أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - ثقافة التحريم ... وثقافة الحياة















المزيد.....

ثقافة التحريم ... وثقافة الحياة


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 07:57
المحور: قضايا ثقافية
    


لا...
لا تقترب.
لا تبتعد.
لا تسأل.
لا تجادل.
لا تناقش.
لا تفكر.
لا تقرأ هذا الكتاب.
لا ترتدِ تلك الملابس.
لا تسمع الموسيقى إنها حرام.
لا تنظر إلى تلك اللوحة فهي كفر.
لا تضحك بصوت مرتفع.
لا تأكل هذا.
لا تشرب ذاك.
لا تترك ابنك يتشبه بالغرب الكافر.
لا تصادق من يختلف عنك.
لا تحب إلا من يشبهك.
لا تشك فيما قيل لك.
لا تنتقد.
لا تتساءل لماذا.
لا تجرؤ...
لا تكن نفسك...
لا تختلف....
لا...
ثم تكبر هذه الكلمة حتى تصبح مناخاً كاملاً يعيش الإنسان داخله
***.
يولد الطفل فلا يسمع إلا حدوداً قبل أن يسمع إمكانات.
ويكبر التلميذ فيتعلم ما لا يجوز أكثر مما يتعلم ما يجوز.
ويصبح الشاب خبيراً في تجنب الخطأ، لا في اكتشاف الجديد.
ويصل المجتمع، بعد سنوات طويلة، إلى لحظة غريبة لا يعود فيها الناس يسألون: ماذا نستطيع أن نبدع؟ بل يصبح السؤال الوحيد: ماذا بقي مسموحاً لنا أن نفعل؟
عندها لا يكون الخوف قد انتصر على الإنسان فحسب، بل تكون الحياة نفسها قد بدأت تنكمش.
فالحضارات لا تموت حين يقل عدد سكانها، ولا حين تضعف جيوشها، بل حين تتحول كلمة "لا" إلى اللغة الرسمية التي تدار بها الحياة اليومية.
ومنذ تلك اللحظة، لا يعود التحريم مجرد حكم على فعل بعينه، بل يصبح طريقة في النظر إلى العالم، وعدسة يرى الإنسان من خلالها كل شيء. فيتحول الاختلاف إلى خطر، والسؤال إلى شبهة، والخيال إلى ترف، والفن إلى ريبة، والفرح إلى ذنب، والإنسان إلى مشروع متهم حتى يثبت العكس.
ومن هنا تبدأ المسافة الطويلة بين ثقافة التحريم... وثقافة الحياة.
...تلك المسافة ليست مسافة مكان، بل مسافة وعي.
مسافة بين مجتمع يختزل الدين في "الحرام" وآخر يراه في "الخلق".
بين دولة تؤمن بأن دورها هو المراقبة، وأخرى تؤمن بأن دورها هو التمكين.
بين عقل يرى في الآخر تهديداً، وعقل يرى في الاختلاف ثراء.

في بلدنا، كما في كثير من المجتمعات التي تمر بتحولات عنيفة، صارت "لا" هي العنوان العريض للسياسة العامة.
ليس لأن الدين يحظر ذلك بطبيعته، بل لأن هناك قراءة مبتسرة للدين تُسخَّر لخدمة مشروع سلطوي يريد إنتاج "إنسان مطيع" بدل "إنسان واع.
• في المدرسة: يُعلَّم التلميذ ما يُمنع أكثر مما يُعلَّم ما يُباح. يُربَّى على الخوف من الخطأ، لا على شغف الاكتشاف.
• في الجامعة: تُقصى الأسئلة النقدية، وتُهمش الأبحاث الحرة، ويُصبح التكريز على "الضوابط الشرعية" أكثر من التكريز على "الإبداع العلمي".
• في الإعلام: تتحول الشاشات إلى منابر للوعظ، وتختفي برامج الحوار، وتحل محلها خطابات تكرس ثنائية "نحن" و"هم".
• في الشارع: ترتدي السلطة لبوس القداسة، فيمتزج السياسي بالديني، وتصبح البزة الدينية (اللحية والجلباب) هوية للنظام لا هوية للإنسان.
وهكذا، تصبح المؤسسات خاوية من الكفاءات، ممتلئة بالخطباء. ويُطرد التكنوقراط، ويُستقدم الشيوخ، ليس لأنهم أعلم، بل لأنهم "أضمن".

