكأنها جاءت من مكان أعمق من الصوت، وكأنها لا تُعزف فقط في الخارج، بل تُكتشف في الداخل.
ليس لأن الموسيقى تغيّرت، بل لأننا نحن الذين تغيّرنا. فالإنسان لا يتلقى الفن كصفحة بيضاء، بل ككائن ممتلئ بذاكرة، وحنين، وخسارات وانتظار. لذلك لا يكون الفن شيئا واحدا للجميع، بل تجربة مختلفة بعدد من يسمعونه.
ولهذا السبب تحديدا، يصبح الفن أحيانا موضع سوء فهم أو حتى رفض. فهناك لحظات في التاريخ لا يُنظر فيها إلى الموسيقى بوصفها تعبيرا جماليا فقط، بل بوصفها قوة قادرة على تحريك المشاعر، وتوسيع الخيال، وكسر الصمت الداخلي الذي اعتاد عليه الناس.
من هنا يمكن فهم كيف تحوّل عمل موسيقي مثل موسيقى Mikis Theodorakis، خاصة في ارتباطها بفيلم "زوربا اليوناني"، إلى أكثر من مجرد لحن سينمائي. لقد أصبحت تلك الموسيقى رمزا لحياة لا تخاف من الفرح، ولجسد لا يخجل من الرقص، ولروح ترفض أن تُختزل في القواعد الصارمة وحدها. وفي فترات من حياة مؤلفها، ارتبطت الموسيقى أيضا بالسياق السياسي والجدل والمنع، كما يحدث كثيرا حين يُساء فهم الفن بوصفه موقفا بدل أن يُرى بوصفه تجربة إنسانية.
وهذا ليس مقصوراً على الموسيقى وحدها. ففي عالم الشعر، نجد حالات مشابهة بل أكثر إدهاشاً. فشعراء مثل مظفر النواب وأحمد مطر، لم تكن قصائدهم مجرد نصوص تُقرأ في الهدوء، بل كانت وقوداً لأمسيات تحولت إلى مهرجانات جماهيرية، حيث كان الجمهور يخرج من القاعة وقد أصبح جماعة، مستعدة للتعبير عن حضورها في الشارع. لم يكن الخوف من كلماتهم وحدها، بل من تلك المسافة التي تتلاشى بين المتلقي والنص، حين يصير المستمع شريكاً في صنع المعنى، بل في صنع الفعل. وحتى محمود درويش، الذي طالما اعتبر صوتاً فلسطينياً بامتياز، كانت قصائده تُمنع في بعض الفترات، ليس لأنها تحرض بالمعنى المباشر، بل لأنها كانت توقظ في القارئ إحساساً بالانتماء إلى أرض وهوية، وهذا اليقظ هو ذاته ما يخشاه الخائفون من الفن.
ولعل السؤال الذي يتكرر كلما تأملنا هذه التجارب ليس: لماذا تُمنع بعض الأعمال الفنية؟ بل لماذا تخشى بعض السلطات، على اختلاف أشكالها، الفن الذي يوقظ في الإنسان شيئًا كان ساكنًا؟ أهو الخوف من اللحن نفسه، أم من الإنسان الذي قد يخرج من الإصغاء إليه مختلفًا عما كان عليه؟
أكرر أن ما يلفت الانتباه ليس المنع نفسه، بل السؤال الأعمق: لماذا يمكن أن يُخيف اللحن بعض الناس؟ الإجابة لا تكمن في الموسيقى وحدها، بل في الإنسان الذي يستقبلها. فهناك من يسمع في اللحن تهديدا لنظامه الداخلي، وهناك من يسمع فيه تحريرا لما كان مكبوتا في داخله. وهنا يتضح أن الفن ليس قوة واحدة، بل مرآة تكشف اختلاف الاستعدادات النفسية قبل أن تكشف اختلاف الأعمال نفسها. وهذا ما ذهب إليه المفكر الفرنسي ميشيل فوكو في حديثه عن تشكيل الذات ، حيث يرى أن ما نعتبره جميلاً أو مقبولاً ليس فطرياً، بل هو نتاج خطابات ثقافية ومؤسساتية تشكل أذواقنا وأحكامنا الجمالية دون أن ندرك. فالأذن التي تسمع اليوم موسيقى وتعتبرها راقية ، قد كانت، في زمن آخر أو في ثقافة أخرى، تسمع نفس النغم فتراه شاذاً أو مرفوضاً . ليس لأن الموسيقى تغيّرت، بل لأن أنظمة المعرفة التي تشكلنا هي التي تغيّرت.
