أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - كتاب مقدس في الإنسانية















المزيد.....

كتاب مقدس في الإنسانية


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 00:14
المحور: قضايا ثقافية
    


كتبتُ بالأمس عن سوريا التي عرفتها ذات يوم؛ عن بيت كان يمكن أن يبقى بابه مفتوحاً أشهراً من دون أن يخشى أصحابه عليه، وعن نساء كنّ يقدمن الخبز الساخن للمارة من غير أن ينتظرن ثمناً أو شكراً، وعن رجل جلس مع أسرته داخل قلعة صلاح الدين، فدعا غرباء يمرون من بعيد إلى الطعام، ثم عرض عليهم الماء البارد لأنهم يسيرون تحت شمس الصيف.
كتبتُ عن الأمان، والنظافة، والضيافة، وعن ذلك الشعور البسيط بأن الإنسان يعيش بين أناس لا يراه فيهم خطراً، ولا يرون فيه غريباً. لم يكن المقال محاولة لتجميل الماضي أو الادعاء بأن سوريا كانت مدينة فاضلة. كان مجرد حزن على قيم إنسانية عرفناها، ثم رأيناها تتراجع أمام سنوات الحرب والخوف والفقر والانهيار.
لكن ما حدث بعد نشر المقال كان، في جانب منه، أكثر إيلاماً من الذكريات التي استدعيتها.
سرعان ما انتقل بعض التعليقات من الحديث عن الأمان والضيافة إلى تبادل الاتهامات بين الطوائف. بدأ النقاش بسؤال: من المسؤول عما وصلنا إليه؟ ثم تحوّل إلى سؤال آخر أكثر خطورة: من هم "الخونة"؟ ومن هم "أصحاب البلد"؟ ومن يملك الحق في أن يتحدث باسم الضحايا؟ ولم يلبث بعض الكلام أن تجاوز نقد السلطة أو محاسبة المسؤولين إلى تعميمات تنزع عن جماعات كاملة دينها وأخلاقها وإنسانيتها.
عند تلك اللحظة أدركت أن المشكلة التي كنت أحاول الكتابة عنها أعمق مما ظننت.
كيف يمكن لحديث عن رغيف خبز قُدِّم لضيف أن ينتهي إلى كراهية؟ كيف يمكن لذكرى باب مفتوح أن تفتح أبواب الاتهام؟ وكيف يصبح الحنين إلى سوريا التي عرفناها مناسبة لإعادة إنتاج الانقسامات التي ساهمت في تمزيقها؟
ربما لأننا لم نفقد خلال سنوات الحرب البيوت والأموال والأمان فقط. ربما فقدنا أيضاً جزءاً من اللغة التي كنا نستطيع أن نرى بها بعضنا بعضاً كبشر قبل أن نراهم طوائف ومذاهب وأعراقاً وانتماءات سياسية.
لقد حكمت سوريا عقوداً طويلة سلطة كان ينبغي أن تدرك أن مسؤوليتها لا تقتصر على إدارة الدولة أو حماية مصالحها، بل تشمل بناء مجتمع يستطيع أبناؤه أن يختلفوا من دون أن يتحول اختلافهم إلى كراهية. كان يمكن للتعليم أن يكون جسراً، وللثقافة أن تكون مساحة مشتركة، وللقانون أن يكون ضمانة للمواطنة، وللدولة أن تجعل الإنسان يشعر بأن كرامته لا تعتمد على طائفته أو قربه من السلطة. لكن السلطة التي تبني شرعيتها على الخوف والانقسام لا تنتج بسهولة مجتمعاً يثق بعضه ببعض. وحين يضعف القانون، وتُستبدل المواطنة بالولاءات الضيقة، يصبح الاختلاف مادة جاهزة للشك والاتهام.
ومع ذلك، سيكون من السهل ـ وربما من المريح ـ أن نضع المسؤولية كلها على الدولة ثم نعفي أنفسنا. فالسلطة تستطيع أن تكرّس الخوف، لكنها لا تدخل وحدها إلى عقل الطفل. هناك الأسرة، والمدرسة، والمؤسسة الدينية، والحي، والإعلام، والأصدقاء، واللغة اليومية التي يسمعها الإنسان منذ سنواته الأولى. هناك تلك الجمل الصغيرة التي قد تبدو عابرة: "لا تثق بهؤلاء"، "هم مختلفون عنا"، "نحن أفضل"، "هم سبب ما حدث". تتكرر الجمل حتى تتحول من رأي إلى يقين، ومن يقين إلى طريقة في رؤية العالم.
الإنسان لا يولد كارهاً. ولا يولد وهو يعرف أن هذا الاسم ينتمي إلى طائفة، وأن ذلك الاسم ينتمي إلى جماعة أخرى، وأن عليه أن يخاف من هذا أو يكره ذاك. إنه يتعلم ذلك. يتعلمه أحياناً قبل أن يتعلم كيف يفكر، وقبل أن يملك القدرة على سؤال من لقّنه هذه الصور ولماذا.
لهذا تبدو المشكلة، في جوهرها، تربوية.
