أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أكرم شلغين - سقط الأسد وبقيت الأسدية














المزيد.....

سقط الأسد وبقيت الأسدية


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 02:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


هناك لحظة في حياة الشعوب يصبح فيها الإنسان عاجزاً عن تفسير ما حدث له. سنوات طويلة حلم خلالها السوريون بأن ينفتح الباب المغلق، بأن يدخل الهواء إلى البيوت التي أرهقها الخوف، بأن يستطيع الإنسان أن يتكلم من دون أن يلتفت خلفه، وأن يرفع رأسه من دون أن يشعر أن هناك من يراقبه. لم يكن الحلم معقداً ولا مستحيلاً؛ كان حلماً بسيطاً: وطن يستطيع فيه الأب أن يطمئن على ابنه، والأم أن تنام من دون قلق، والشاب أن يرى مستقبله في المكان الذي ولد فيه.
لم يكن السوريون يحلمون بتغيير صورة معلقة على الجدران فقط، ولا باستبدال اسم باسم، ولا بانتقال السلطة من يد إلى يد. كانوا يريدون تغيير العلاقة بين المواطن والدولة. كانوا يريدون دولة لا يخاف منها الإنسان، بل يلجأ إليها.
لكن بعد سقوط الأسد، وبعد مرور ما يقارب العامين، يجد كثير من السوريين أنفسهم أمام سؤال موجع: هل كان الباب الذي فُتح يؤدي فعلاً إلى النور، أم أن السوري خرج من غرفة مظلمة ليجد نفسه في غرفة أخرى لا تقل ظلاما، ربما تغيرت جدرانها، لكن الهواء فيها ما زال ثقيلاً؟
فالإنسان لا يقيس التغيير بالشعارات السياسية، ولا بعدد المؤتمرات واللقاءات والصور الرسمية. الإنسان البسيط يقيسه بأشياء أكثر قسوة وأكثر صدقاً: برغيف الخبز الذي يحمله إلى بيته، بالدواء الذي يعجز عن شرائه، بالوقود الذي يبحث عنه ولا يجده، بالخوف الذي ينام معه، وباللحظة التي يخرج فيها ابنه من المنزل ولا يعرف ما الذي قد يحدث له.
اليوم، لم يعد الخوف مقتصراً على زيارات الأمن الليلية أو الاعتقال السياسي المباشر. لقد تحول الخوف إلى وحش يومي يتربص في الطرقات. الأب الذي كان يخاف سابقاً من كلمة تُقال، أصبح اليوم يخاف من إرسال ابنته إلى الجامعة خوفاً من اختطافها أو ابتزازها. والمواطن الذي كان يعاني من شح المواد، يجد نفسه الآن أمام واقع أكثر قسوة: مجتمعٍ انفلتت فيه عصابة الجريمة المنظمة، حيث أصبحت السرقة والاغتصاب والخطف جزءاً من روتين الحياة، بينما تقف الدولة الجديدة عاجزة، أو ربما غير مهتمة، بحماية مواطنيها. هذا هو التحول الأخطر: الانتقال من "الدولة البوليسية" التي تضبط كل شيء بقبضة حديدية، إلى "دولة الفراغ" حيث يسود القانون الأقوى، وتصبح حياة الإنسان وممتلكاته وعرضه رهينة للعشوائيات والعصابات.
السياسة بالنسبة لمن يجلس في مكاتب السلطة هي خرائط وتحالفات ووعود. أما بالنسبة للمواطن فهي سؤال واحد: هل أصبحت حياتي أفضل؟ هذا هو السؤال الذي لا يستطيع أحد الهروب منه.
لقد عانى السوريون في عهد النظام السابق من الاستبداد، ومن الاعتقالات، ومن غياب الحريات، ومن الفقر والحصار والعقوبات. ولم يكن أحد يحتاج إلى تذكيرهم بحجم الألم الذي عاشوه. لكن سقوط نظام سياسي لا يصبح انتصاراً كاملاً لمجرد سقوط رأسه؛ فالناس لا تعيش تحت الرموز فقط، بل تحت النتائج.
إذا بقي المواطن خائفاً، وإذا بقيت السلطة ترى نفسها فوق المجتمع، وإذا بقي السؤال يُعامل كتهديد، وإذا بقي الفقر ينهش حياة الناس، فإن المشكلة تصبح أعمق من تغيير الأشخاص. المشكلة تصبح في طريقة فهم السلطة لنفسها.
فالسلطة ليست امتيازاً أبدياً، ولا ملكية خاصة، ولا مكافأة لمن انتصر بالقوة. السلطة في الدولة الحديثة عقد مؤقت بين من يحكم ومن يُحكم؛ شرعيتها لا تأتي فقط من قدرتها على الوصول إلى الحكم، بل من قدرتها على حماية الإنسان وصون كرامته.
ولهذا فإن العبارات التي تصدر أحياناً من بعض المسؤولين حول البقاء الطويل في الحكم أو امتلاك حق تقرير المستقبل تثير قلقاً بل رعبا لدى كثير من السوريين. ليس لأن الناس يرفضون الاستقرار، بل لأنهم يعرفون من تجربتهم الطويلة أن أخطر لحظة تبدأ عندما تنسى السلطة أنها موجودة لخدمة الناس، وتبدأ في التعامل مع نفسها باعتبارها قدراً مفروضاً عليهم. فالذي عاش عقوداً تحت حكم يقوم على فكرة أن الدولة فوق المواطن، يخاف من أي إشارة توحي بأن المواطن سيبقى في المكان نفسه، حتى لو تغيرت الأسماء.
