أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سهام يوسف علي - قتلُ الرسول لا يقتل الرسالة














المزيد.....

قتلُ الرسول لا يقتل الرسالة


سهام يوسف علي

الحوار المتمدن-العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 12:44
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


في الأساطير القديمة، كان الملوك يقتلون حامل الخبر السيئ، وكأن التخلص من الرسول كفيل بإلغاء الرسالة. تغيرت الأزمنة، لكن الفكرة بقيت كما هي؛ فعندما تكون الحقيقة مزعجة، يصبح أسهل على الناس مهاجمة من ينطق بها من مناقشة الحقيقة نفسها.
وفي الاقتصاد، يتكرر هذا المشهد أكثر مما نتصور.

قبل سنوات، لم يكن بعض الاقتصاديين يوزعون الخوف، بل كانوا يوزعون الأرقام. كانوا يرون إنفاقًا جاريًا يتضخم، واعتمادًا يكاد يكون مطلقًا على النفط، والتزاماتٍ دائمة تموَّل بإيرادات متقلبة، ويقولون إن هذا المسار، إذا استمر، سيقود حتمًا إلى مرحلة تصبح فيها الرواتب نفسها موضع اختبار.

لكن ما حدث لم يكن نقاشًا اقتصاديًا، بل محاكمة للرسول.

لم يُسأل أحد: هل الأرقام صحيحة؟ بل سُئل: لماذا تخوفون الناس؟

وقيل إن الرواتب لا تُمس، وإن الدولة لا يمكن أن تعجز، وإن الحديث عن المخاطر ليس إلا تهويلًا وتشاؤمًا. وهكذا، تحولت الطمأنة إلى خطاب عام، بينما كانت الأرقام تواصل عملها بصمت. فهي لا تغضب، ولا تجادل، ولا تشارك في المناظرات التلفزيونية، لكنها أيضًا لا تغيّر قوانينها لإرضاء أحد.

المفارقة أن الاقتصاديين لم يكونوا يتحدثون عن السيولة، بل عن الاستدامة. كانوا يسألون: هل يستطيع هذا المسار أن يستمر؟ بينما كان آخرون يجيبون: لكن الرواتب دُفعت هذا الشهر! والفرق بين السؤالين هو الفرق بين من يقرأ الاتجاه، ومن يكتفي بالنظر إلى اللحظة.

واليوم، لم يعد الحديث عن صعوبة تمويل الرواتب يأتي من باحث أو أكاديمي، بل من داخل مؤسسات الدولة نفسها. وليس المهم هنا من كان على صواب ومن كان على خطأ، فالأزمات ليست منافسة بين الاقتصاديين، بل امتحان لسياسات الدول.

لكن ثمة خسارة أخرى لا تظهر في الموازنات.

لقد استهلكت سنوات الطمأنة موردًا لا يقل قيمة عن الاحتياطيات المالية، هو رأس المال الأخلاقي للدولة. فالدولة لا تبني هذا الرصيد عندما تخبر الناس بما يحبون سماعه، بل عندما تمتلك الشجاعة لتقول لهم ما ينبغي أن يعرفوه، حتى لو كان مؤلمًا.

فالأسواق تقوم على الثقة، والمؤسسات تقوم على المصداقية، والدول تقوم على الاثنين معًا. وعندما يكتشف المواطن أن ما قيل له بالأمس كان مجرد محاولة لكسب الوقت، فإن الخسارة لا تقتصر على صحة التقديرات الاقتصادية، بل تمتد إلى العلاقة بين الدولة والمجتمع. وعندها يصبح إقناع الناس بأي إصلاح، مهما كان ضروريًا، أكثر صعوبة، لأن المشكلة لم تعد في السياسة الاقتصادية وحدها، بل في صدقية الخطاب نفسه.

لهذا، فإن أخطر ما يمكن أن تفعله الحكومات ليس تأجيل الإصلاح، بل تأجيل الحقيقة.

فالديون يمكن إعادة جدولتها، والعجز يمكن تمويله، والاحتياطيات يمكن أن ترتفع مع تحسن أسعار النفط.

أما رأس المال الأخلاقي، فإذا استُنزف، فلا تعيده موازنة، ولا يرممه قرض، ولا يعوضه بيان رسمي.

ولعل الدرس الأهم من كل ما جرى هو أن الاقتصاد لا يعاقب من يطلق جرس الإنذار بل يعاقب من يظن أن إسكات الجرس سيمنع وصول الحريق.



#سهام_يوسف_علي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما يصبح الوطن مذهبًا
- لم يُهدر المال العام أولاً بل أُهدرت أدوات حمايته
- حين يفاوض العراق من موقع الضعف
- القائمة الرمادية وكلفة الامتثال في العراق: من يتحمل المسؤولي ...
- تخفيض العملة لن ينقذ الاقتصاد العراقي: قراءة في مفارقة العجز ...
- تصفية وخصخصة المؤسسات الحكومية المثقلة بالديون.. سياسة عالية ...
- في ضوء تصريح وزير الخارجية حول طباعة 25 ترليون دينار… قراءة ...
- هل يمكن للعراق تطبيق تجربة كوريا الجنوبية والهند في دعم رياد ...
- الفرق بين القراءة الاقتصادية والتحليل الاقتصادي
- التفسير الفني لا يكفي: ما الذي يحدث للدولار النقدي في العراق ...
- العراق أمام مفترق مالي: جراحة مؤلمة أم استنزاف صامت؟
- قراءة لمؤشرات أسعار المستهلك (CPI)
- قراءة لمؤشرات أسعار المستهلك (CPI) الصادرة عن الجهاز المركزي ...
- اقتصاد إيران في زمن الحرب: بين إدارة الندرة وإعادة تشكيل قوا ...
- هل يمكن أن يصل سعر النفط إلى 200 دولار للبرميل؟
- تعطل الاستيراد واختناق السيولة
- التقاعد المؤقت.. حين تستدعي أزمات 2026 قوانين 1987
- حين يُستبدل العقل بالتقديس: زهراء الساعدي وخطاب الغلو السياس ...
- المفاضلة بين تخفيض سعر الصرف وتخفيض الامتيازات: الأولويات وا ...
- لماذا لا يوجد «مارك كارني عراقي»؟ النظام المحاصصي وأزمة إنتا ...


المزيد.....




- وفد استثماري سعودي في دمشق وطروحات حول مقومات المناطق الحرة ...
- انخفاض أسعار البنزين في 23 منطقة روسية
- روسيا تمدد حظر تصدير الديزل والبنزين حتى يناير 2027
- موسكو تذّكر باشينيان بالغاز الرخيص ومكاسب أرمينيا من عضويتها ...
- -أوبن إيه آي- تخفّض أسعار نماذجها لمواجهة المنافسة الصينية
- الدفع الإلكتروني في السودان.. تحول رقمي فرضه نقص السيولة
- عودة عمليات نقل النفط عبر هرمز رغم المخاطر الأمنية
- الحرب تخنق قناة السويس.. هل يدفع الاقتصاد المصري الثمن الأكب ...
- انخفاض أسعار النفط مع استمرار تدفق الإمدادات رغم جمود المحاد ...
- الذهب يقفز فوق 4100 دولار مع تراجع العملة الأمريكية وتباطؤ ا ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سهام يوسف علي - قتلُ الرسول لا يقتل الرسالة