أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سهام يوسف علي - عندما يصبح الوطن مذهبًا














المزيد.....

عندما يصبح الوطن مذهبًا


سهام يوسف علي

الحوار المتمدن-العدد: 8781 - 2026 / 7 / 29 - 17:03
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لم تقل الفنانة صبا إبراهيم شيئًا جديدًا، بل قالت بصوت مرتفع ما ظل يُبث في الوعي العراقي منذ أكثر من ثلاثة وعشرين عامًا. الجديد ليس التصريح، بل أن الطائفية لم تعد حكرًا على السياسي أو رجل الدين أو الخطيب، بل أصبحت تتسلل إلى الفن، وإلى الثقافة، وإلى الحياة اليومية، حتى صار بعض الناس يتحدث عن التعايش وكأنه امتياز يُمنح للمشابهين، لا حقًا طبيعيًا للمواطنين.
أن تقول: "لا أستطيع التعايش مع من لا يؤمن بولاية الإمام علي"، فهذه ليست جملة دينية بقدر ما هي جملة سياسية واجتماعية، لأنها لا تتحدث عن علاقة الإنسان بربه، بل عن علاقته بالناس. إنها تعيد تعريف المجتمع على أساس الفرز العقدي، وتجعل الاختلاف سببًا لعدم صلاحية الآخر للحياة المشتركة.
وهنا يكمن الخطر.
فالدين علاقة بين الإنسان وربه، أما الوطن فهو علاقة بين الإنسان والإنسان. وما إن يصبح الانتماء المذهبي شرطًا للتعايش، حتى يفقد الوطن معناه، ويتحول إلى تجمعات متجاورة لا يجمعها إلا الخوف والريبة.
بعد عام 2003، كان العراقيون يحلمون بدولة المواطنة، بدولة يكون فيها القانون هو الهوية، والكفاءة هي معيار التقدم، والدستور هو المرجعية العليا. لكن الذي حدث هو العكس؛ فقد جرى استبدال سؤال: "ماذا تستطيع أن تقدم للعراق؟" بسؤال آخر أكثر قسوة: "من أنت؟ وما مذهبك؟"
ومنذ ذلك اليوم، أخذت الطائفية تتمدد بهدوء. بدأت في السياسة، ثم تسربت إلى الوظيفة، ثم إلى التعليم، ثم إلى الإعلام، واليوم نراها تصل إلى الفن. وكأن العدوى لم تعد تكتفي بالمؤسسات، بل أصبحت تبحث عن العقول.
المؤلم أن مثل هذا الخطاب لا يصدر من قائد ميليشيا يخوض معركة، ولا من سياسي يبحث عن أصوات انتخابية، بل من فنانة يُفترض أن يكون الفن بالنسبة إليها مساحة يتلاقى فيها المختلفون، لا منصة لإعادة رسم حدود الانقسام. فالفن، عبر التاريخ، كان اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع، لأنه يخاطب الإنسان قبل أن يخاطب هويته. أما حين يبدأ الفن بفرز الناس على أساس معتقداتهم، فإنه يفقد رسالته، ويتحول إلى صدى لخطاب سياسي استهلك البلاد.
إن أخطر ما في الطائفية أنها لا تبدأ برصاصة، بل بجملة. لا تبدأ بحاجز كونكريتي، بل بحاجز نفسي. لا تبدأ بإعلان الحرب، بل بإقناع الناس أن المختلف لا يصلح للعيش معهم. وما إن تستقر هذه الفكرة في الوعي، حتى تصبح كل أزمة قابلة للتحول إلى صراع، وكل اختلاف مشروع خصومة.
لقد دفع العراقيون ثمنًا باهظًا لهذا المنطق. مدن دُمِّرت، وعائلات تمزقت، وملايين هُجِّروا، وأجيال كبرت وهي تتعلم أسماء الطوائف أكثر مما تتعلم أسماء الأوطان. وكان يفترض أن تكون هذه التضحيات درسًا نهائيًا، لا أن تعود إلينا الفكرة نفسها بثوب جديد، وعلى لسان شخصيات عامة.
المفارقة المؤلمة أن الذين يتحدثون عن رفض التعايش لا يدركون أنهم يعيشون أصلًا بفضل التعايش. فالطبيب الذي يعالجهم، والمهندس الذي يبني بيوتهم، والأستاذ الذي يعلّم أبناءهم، والجندي الذي يحرس الحدود، لا يُسأل أحد منهم عن مذهبه قبل أن يؤدي واجبه. الدولة لا تقوم بالمذاهب، بل بالمواطنين.
إن الوطن ليس طائفة كبيرة، وليس مذهبًا واسعًا، وليس جماعة مغلقة. الوطن هو المكان الذي يحمي حقك في أن تؤمن بما تشاء، كما يحمي حق غيرك في أن يؤمن بما يشاء، دون أن يتحول الاختلاف إلى مبرر للكراهية أو الإقصاء.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يؤرق الجميع: إذا كان كل عراقي لا يستطيع التعايش إلا مع من يشبهه، فمن الذي سيبقى ليحمل اسم العراق؟ وهل نريد وطنًا يتسع للجميع... أم طوائف تبحث كل واحدة منها عن وطنها الخاص؟



