أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكرم شلغين - تحت الركام















المزيد.....

تحت الركام


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 00:13
المحور: الادب والفن
    


أبو رشيد تحت الركام
كان أهل اللاذقية يعرفون جيداً أن الجهة الغربية من المدينة هي متنفسها الحقيقي. هناك، على امتداد الكورنيش الشمالي، كانت الحياة تبدو أخف وطأة، وأكثر رحابة. لم تكن الرفاهية بمعناها الباذخ، لكنها كانت كل ما يحتاجه الناس ليشعروا بأن المدينة تحتضنهم.
هناك مسابح نقابة المعلمين وفارس، وهناك المطاعم والمقاهي التي لا تسأل الداخل إليها عن حجم جيبه. فإذا لم يكن معك إلا القليل، جلست على طاولة مطلة على، بل بجزار، البحر، وطلبت زجاجة بيرة بخمسة وسبعين قرشاً، فتأتي معها، من غير طلب، صحن صغير من المكسرات، وأحياناً جزرة مبروشة أو بعض المقبلات البسيطة، وكأن المكان يقول لك إن الكرم لا يحتاج إلى ثروة.
ولم تكن متعة تلك الأماكن في البحر وحده، بل في البشر أيضاً. فقد تجلس وإلى جوارك شيخ يريد أن يحدثك عن قريبه الأديب حنا مينه، أو شاعر شاب يهبط إليك من طاولة أخرى ليقرأ عليك قصيدة كتبها للتو، أو صياد عجوز، أو مدرس متقاعد، أو موظف أنهى دوامه للتو. كانت المدينة كلها تبدو وكأنها تتعارف كل مساء من جديد.
وعند العصر، وقبيل الغروب، كان الكورنيش يمتلئ بالناس. يمشون ذهاباً وإياباً بين الكازينو السياحي ونهاية الكورنيش، أفواجاً متتابعة، حتى يخيل إليك أن أحداً لا يريد أن يعود إلى بيته. لم يكن الأمر رياضة فحسب، بل كان طقساً اجتماعياً جميلاً؛ يبتسم الناس لبعضهم، ويتبادلون التحيات، وأحياناً يلتقون بالشخص نفسه أكثر من مرة في الأمسية الواحدة فيكررون السلام وكأن اللقاء الأول لم يكن كافياً.
ثم جاء اليوم الذي قرر فيه أحدهم أن يحرم المدينة من متنفسها.
انتشرت الإشاعات قبل أن تبدأ الجرافات عملها. قيل إن المرفأ يحتاج إلى التوسعة. وقيل إن المحافظين في البلدية ضاقوا بتلك المظاهر التي يرونها ضرباً من العبث. وقال آخرون إن آل الأسد يريدون أن يكون لهم كورنيشهم الخاص ومطاعمهم الخاصة في الجهة الأخرى من المدينة، وأن إزالة هذا الشريط الساحلي ليست سوى تمهيد لمصالح جديدة.
لم يكن أحد يعرف الحقيقة.
لكن الجميع رأى النتيجة.
كانت الجرافات تقتلع المطاعم والمسابح والمقاهي والكورنيش نفسه، بينما كانت شركة يوغسلافية تصنع كتل الإسمنت الرباعية، تلك التي تعرف بالتيترابود، لتكسر الأمواج أولاً، ثم لتعيد تشكيل الساحل بصورة جديدة لا تشبه ما عرفناه.
وقف الناس يشاهدون بصمت.
في تلك الأيام، لم يكن السؤال مسموحاً، فاستعاض الناس عنه بالهمس والإشاعات.
أما نحن، فكنا نعود كل مساء تقريباً إلى المكان الذي لم يعد مكاناً. نقف فوق الركام محاولين أن نتذكر أين كان هذا المسبح، وأين كان ذلك المقهى، وأين كنا نجلس. اختلطت علينا الجغرافيا حتى صرنا نعجز عن تحديد أين نقف فوق الماضي.
ربما كنا نحاول أن نقنع أنفسنا بأنهم يستطيعون هدم الحجر، لكنهم لا يستطيعون هدم الذكريات. بعبارة أخرى، كنا نذهب وكأننا لا نصدق ما جرى، أو لعلنا نحاول إقناع أنفسنا بأننا سنستمر في اقتناص المتعة حتى لو حرمونا من كل شيء. كان كل ما نراه ركاماً يمتد بالقرب من الكازينو السياحي ومقابل مقهى "شناتا" التاريخي—الذي شهد يوماً في ثلاثينيات القرن الماضي صدح صوت أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب—وحيث كان "طوني اللبناني"، الهارب من جحيم الحرب الأهلية، يفترش الأرض وينام.