لا أقصد بالتربية تعليم السلوك المهذب فقط، ولا إضافة درس عابر عن التسامح إلى الكتب المدرسية. أقصد بناء وعي إنساني يبدأ منذ الطفولة، ويجعل كرامة الإنسان قيمة تسبق الانتماءات كلها، من دون أن يطلب من أحد التخلي عن دينه أو طائفته أو ثقافته. فالمطلوب ليس أن نصنع مجتمعاً بلا اختلاف، بل أن نتعلم كيف نعيش مع اختلافنا من دون أن نحوله إلى سبب لإلغاء الآخرين. بل وأن نرى في اختلافنا ثراء حقيقيا.
ربما نحتاج إلى ما يمكن أن نسميه، مجازاً، كتاباً مقدساً في الإنسانية.
ليس كتاباً ينافس الأديان، ولا عقيدة جديدة تُفرض على الناس، بل مجموعة من المبادئ التي ينبغي أن تصبح بديهية في التربية: أن الإنسان لا يُدان بذنب جماعته؛ وأن الاختلاف لا يلغي الكرامة؛ وأن الألم لا يمنح صاحبه حق إذلال الآخرين؛ وأن العدالة لا تعني الانتقام؛ وأن نقد السلطة لا يتحول إلى كراهية جماعة؛ وأن الدين، مهما كان عزيزاً على صاحبه، لا ينبغي أن يكون الجدار الذي يمنعه من رؤية إنسانية من يختلف معه.
ربما لو تعلم الطفل، قبل أن يُسأل: "من أنت؟"، أن يسأل: "كيف أكون إنساناً عادلاً؟"، لكان مستقبلنا مختلفاً.
وربما لو حفظنا منذ الصغر أن الإنسان لا يصبح عدواً لأنه يصلي بطريقة أخرى، أو ينتمي إلى طائفة أخرى، أو يحمل اسماً مختلفاً، لما وصل بنا الأمر إلى أن تتحول المآسي التي عشناها إلى مادة جديدة للكراهية.
لقد أنهكت الحرب السوريين جميعاً، وغيّرت فيهم أشياء كثيرة. أفقرت الناس، وشرّدتهم، وكسرت ثقتهم بالمؤسسات وببعضهم بعضاً. ولا يجوز أن نتحدث عن تراجع القيم وكأن خمسة عشر عاماً من الخوف والعنف والحرمان لم تترك آثاراً عميقة في النفوس. لكن فهم الظروف لا يعني أن نجعلها عذراً لفقدان إنسانيتنا.
فالإنسان قد يخرج من الحرب فقيراً، لكنه لا يجب أن يخرج منها محتقراً للآخر. وقد يفقد بيته، لكنه لا ينبغي أن يفقد قدرته على الرحمة. وقد يختلف مع غيره في الدين والسياسة والذاكرة، لكنه لا يحتاج إلى نزع إنسانيته كي يثبت صحة موقفه.
ربما لا نستطيع أن نعيد سوريا التي عرفناها. فالزمن لا يعود، والبلدان تتغير، والذكريات لا تصلح دائماً خريطة للمستقبل. لكن يمكننا أن نسأل: أي سوريا نريد أن تُبنى؟
هل نريد بلداً يبقى فيه كل إنسان أسيراً للطائفة التي وُلد فيها، وللخوف الذي ورثه، وللكراهية التي تعلمها؟ أم نريد بلداً يستطيع أبناؤه أن يقولوا: نختلف، لكننا لا نلغي بعضنا؛ نتذكر آلامنا، لكننا لا نورثها لأطفالنا؛ نطالب بالعدالة، لكننا لا نحول العدالة إلى انتقام؟
ربما يبدأ الطريق من مكان أبسط مما نتصور: من بيت يتعلم فيه الطفل ألا يكره، ومن مدرسة لا تصنف الطلاب قبل أن تعرفهم، ومن خطاب ديني يذكّر الناس بأن الإيمان لا يكتمل بإهانة الآخرين، ومن ثقافة عامة تجعل الإنسان قيمة لا وسيلة.
وحين يصبح احترام الإنسان أساساً للتربية، لا درساً إضافياً فيها، ربما نستطيع أن نستعيد شيئاً مما فقدناه.
ليس سوريا القديمة؛ فالبلدان لا تعود إلى الوراء.
بل سوريا التي تستحق أن تأتي.
قد يقول قائل إن الحديث عن القيم والإنسانية ترفٌ في زمن يبحث فيه كثير من الناس عن الخبز والقوت اليومي. وفي هذا القول شيء من الحقيقة. فالإنسان الذي يرهقه الفقر، ويخاف على عمله، ويعجز عن تأمين حاجات أسرته، لا يمكن أن نطالبه بأن يعيش في عالم من الشعارات الجميلة. وأتذكر قول درويش هنا: "نحب الورد لكننا نحب القمح أكثر". نعم، نحتاج إلى القمح، إلى العمل والأمان والعدالة والقدرة على العيش بكرامة. لكننا نحتاج إلى الورد أيضاً؛ إلى تلك القيم التي تمنع الحاجة من أن تتحول إلى قسوة، والخوف من أن يتحول إلى كراهية، والاختلاف من أن يتحول إلى إلغاء. فالخبز يحفظ حياة الإنسان، أما الإنسانية فتعطي تلك الحياة معناها.

