|
|
الدفاع عن الجلاد: السلطة التفسيرية وصناعة الولاء في الخطاب السياسي
أكرم شلغين
الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 00:21
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تستوقفنا الحياة أحياناً أمام مشاهد تعصي المنطق السليم؛ كيف يمكن لإنسان يعيش واقعاً قاسياً، ويعرف أسباب قسوته، أن يدافع عن القوى التي أسهمت في صنعه؟ نرى مهاجراً خاطر بحياته هرباً من وطن ضاقت فيه الفرص، ثم نجده في المهجر أشد المدافعين عن النظام الذي دفعه للرحيل. ونرى مواطناً يقتله الفقر يومياً، ومع ذلك يعلن بصلابة: «أنا مبسوط بما أنا فيه، لأن من يحكمنا منا وفينا». وليست هذه الظاهرة حصرية على سياق عربي؛ ففي عام 1990، رأيتُ في كولشستر (بريطانيا) متسوّلاً يرتدي قميصاً كتب عليه: «أنا أدعم قواتنا في حرب الخليج»، معلناً فخره بقوة دولة لم تمنحه حياة كريمة. هذه المفارقة تطرح سؤالاً جوهرياً: هل هو جهل؟ أم تعلق عاطفي أعمى؟ الإجابة تكمن في فهم أن الإنسان لا يبحث عن الخبز فقط، بل عن الأمان والانتماء والمعنى. قد يدافع الفرد عن سلطة أفقرته مادياً إذا منحته كرامة رمزية أو شعوراً بالانتماء لجماعة قوية. لا يكفي وصف هذا السلوك بالجهل أو الخداع. فكثير من الناس يدركون الفساد وعدم العدالة، لكنهم يفسرون المعلومات ضمن إطار مختلف. قد يرى أحدهم أن النظام، رغم عيوبه، أفضل من بديل مجهول يخشون أن يؤدي إلى حرب أهلية أو انهيار الدولة. هنا يتحول السؤال من «لماذا لا يفهمون؟» إلى «ما الذي يجعل الدفاع عن السلطة مقبولاً في عالمهم؟». في علم النفس الاجتماعي، تشرح «نظرية تبرير النظام» (System Justification Theory) ميل البشر للدفاع عن الواقع القائم حتى لو كان ظالماً، بحثاً عن عالم يمكن التنبؤ به. فالنظام المعروف، مهما كان قاسياً، يبدو أهون من المجهول. وكما أشار إريك فروم في تحليله لـ«الخوف من الحرية»، فإن الإنسان الضعيف قد يهرب من مسؤولية الاختيار ليحتمي بسلطة مطلقة توفر له أماناً نفسياً يعوض به هشاشة وضعه. في الدولة الحديثة، ينبغي أن تكون السلطة مؤسسة قابلة للمساءلة. لكن في مجتمعاتنا، تتحول السلطة غالباً إلى رمز للوطن أو الجماعة أو الطائفة. وعندها يصبح نقد الحاكم نقداً للوطن نفسه. تتغير المعادلة من «السلطة تخدم الناس» إلى «السلطة تمثلنا». هذا التحول يجعل النقد هجوماً على الهوية الجماعية. وبرؤية حليم بركات (وهنا تلخيص لفكره حول البنية الاجتماعية العربية)، فإن الفرد في ثقافتنا غالباً ما يكون عضواً في جماعة تسبق ولاؤه لها ولاءه لنفسه، مما يدفعه للتضحية بمصلحته الفردية حفاظاً على هيبة الجماعة. لذا، قد يدافع المهاجر عن النظام ليس دفاعاً عن سياساته، بل خوفاً من أن يبدو نقده خيانة لجذوره أو فضيحة لعائلته الكبرى. السلطة لا تحكم بالسلاح فقط، بل باللغة والرموز. استخدم أنطونيو غرامشي مفهوم «الهيمنة الثقافية» لشرح كيف تجعل السلطة رؤيتها للعالم تبدو «منطقاً سليماً» طبيعياً وغير قابل للنقاش. الفكرة الجوهرية هنا (نسبةً لغرامشي) هي أن خديعة السلطة الكبرى تكمن في تشكيل عقول الرعية لترى ظلمها أمراً طبيعياً وضرورياً للحماية. حين تحتكر السلطة تفسير الواقع، تحول السؤال الاقتصادي («لماذا أنا فقير؟») إلى سؤال وجودي ("من أنت؟ ومع من تقف؟"). وتصبح الإجابة الوحيدة المتاحة: "أنا ابن هذا الوطن، وهذا الوطن هو نظامه". وهكذا يتحول النقاش حول الحقوق إلى اختبار للولاء. المتسول البريطاني الذي رأيته يحمل شعار الدعم العسكري، كان يقدم نموذجاً صارخاً لما يمكن تسميته بـ"التعويض الرمزي". الإنسان المهمش اقتصادياً قد يجد في القوة الوطنية تعويضاً عن ضعفه الشخصي. فإذا لم يستطع الشعور بالقوة في حياته الخاصة، استعار هيبة الدولة أو الجيش ليشعر بأنه جزء من "نحن" كبيرة وقوية. وكما لاحظ علي الوردي (في تحليله للطبيعة البشرية والسلطة)، فإن الإنسان القابع في الفقر قد يرى في قوة حاكمه تعويضاً عن ضعفه الخاص. الراية هنا تصبح بديلاً عن الخبز؛ لا لأنها تلغي الجوع، بل لأنها تمنح كرامة رمزية عندما تعجز الحياة اليومية عن منح كرامة مادية. الكبرياء الوطني يصبح العملة الوحيدة التي يشعر الفقير أنها لا تُصادَر منه. في غياب المشاركة السياسية الحقيقية، يشعر الفرد بالعجز. الانتماء لسلطة قوية يمنحه "وهماً بالوكالة"؛ فهو لا يملك قراراً، لكنه يشعر بالقوة عبر انتسابه الرمزي لمن يملكونها. وتبلغ هذه الآلية ذروتها عند المهاجر. المهاجر يعيش اغتراباً مزدوجاً: غريب في البلد المضيف، ومهمش في بلده الأصلي. الدفاع عن النظام يصبح الحبل السري الذي يربطه بالوطن. وكما أشار غسان كنفاني إلى أن الوطن هو الذاكرة التي تمنح الأرض معناها، فإن المهاجر قد يدافع عن النظام دفاعاً عن ذاكرته وطفولته وصورة ذاته قبل الغربة. نقد النظام قد يبدو له، لا شعورياً، كنقض للماضي وتفكيك للهوية. علاوة على ذلك، قد يكون الدفاع عن السلطة وسيلة لحماية المعنى الشخصي. الاعتراف بفشل النظام يعني الاعتراف بأن سنوات من التضحية والإيمان كانت بلا معنى. وهو اعتراف مؤلم نفسياً قد يكون أثقل من استمرار التبرير. في بعض المجتمعات، يتحول ما تقدمه الدولة من خدمات من "حق" للمواطن إلى "منحة" أو "هبة" من الحاكم. فتتحول العلاقة من مساءلة إلى امتنان. والفقر هنا يصبح أداة سياسية؛ فمن يحتاج إلى وظيفة أو مساعدة يخشى فقدانها بالنقد، ليتحول الخوف تدريجياً إلى قناعة ثم ولاء. هذه العملية تؤدي إلى ما يمكن تسميته "صناعة الشخصية السياسية": تشكيل فرد يجد أمنه في الطاعة وكرامته في الانتماء للزعيم. وهنا لا يؤدي الفقر بالضرورة إلى الثورة، بل قد يزيد الاعتماد النفسي على السلطة كمجال وحيد للشعور بالقوة الرمزية. إن اختزال الظاهرة في "الجهل" يغفل تعقيدها. فالدفاع عن السلطة سلوك مركب تتداخل فيه المخاوف النفسية والتنشئة الثقافية والحاجة للانتماء. وكما أشار إيتيان دو لا بواسي في "العبودية الطوعية"، فإن الحكام لا يملكون قوة إلا بما يمنحهم إياه المحكومون. لكن هذا لا يعني لوم الضحايا، فالولاء يتشكل في سياق تاريخي من الخوف والاعتماد. وكما ناقش تشومسكي في تحليلاته للدعاية السياسية، فإن السيطرة لا تعتمد دائماً على القوة المباشرة، بل أيضاً على تشكيل التصورات التي يرى الناس من خلالها واقعهم ، وأن أعظم وسيلة للقمع هي إقناع المضطهدين بأنهم يعيشون في أفضل نظام ممكن، وأن التغيير