في إحدى ليالي الصيف، وكانت الساعة تقارب الحادية عشرة، جلسنا، نحن مجموعة من الأصدقاء، فوق الركام. كان أحمد يحمل عوده، فغنينا وضحكنا وتبادلنا النكات، كأننا نتحدّى الخراب نفسه.
وبعد نحو ساعة، انطلق صوت غاضب من مكان قريب:
"بدي نام... وانتو عم تزعجوني."
تبادلنا النظرات.
ظننا أول الأمر أننا نتوهم.
من الذي يمكن أن يكون هنا؟
في هذا المكان الذي لم يعد سوى أنقاض؟
صمتنا قليلاً، ثم تابعنا الغناء، فعاد الصوت أكثر حدة.
هذه المرة أيقنّا أنه حقيقي.
صاح أحدنا:
"مين إنت؟"
أجاب:
"مو مهم."
قلنا:
"وين إنت؟"
قال بهدوء:
"تحتكم."
نظرنا حولنا، فإذا نحن نجلس فوق كومة حجارة ترتفع قرابة مترين. نزلنا بحذر، فاكتشفنا فتحة تشبه المغارة. ولعلها كانت، في الأصل، أحد المشالح التابعة للمسابح قبل أن يردم كل شيء فوقها.
اقتربنا من مدخلها.
اقتربنا من المدخل، فلاح لنا بصيص ضوء منبعث من سراجه البدائي: علبة دهان أحذية ثقب غطاؤها من المنتصف ليمتد منه فتيل، وقد ملئت بالكاز. على الأرض، كان يجلس رجل مسن، مكسور الساق وقد بدا واضحاً أن بصره شحيح. سلمنا عليه واعتذرنا بشدة، مؤكدين أننا لم نكن نعلم أن أحداً يسكن هناك.
سألناه إن كان يحتاج إلى شيء.
قال إنه بخير.
سألناه إن كان يريد طعاماً.
ابتسم وقال:
"لا... الله يرضى عليكم... إذا حدا منكم بيجيبلي بطحة عرق."
ذهب بسام وعاد بزجاجة صغيرة.
فتحها الرجل فوراً، وشرب منها جرعات متتالية، ثم تنفس بارتياح، وكأن العطش لم يكن في حلقه وحده.
راح يحدثنا عن نفسه.
قال إنه أمضى معظم عمره يعمل على السفن، متنقلاً بين الموانئ والبلدان، حتى كسرت ساقه، ولم يعد قادراً على العمل.
فسألناه:
"من اللاذقية؟"
قال:
"إي... وعيلتي كبيرة ومعروفة."
ثم أخذ يذكر لنا وظائف بعض أقاربه، قبل أن يستدرك قائلاً:
"بس لا تذكروا اسمي لحدا... حفاظاً على سمعتهم... وهني أصلاً ما بيعرفوا وين أنا."
بعد قليل، وقد بدأت رشفات العرق تبعث شيئاً من الدفء في صوته، قال مبتسماً:
"طيب... غنّوا... شو كنتوا عم تغنوا فوق؟"
حمل أحمد عوده من جديد، وبدأ يغني:
"قاضي الغرام حكم حاله...
لما الغرام شغل باله..."
وفجأة رفع الرجل ذراعيه في الهواء، وأخذ يتمايل بجذعه مع اللحن، كأن سنوات العمر والخذلان انزاحت عنه للحظات، وعاد شاباً يعرف الرقص والبحر والمرافئ البعيدة.
جلسنا معه حتى ساعة متأخرة.
وعندما هممنا بالمغادرة، قال:
"إذا مريتوا من هون... لا تنسوا عمكم أبو رشيد... وهاتولي بطحة."
ضحكنا، ووعدناه بذلك.
وسألناه عن الطعام.
قال إن أمره مدبر.
خرجنا من عنده ونحن صامتون أكثر مما كنا نتكلم.
ثم قال أحدنا جملة لم أنسها حتى اليوم:
"كلنا مشروع أبو رشيد."
بقينا نزوره أسابيع قليلة.
ثم غادرت اللاذقية.
ومنذ ذلك اليوم، لم أعرف ماذا حل بأبي رشيد.
لكنني كلما تذكرت ذلك الركام، لم أعد أرى الجرافات ولا البحر.
أرى رجلاً عجوزاً يرفع ذراعيه على ضوء مصباح من علبة صدئة، ويرقص على أنغام أغنية قديمة، بينما كانت مدينة بأكملها تحاول أن تتذكر نفسها.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- امتثال أم انتماء؟
- الخاسر الوحيد ليس من فقد السلطة... بل من فقد الأمان
- هل يمكن أن يكون الإنسان موضوعياً؟
- الموسيقى التي تُمنَع… والتي نسمعها في داخلنا
- ثقافة التحريم ... وثقافة الحياة
- عقدة النقص على عرش السلطة: حين يصبح الحكم مرآة للخواء
- غاتسبي يحمل الدكتوراه*
- نظرية المؤامرة والتسلق إلى القمة: الواقع التاريخي والخوف الن ...
- أبعد من الشرق والغرب
- حين تصبح الوشاية فضيلة زائفة
- بين الثابت والمتغير: لماذا نحتاج إلى إصلاح ديني؟
- من نحن قبل الطوائف؟
- الأمل الذي يرحل قبل أصحاب الحقائب
- حفار القبور لا يخطئ الموعد
- الإفلاس يختبر الأخلاق
- ما تمنحه المدن العابرة
- مخطوطة الرغبة التي لا تكفّ عن إعادة كتابة نفسها
- سجون بلا جدران
- حين كان الحلم أكبر من العالم
- بين الخبز والحرية


المزيد.....




- بعد التأجيل لأسباب عائلية.. موعد جديد لجنازة الممثل الراحل أ ...
- بوتين يمنح الفنان أوليغ غازمانوف وسام -الاستحقاق للوطن- من ا ...
- من أبرز المجددين في الموسيقى المصرية.. رحيل المؤلف الموسيقي ...
- الفنان السعودي محمد عبده يوجه رسالة بعد ظلم منتخب مصر وخسارة ...
- اكتشاف نحو ثلاثين عملا فنيا خلال ترميم مركز معارض عموم روسيا ...
- لإنهاء الحرب.. ما هو المخرج الذي ينبغي أن يسلكه الجميع الآن؟ ...
- وفاة هاني شنودة.. عراب نجوم الموسيقى في مصر
- مشوار مع بيسوا.. تأملات الذات العربية واليقين المفقود في حوا ...
- مدير مهرجان لوكارنو: السينما فن جماهيري لا نخبوي
- مصر.. تشريح جثمان الفنان أحمد جلال عبد القوي


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكرم شلغين - تحت الركام