ربما لا نحتاج إلى إرسال الناس جميعاً إلى البلدان المتقدمة كي يتعلموا كيف يعيشون مع اختلافهم. فالقيم لا تُنقل بالطائرات، ولا تُستورد مع البضائع. يمكن أن تبدأ هنا: في البيت، وفي المدرسة، وفي طريقة حديث الأب عن جاره، وفي ما يسمعه الطفل عن المختلف عنه، وفي قدرة المجتمع على أن يقول إن الإنسان لا يُختزل في طائفته ولا في دينه ولا في أخطاء جماعته.
لعلنا نحتاج إلى كتابٍ مقدس في الإنسانية، لا ليحل محل الأديان، بل ليذكّرنا بما ينبغي أن يكون سابقاً على كل خلاف: أن كرامة الإنسان لا تحتاج إلى إذن، وأن الألم لا يبرر الكراهية، وأن العدالة لا تعني الانتقام، وأن اختلافنا لا يمنح أحداً حق إلغاء أحد.
نحن نحب القمح، لأننا نحتاج إليه كي نعيش. لكننا نحتاج إلى الورد أيضاً، كي لا ننسى لماذا نريد أن نعيش.
وربما تبدأ سوريا الجديدة حين يتعلم أطفالها، قبل أن يُسألوا إلى أي طائفة ينتمون، أن الإنسان ـ أي إنسان ـ يستحق أن يُعامل بإنسانية.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تحت الركام
- امتثال أم انتماء؟
- الخاسر الوحيد ليس من فقد السلطة... بل من فقد الأمان
- هل يمكن أن يكون الإنسان موضوعياً؟
- الموسيقى التي تُمنَع… والتي نسمعها في داخلنا
- ثقافة التحريم ... وثقافة الحياة
- عقدة النقص على عرش السلطة: حين يصبح الحكم مرآة للخواء
- غاتسبي يحمل الدكتوراه*
- نظرية المؤامرة والتسلق إلى القمة: الواقع التاريخي والخوف الن ...
- أبعد من الشرق والغرب
- حين تصبح الوشاية فضيلة زائفة
- بين الثابت والمتغير: لماذا نحتاج إلى إصلاح ديني؟
- من نحن قبل الطوائف؟
- الأمل الذي يرحل قبل أصحاب الحقائب
- حفار القبور لا يخطئ الموعد
- الإفلاس يختبر الأخلاق
- ما تمنحه المدن العابرة
- مخطوطة الرغبة التي لا تكفّ عن إعادة كتابة نفسها
- سجون بلا جدران
- حين كان الحلم أكبر من العالم


المزيد.....




- مصر.. خطة للحد من ظاهرة -الكلاب الضالة-
- ترامب: حان دورنا وسنضرب إيران بقوة شديدة
- مواجهة ترامب وإيران.. العراق ساحة لتصفية الحسابات
- الطاقة الإيرانية.. وتر الحرب الحساس
- إعفاء السفن الصينية وهيئة لتحصيل الرسوم.. مصادر تكشف تفاصيل ...
- من الصحة النفسية إلى النشاط البدني.. أي الوالدَين هو الأكثر ...
- تقرير أممي يكشف خفايا جديدة في الحرب السودانية
- روبيو يناقش في كازاخستان موضوع ضمان استمرار ضخ النفط عبر أنا ...
- رغم سمعته الصحية.. البيض العضوي قد يكون أكثر ضررا على البيئة ...
- فيتسو يشير إلى تعاون بين سلوفاكيا والإمارات في الصناعات الدف ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - كتاب مقدس في الإنسانية