ما يجري خطير جدا لم تكن بقعتنا الجغرافية يوما مجرد أرض، بل كانت فكرة. فكرة التنوع، والتعدد، والتعايش.
والمنطقة هي التي أعطت العالم أبجديتها الأولى، والتي كانت ملتقى للديانات والحضارات، لا يمكنها أن تبقى حية وهي تحاصر نفسها في زاوية ضيقة من التفسير.
إن تحويلها إلى "جمهورية الحرام" ليس فقط خيانة للإنسانية، بل هو خيانة لتاريخها نفسه.
فالمجتمع الذي يخنق الاختلاف، يخنق إبداعه.
والمجتمع الذي يخنق إبداعه، يخنق مستقبله.
والمجتمع الذي يخنق مستقبله، لا يستحق البقاء.

ليست ثقافة الحياة مجرد شعار عاطفي، بل هي مشروع نهضوي متكامل يقوم على أسس عملية، يمكن للمجتمع أن يتبناها تدريجياً، حتى في ظل الظروف الصعبة:
ليس التسامح أن تتنازل عن حقك، بل أن تعترف بحق الآخر في الاختلاف.
التسامح هو أن تقول: "قد أكون مخطئاً، وقد يكون غيري محقاً، ولكننا معاً نبحث عن الحقيقة".
في هذا المكان، التسامح ليس رفاهية، بل ضرورة بقاء. فالناس الذين عاشوا قروناً في تناغم طائفي وديني، لن يستطيعوا البقاء إلا بالتسامح.
احترام الآخر يعني أن تعامله كما تحب أن يعاملك، بغض النظر عن دينه، أو مذهبه، أو لباسه، أو رأيه.
هذا الاحترام لا ينتقص من ثوابتك، بل يزيدك قوة، لأنك تثبت أن إيمانك ليس هشاً لدرجة تخشى معه كلمة تخالفك.
الدين لله، والوطن للجميع.
مؤسسات الدولة يجب أن تُدار بالكفاءة، لا بالانتماء الديني.
المعلم يُقيَّم بقدرته على التعليم، لا بلحيته. والطبيب بخبرته، لا بجلبابه. والقاضي بعدله، لا بانتمائه الفقهي.

لا يمكن لهذا البلد المنكوب أن ينهض وهو يستورد حلولاً من القرن السابع لتواجه مشكلات القرن الحادي والعشرين.
نحن بحاجة إلى جامعات تعلم التفكير النقدي، ومعامل تنتج المعرفة، ومراكز بحث تنافس العالم.
الفن ليس ترفاً، بل هو مرآة المجتمع، وهو مساحة للتنفيس والتعبير والمواجهة.
من يخنق الفن، يخنق الروح. ومن يخنق الروح، ينتج مجتمعاً ميتاً.

الدين الحقيقي، في جوهره، ليس نظام حظر، بل نظام حياة.
القرآن نفسه يقول: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، ويقول: (وقل رب زدني علماً)، ويقول: (وجادلهم بالتي هي أحسن)
فأين هذه الروح الرحبة في خطاب التحريم الذي يملأ الساحات؟
أين هي في منع الموسيقى، وتحريم الرسم، وتكفير المخالف، وإقصاء المختلف؟
إن المتشددين لا يمثلون الدين، بل يمثلون قراءة واحدة من آلاف القراءات. وقراءتهم ليست قراءة الله، بل قراءة عصرهم وخوفهم وسلطتهم.

