أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - القمح والورد:* ماذا يحتاج الإنسان لكي يحيا؟














المزيد.....

القمح والورد:* ماذا يحتاج الإنسان لكي يحيا؟


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 00:04
المحور: قضايا ثقافية
    


"إنّا نحبُّ الوردَ،
لكنّا نحبُّ القمحَ أكثرْ"
في هذا البيت القصير يلخص محمود درويش مأساة الإنسان كلها. فهو لا يضع الجمال في مواجهة الضرورة، ولا يجعل الورد بديلا عن الخبز، بل يكشف التوتر العميق الذي صنع الحضارة الإنسانية: نحن الكائن الذي يحتاج إلى البقاء، لكنه لا يكتفي بالبقاء.
فالقمح يحفظ حياة الإنسان، أما الورد فيمنحه سببا ليحب هذه الحياة.
منذ آلاف السنين قيل ( في إنجيل متّى): "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان". ولم تكن العبارة إنكارا لحاجة الإنسان إلى الخبز، بل اعترافا بأن الإنسان، بعد أن يشبع جسده، يبقى يحمل أسئلة لا يستطيع الطعام وحده أن يجيب عنها.
وربما لهذا السبب لم يكن أول أثر تركه الإنسان القديم على جدران الكهوف سجلا لكمية الطعام التي امتلكها، ولا حسابا لما اصطاده من حيوانات، بل كانت صوراً ورسومات وعلامات.
لقد أراد الإنسان الأول أن يقول شيئا لمن سيأتي بعده.
أراد أن ينقل تجربة عاشها، وأن يحول لحظة عابرة إلى ذاكرة، وأن يترك رسالة عبر الزمن لإنسان لم يعرفه ولن يلتقي به.
ومنذ تلك اللحظة بدأ تاريخ الإنسان بوصفه كائنا لا يعيش فقط، بل يتذكر ويتخيل ويروي.
لم تكن الموسيقى الأولى مجرد أصوات بلا معنى. عندما قلد الإنسان أصوات الطبيعة، وإيقاعات الحياة من حوله، لم يكن يبحث عن وسيلة أكثر كفاءة للبقاء، بل كان يبحث عن التعبير، عن الانسجام، عن صوت داخلي يريد أن يجد طريقه إلى العالم.
قبل أن يخترع الإنسان الآلات التي تزيد قوته، اخترع الحكايات التي أعطت لهذه القوة معنى.
ولهذا لم يكن الأدب والفن عبر التاريخ ترفا زائدا. فالإنسان لا يقرأ القصة فقط ليعرف ماذا حدث، بل لكي يرى نفسه في الآخرين. يدخل عالما لم يعشه، يشعر بألم لم يعرفه، ويتعلم أن حياة الآخرين أكثر تعقيدا من أحكامه السريعة.
الأدب ليس مجرد متعة؛ إنه تدريب على الإنسانية.
واليوم، مع صعود الذكاء الاصطناعي، نصل إلى سؤال جديد لكنه قديم في جوهره:
إذا أصبحت الآلة قادرة على إنتاج القصص والصور والموسيقى، فهل سيبقى الإنسان بحاجة إلى الفن بالمعنى العميق؟
ربما تستطيع الآلة أن تنتج عملا جميلا، وربما تستطيع في المستقبل أن تصنع أعمالا تناسب ذوق كل فرد بدقة مذهلة. لكن السؤال ليس فقط: هل تستطيع إنتاج الفن؟
السؤال الأهم: هل يبقى الفن فنا إذا فقدنا تلك الرحلة الإنسانية التي تقف وراءه؟
فالإنسان لم يحب القصص لأنها مجرد معلومات مرتبة، بل لأنها جاءت من تجربة إنسانية: من فرح وألم وفقدان وأمل. قيمة العمل ليست فقط فيما يصل إلينا، بل أيضا في اليد التي صنعته، وفي الحياة التي تقف خلفه.
لذلك ربما لا يكون الخطر الحقيقي في أن تنتج الآلة فنا ضعيفا، بل في أن تنتج فنا مثاليا في إرضائنا، فنا يعرف رغباتنا قبل أن نعرفها نحن، فلا يفاجئنا ولا يتحدانا ولا يفتح أمامنا عالما جديدا.
فالإنسان يحتاج إلى القمح لكي يعيش، لكنه يحتاج إلى الورد لكي يعرف لماذا يعيش.
وربما يكون مستقبل البشرية ليس في اختيار أحدهما ضد الآخر، بل في أن نتذكر دائما أن الحضارة التي تنتج القمح فقط قد تبقي الإنسان حيا، لكنها الحضارة التي تزرع الورد أيضا هي التي تجعله إنسانا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*حاشية: جاء هذا المقال القصير في سياق تقارير عن إعادة هيكلة واسعة للتعليم الجامعي في الصين بين عامي 2021 و2025، شملت إيقاف أو تعديل آلاف البرامج الدراسية، بالتوازي مع استحداث برامج جديدة في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات وأشباه الموصلات والطاقة المتجددة. فهناك توقيف لبعض الاختصاصات لزمن لايقل عن خمسة عشر عاما، وانطلق ذلك من قراءة متطلبات سوق العمل وأعداد الخريجين من الفروع الأدبية والفنون والعلوم الإنسانية، غير أن هذه التحولات لا تعني بالضرورة إلغاء الآداب والفنون أو التخلي عن العلوم الإنسانية، إذ اتجهت بعض الجامعات إلى دمج عدد من التخصصات الفنية ضمن برامج أوسع تتلاءم مع التحولات التقنية وسوق العمل، بينما تؤكد الخطط التعليمية الصينية في الوقت نفسه أهمية بناء منظومة معرفية فلسفية واجتماعية مستقلة. ومن هنا لا يتناول المقال الصين بوصفها مثالاً على «إلغاء الإنسانية»، بل ينطلق من هذه التحولات لطرح سؤال أوسع: كيف يمكن للمجتمعات أن تواكب حاجاتها التقنية والاقتصادية المتغيرة من دون أن تختزل التعليم والإنسان في معيار المنفعة والإنتاج وحده؟