وهذا ما نجده أيضا في الأدب. فقصيدة واحدة قد تُبكي قارئا، وتترك قارئا آخر بلا أثر. ليس لأن الكلمات أقوى عند الأول وأضعف عند الثاني، بل لأن الداخل الإنساني ليس متساويا في الاستقبال. هناك من يأتي إلى الأمسية الشعرية وهو يحمل قلبا مفتوحا على احتمال الانفعال، وهناك من يأتي محمّلا بحذر أو رفض مسبق، فيغادر كما جاء. "ومحمود درويش خير مثال على ذلك: قصائده التي كانت تبكي فلسطينياً وتترك إسرائيلياً بارداً، لم تكن هي التي تغيّرت، بل كان الخزان الداخلي لكل قارئ مختلفاً. غير أن المفارقة أن درويش نفسه قد مُنع في بعض المرات، ليس لأنه يكتب كلمات سياسية صريحة، بل لأنه كان يكتب عن الحنين، عن المطر، عن بطاقة هوية، فتلك الأشياء البسيطة كانت تصبح، في سياق معين، أكثر خطورة من خطاب سياسي مباشر."
حتى الجملة البسيطة قد تتحول إلى حدث داخلي كبير، لا لأنها عبقرية بالضرورة، بل لأنها صادفت مكانا هشا في الروح كان ينتظر أن يُلامس. ربما لهذا السبب، كانت أمسيات مظفر النواب وأحمد مطر تشبه التظاهرات أكثر منها قراءات شعرية. لم يكن الجمهور يأتي ليسمع فقط، بل ليشارك في طقس جماعي، حيث الكلمة ليست وسيلة للتعبير فقط، بل أداة لكسر العزلة الداخلية وتحويل المشاعر الفردية إلى غضب أو فرح مشترك. ومحمود درويش، في كثير من قراءاته العلنية، كان يخلق تلك اللحظة التي يتحول فيها السامع إلى شاهد على ذاته، وعلى وطنه المسموح والممنوع في آن. هذه الأمثلة تؤكد أن الفن ليس مجرد مرآة للذات، بل هو أحياناً جسر يصل بين الداخل الفردي والجمعي، بين اللحن المسموع واللحن الذي يُمنع لأنه يوقظ جموعاً لا تريد السلطة أن تستيقظ.
ولذلك يمكن القول إن الفن لا يُخلق فقط في لحظة الإبداع، بل يُستكمل في لحظة التلقي. وما بين الاثنين يحدث المعنى الحقيقي.
ربما ليست عظمة الفن في أنه يقول شيئا جديدا دائما، بل في أنه يوقظ ما هو موجود أصلا داخل الإنسان دون أن يراه.
وهكذا، يصبح اللحن الذي قد يُمنع في مكان ما، هو نفسه اللحن الذي يُرقص له في مكان آخر، ليس لأنه تغيّر، بل لأن البشر الذين سمعوه لم يكونوا متشابهين.
وفي هذا الاختلاف بالذات تكمن حكاية الإنسان مع الفن: حكاية كائن لا يسمع العالم فقط، بل يسمع نفسه من خلال العالم.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثقافة التحريم ... وثقافة الحياة
- عقدة النقص على عرش السلطة: حين يصبح الحكم مرآة للخواء
- غاتسبي يحمل الدكتوراه*
- نظرية المؤامرة والتسلق إلى القمة: الواقع التاريخي والخوف الن ...
- أبعد من الشرق والغرب
- حين تصبح الوشاية فضيلة زائفة
- بين الثابت والمتغير: لماذا نحتاج إلى إصلاح ديني؟
- من نحن قبل الطوائف؟
- الأمل الذي يرحل قبل أصحاب الحقائب
- حفار القبور لا يخطئ الموعد
- الإفلاس يختبر الأخلاق
- ما تمنحه المدن العابرة
- مخطوطة الرغبة التي لا تكفّ عن إعادة كتابة نفسها
- سجون بلا جدران
- حين كان الحلم أكبر من العالم
- بين الخبز والحرية
- بين التوقيع واللاجدوى
- الجدل الذي يجعلنا أكثر إنسانية
- التقمص (Reincarnation) و استنساخ الأرواح
- قلب لا يهدأ وهوية معلّقة و وجع منفى


المزيد.....




- تفاصيل جديدة حول الموعد والمكان المتوقعين لزفاف تايلور سويفت ...
- حدث مذهل.. شاهد عاصفة برد تحول شوارع أمريكية إلى أنهار جليدي ...
- أجبرت بوتين على الاعتراف.. كيف تحولت أوكرانيا من -ضحية- إلى ...
- إيران تشترط الوفاء بخمسة بنود لتنفيذ اتفاقها مع أمريكا.. ما ...
- ترامب يعلن تقدما ملموسا في مسار نزع السلاح النووي الإيراني
- ست طرق لتشجيع الأطفال على تناول الخضروات
- تراجع الثقة بين أوروبا وأمريكا يفتح مرحلة جيوسياسية جديدة
- قبيل انطلاق مراسم تشييع خامنئي.. إيران تعفو عن 850 سجينا
- الحكومة الألمانية: منشور ميرتس المثير للجدل حول المنتخب الأل ...
- فاينانشال تايمز: برلين تكثف جهودها لتطوير قدرات صاروخية بعيد ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - الموسيقى التي تُمنَع… والتي نسمعها في داخلنا