قد يسأل سائل: وهل يمكننا فعل شيء في وجه هذا المناخ الثقيل؟
نعم. ليس بالقوة، بل بالوعي.
و بزرع بذور ثقافية جديدة في كل بيت، وكل مدرسة، وكل شارع.
• أن تكتب هو فعل مقاومة ثقافية.
• أن تعلِّم ابنك أن يسأل هو فعل بناء.
• أن تشتري كتاباً ممنوعاً هو فعل تحرر.
• أن ترسم لوحة رغم التحريم هو فعل حياة.
• أن تصافح من يختلف عنك هو فعل وطن.
لأن التغيير لا يأتي من فوق، بل ينمو من تحت.
فالمجتمع الذي يصر على الحياة، لا يمكن لأي "لا" أن تقتله.

في النهاية، ليست معركتنا مع كلمة "لا" وحدها، بل مع كل ما تخلقه من خوف وجمود وتراجع.
ومعركتنا مع ثقافة التحريم ليست معركة إلحاد، بل معركة إنسانية، معركة من أجل أن يبقى الإنسان إنساناً.
بلدنا الذي نحلم به وليس صحراء الخائفين، بل جنة العاشقين للحياة.
البلد الذي يحترم التنوع، ويقدس العلم، ويحتضن الفن، ويؤمن بأن الله وهب العقل للإنسان ليفكر، لا ليسكت.
لنقل معاً:
نعم للحياة.
نعم للاختلاف.
نعم للسؤال.
نعم للفن.
نعم للعلم.
نعم للبلد الذي يتسع للجميع.
فقط عندما ننتصر على الــ "لا" في داخلنا، ننتصر عليها في واقعنا.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عقدة النقص على عرش السلطة: حين يصبح الحكم مرآة للخواء
- غاتسبي يحمل الدكتوراه*
- نظرية المؤامرة والتسلق إلى القمة: الواقع التاريخي والخوف الن ...
- أبعد من الشرق والغرب
- حين تصبح الوشاية فضيلة زائفة
- بين الثابت والمتغير: لماذا نحتاج إلى إصلاح ديني؟
- من نحن قبل الطوائف؟
- الأمل الذي يرحل قبل أصحاب الحقائب
- حفار القبور لا يخطئ الموعد
- الإفلاس يختبر الأخلاق
- ما تمنحه المدن العابرة
- مخطوطة الرغبة التي لا تكفّ عن إعادة كتابة نفسها
- سجون بلا جدران
- حين كان الحلم أكبر من العالم
- بين الخبز والحرية
- بين التوقيع واللاجدوى
- الجدل الذي يجعلنا أكثر إنسانية
- التقمص (Reincarnation) و استنساخ الأرواح
- قلب لا يهدأ وهوية معلّقة و وجع منفى
- حين يعيش الإنسان… ويترك غيره يعيش


المزيد.....




- كيف ربح ترامب 1.4 مليار دولار من عملته المشفرة -$TRUMP- بينم ...
- داخل -شاحنات الحرية-.. كيف تروي إدارة ترامب تاريخ أمريكا للأ ...
- أول رحلة جوية مباشرة تربط مسقط بسوتشي.. 150 راكبا يدشنون خطا ...
- إيران تتوعد الولايات المتحدة وإسرائيل برد -قاسٍ- على أي هجوم ...
- بعد أيام من أحداث عابدين.. قوات إسرائيلية تنفذ توغلًا جديدًا ...
- وزير خارجية إيران يؤكد تقارير عن خطة إسرائيل لاستهداف مفاوضي ...
- استهدف مقهى شعبيًا وسط العاصمة.. ارتفاع حصيلة تفجير دمشق إلى ...
- أكثر من 640 ألف نازح لبناني عادوا إلى منازلهم.. والقرى الحدو ...
- أكثر من ألفي حالة وفاة إضافية في فرنسا خلال ذروة موجة الحر، ...
- صحيفة: نتائج فحوصات -إيجابية- لمنشطات لدى لاعبين في منتخب تو ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - ثقافة التحريم ... وثقافة الحياة