هو هاوية. والتعود على الظلم، وذلك بتصور علي الوردي أيضاً، قد يكون أخطر من الظلم نفسه. الحل لا يكمن في توعية الفقراء بمصالحهم المادية فقط، بل في فك الارتباط بين الهوية الوطنية والنظام السياسي. يحتاج المواطن لاستعادة "سيادته السردية": الحق في تعريف وطنه دون المرور عبر بوابة السلطة. يحتاج لقول: "أحب بلدي، لذلك أنتقد ما يضره". وفي إشارة لما نوه عنه محمد عابد الجابري، فإن الوعي النقدي هو بوابة الخروج من التخلف. والوعي النقدي يعني الفصل بين الوطن والحاكم، وبين الانتماء والطاعة. وكما قال أحد الشعراء مجازياً، هناك وطن للسلطة وآخر للشعر؛ والإنسان يستطيع الانتماء لوطن الناس والذاكرة والحلم دون تسليم وعيه لنظام سياسي. لا ينبغي تخيير الإنسان بين الخبز والراية. كرامته تحتاج إليهما معاً. الوطنية الحقيقية ليست الصمت عن الفقر، بل رفض أن يصبح الفقر قدراً. وليست الدفاع الأعمى عن سلطة لأنها "منا وفينا"، بل السؤال: لماذا لم تصل الثروة والفرص لمن يُطلب منهم دائماً الدفاع عنها؟ أخطر أشكال السلطة ليست تلك التي تحكم بالقوة، بل تلك التي تنجح في جعل الناس يرون أنفسهم فيها، فيدافعون عنها دفاعاً عن ذواتهم. حينئذٍ، قد يحمل الإنسان جواز سفره باحثاً عن حياة جديدة، بينما يحمل في قلبه دفاعاً عن السلطة التي دفعته للرحيل، لأن الراية منحته شيئاً لم يمنحه الخبز: شعوراً بأنه، رغم فقره، جزء من قصة أكبر.
#أكرم_شلغين (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
القمح والورد:* ماذا يحتاج الإنسان لكي يحيا؟
-
كتاب مقدس في الإنسانية
-
تحت الركام
-
امتثال أم انتماء؟
-
الخاسر الوحيد ليس من فقد السلطة... بل من فقد الأمان
-
هل يمكن أن يكون الإنسان موضوعياً؟
-
الموسيقى التي تُمنَع… والتي نسمعها في داخلنا
-
ثقافة التحريم ... وثقافة الحياة
-
عقدة النقص على عرش السلطة: حين يصبح الحكم مرآة للخواء
-
غاتسبي يحمل الدكتوراه*
-
نظرية المؤامرة والتسلق إلى القمة: الواقع التاريخي والخوف الن
...
-
أبعد من الشرق والغرب
-
حين تصبح الوشاية فضيلة زائفة
-
بين الثابت والمتغير: لماذا نحتاج إلى إصلاح ديني؟
-
من نحن قبل الطوائف؟
-
الأمل الذي يرحل قبل أصحاب الحقائب
-
حفار القبور لا يخطئ الموعد
-
الإفلاس يختبر الأخلاق
-
ما تمنحه المدن العابرة
-
مخطوطة الرغبة التي لا تكفّ عن إعادة كتابة نفسها
المزيد.....
-
تحطم مقاتلة أمريكية من طراز -F-35B- واشتعال النيران فيها بقا
...
-
شاهد.. اللحظات الأولى بعد تحطم طائرة -إف-35 بي- واشتعال الني
...
-
أول بيان سوري رسمي بعد استهداف سفينتين للغاز في دمياط بمصر
-
وزير يمني يدعو لتحرك عاجل لـ-حماية ملايين الأطفال في مناطق س
...
-
مقتل 57 مهاجرا خلال تسللهم إلى سبتة
-
إعلان بلدة أمريكية مهجورة بعد استقالة جميع مسؤوليها وتلوث مي
...
-
سانشيز: ما جرى في سبتة اعتداء على وحدة أراضي إسبانيا
-
هل يمكن طرد دولة ما من عضوية منطقة شنغن الأوروبية؟
-
ترامب: إسرائيل -سعيدة جدا- باتفاق نزع سلاح حماس
-
رئيس الوزراء الفرنسي السابق يطالب باجتماع طارئ لوزراء الاتحا
...
المزيد.....
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|