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كتاب مقدس في الإنسانية
- تحت الركام
- امتثال أم انتماء؟
- الخاسر الوحيد ليس من فقد السلطة... بل من فقد الأمان
- هل يمكن أن يكون الإنسان موضوعياً؟
- الموسيقى التي تُمنَع… والتي نسمعها في داخلنا
- ثقافة التحريم ... وثقافة الحياة
- عقدة النقص على عرش السلطة: حين يصبح الحكم مرآة للخواء
- غاتسبي يحمل الدكتوراه*
- نظرية المؤامرة والتسلق إلى القمة: الواقع التاريخي والخوف الن ...
- أبعد من الشرق والغرب
- حين تصبح الوشاية فضيلة زائفة
- بين الثابت والمتغير: لماذا نحتاج إلى إصلاح ديني؟
- من نحن قبل الطوائف؟
- الأمل الذي يرحل قبل أصحاب الحقائب
- حفار القبور لا يخطئ الموعد
- الإفلاس يختبر الأخلاق
- ما تمنحه المدن العابرة
- مخطوطة الرغبة التي لا تكفّ عن إعادة كتابة نفسها
- سجون بلا جدران


المزيد.....




- كوريا الشمالية: تحديث بنية الناتو اللوجستية يؤكد استعداده لح ...
- -بلومبرغ-: البنتاغون يطلب 18.2 مليار دولار من أموال الحرب لل ...
- توتر في منين على خلفية أعمال حفر.. والأمن يتدخل لاحتواء المو ...
- الحوثيون يقولون إنهم أجبروا 8 سفن نفطية سعودية على تغيير مسا ...
- لقطات مرعبة توثق قفزة متهورة لمراهق من جرف صخري في سان دييغو ...
- بريطانيا تعتقل مواطنا تركيا بناء على اتهامات أمريكية بتقديم ...
- نوفوستي: الدفاعات الجوية الروسية دمرت أكثر من 21 ألف مسيرة أ ...
- سلسلة انفجارات جديدة تهز كييف مع استمرار الإنذار الجوي
- مصادر لـRT: تحليق مكثف للطيران المسير الإسرائيلي في أجواء حو ...
- بعد نشر بنود خريطة طريق.. أين تقف حماس وإسرائيل من اتفاق غزة ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - القمح والورد:* ماذا يحتاج الإنسان لكي يحيا؟