والألم لا يأتي فقط من الداخل. هناك شعور متزايد لدى كثير من السوريين بأن السلطة الجديدة تخوض معركة الاعتراف الخارجي والبقاء السياسي، بينما يبقى المواطن ينتظر نصيبه من التغيير. يرى الناس المسؤولين يتحركون في العواصم، يبحثون عن القبول الدولي والدعم الخارجي، في الوقت الذي لا تزال فيه حياتهم اليومية غارقة في الأزمات. ليس الخطأ أن تبحث أي دولة خارجة من حرب عن علاقات مع العالم. فهذا أمر طبيعي. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يكون هدف السياسة الخارجية إعادة بناء وطن المواطن، أم مجرد ضمان بقاء السلطة؟
فالشعب الذي حلم بالحرية لا يريد فقط أن تتغير الجهة التي تعترف بها العواصم الكبرى. يريد أن يشعر بأن صوته أصبح مسموعاً داخل وطنه.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي بلد خرج من استبداد طويل هو أن يختزل التغيير في سقوط شخص، بينما تبقى العقلية التي صنعت الاستبداد حاضرة: عقلية ترى الناس تابعين لا شركاء، وترى السلطة حقاً مكتسباً لا مسؤولية مؤقتة، وترى الصمت علامة رضا لا نتيجة خوف.
وهنا تظهر العبارة التي يرددها كثير من السوريين اليوم: "سقط الأسد وبقيت الأسدية".
ليست الأسدية هنا مجرد اسم عائلة، ولا صورة رجل، ولا مرحلة تاريخية انتهت. إنها تشير إلى شيء أعمق: إلى منطق الحكم الذي يجعل المواطن صغيراً أمام السلطة، ويجعل الخوف جزءاً من الحياة، ويجعل الدولة أقرب إلى الحاكم من قربها إلى الناس.
والسؤال الحقيقي الذي سيحكم على أي سلطة جديدة ليس: من أسقط من؟ ومن انتصر على من؟ السؤال الأبسط والأكثر إنسانية هو:
هل أصبح السوري أكثر حرية؟
هل أصبح أكثر أمناً؟
هل أصبح أكثر قدرة على أن يعيش حياة كريمة؟
فالشعوب لا تأكل الشعارات، ولا تعيش على الوعود البعيدة. الشعوب تريد وطناً عادياً فقط؛ وطناً يستطيع فيه الإنسان أن يعيش، وأن يختلف، وأن يحلم، من دون خوف.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدفاع عن الجلاد: السلطة التفسيرية وصناعة الولاء في الخطاب ا ...
- القمح والورد:* ماذا يحتاج الإنسان لكي يحيا؟
- كتاب مقدس في الإنسانية
- تحت الركام
- امتثال أم انتماء؟
- الخاسر الوحيد ليس من فقد السلطة... بل من فقد الأمان
- هل يمكن أن يكون الإنسان موضوعياً؟
- الموسيقى التي تُمنَع… والتي نسمعها في داخلنا
- ثقافة التحريم ... وثقافة الحياة
- عقدة النقص على عرش السلطة: حين يصبح الحكم مرآة للخواء
- غاتسبي يحمل الدكتوراه*
- نظرية المؤامرة والتسلق إلى القمة: الواقع التاريخي والخوف الن ...
- أبعد من الشرق والغرب
- حين تصبح الوشاية فضيلة زائفة
- بين الثابت والمتغير: لماذا نحتاج إلى إصلاح ديني؟
- من نحن قبل الطوائف؟
- الأمل الذي يرحل قبل أصحاب الحقائب
- حفار القبور لا يخطئ الموعد
- الإفلاس يختبر الأخلاق
- ما تمنحه المدن العابرة


المزيد.....




- رسالة إنذار لميرتس.. استطلاع يكشف تشاؤم غالبية الألمان تجاه ...
- سبتة.. من حادث هجرة إلى أزمة ثقة أوروبية
- تصاعد أعمدة الدخان من ناقلة نفط في مضيق هرمز وسط تصعيد بين إ ...
- سوريا.. رصد آليات للجيش الإسرائيلي بريف درعا الغربي
- معارك تحرير بلدة جديدة في مقاطعة زابوروجيه
- شاهد.. شاب بالغ من العمر 17 عاما يطلق النار في مركز تجاري أ ...
- السجن 4 سنوات لـ-إل سيلنسيو-.. محتال سويدي خدع معجبي بابلو إ ...
- السلطات الفرنسية تعلن السيطرة على حرائق الغابات
- إيران تحذر من عمل أمريكي -متهور- وإسرائيل تعلن قتل عناصر من ...
- إيران مباشر.. حديث إسرائيلي عن هجوم وشيك وعراقجي يحذر من -مغ ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أكرم شلغين - سقط الأسد وبقيت الأسدية