#سهام_يوسف_علي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لم يُهدر المال العام أولاً بل أُهدرت أدوات حمايته
- حين يفاوض العراق من موقع الضعف
- القائمة الرمادية وكلفة الامتثال في العراق: من يتحمل المسؤولي ...
- تخفيض العملة لن ينقذ الاقتصاد العراقي: قراءة في مفارقة العجز ...
- تصفية وخصخصة المؤسسات الحكومية المثقلة بالديون.. سياسة عالية ...
- في ضوء تصريح وزير الخارجية حول طباعة 25 ترليون دينار… قراءة ...
- هل يمكن للعراق تطبيق تجربة كوريا الجنوبية والهند في دعم رياد ...
- الفرق بين القراءة الاقتصادية والتحليل الاقتصادي
- التفسير الفني لا يكفي: ما الذي يحدث للدولار النقدي في العراق ...
- العراق أمام مفترق مالي: جراحة مؤلمة أم استنزاف صامت؟
- قراءة لمؤشرات أسعار المستهلك (CPI)
- قراءة لمؤشرات أسعار المستهلك (CPI) الصادرة عن الجهاز المركزي ...
- اقتصاد إيران في زمن الحرب: بين إدارة الندرة وإعادة تشكيل قوا ...
- هل يمكن أن يصل سعر النفط إلى 200 دولار للبرميل؟
- تعطل الاستيراد واختناق السيولة
- التقاعد المؤقت.. حين تستدعي أزمات 2026 قوانين 1987
- حين يُستبدل العقل بالتقديس: زهراء الساعدي وخطاب الغلو السياس ...
- المفاضلة بين تخفيض سعر الصرف وتخفيض الامتيازات: الأولويات وا ...
- لماذا لا يوجد «مارك كارني عراقي»؟ النظام المحاصصي وأزمة إنتا ...
- بين تحذيرات ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي وخطاب الطمأنة الحك ...


المزيد.....




- تاريخ موجز لإنحسار الوجود المسيحي المعاصر في العراق
- الشيخ عكرمة صبري: جيش الاحتلال يستغل الأعياد اليهودية للانقض ...
- مصر.. الأزهر يصدر فتوى حاسمة بعد -مذابح- الأشجار
- قطر تلبي النداء.. جنازة مهيبة لداعية كندي اعتنق الإسلام وعاش ...
- بن لادن القادم بينما يحيي العالم الذكرى الخامسة والعشرين له ...
- حول كذبة -سلاح العقيدة والمذهب-!
- بين الدعم الرسمي وحملات الإلغاء السلفية: حفل أصالة في دمشق ي ...
- -محاربونا يقاتلون ثيوقراطية إسلامية-.. هيغسيث يربط حرب إيران ...
- قضايا الانتخابات البلدية – مع مريم سالم حزب البيئة وماجدة أي ...
- فضيحة قبل مباراة ريال مدريد وإنتر.. هتافات عنصرية ضد الإسلام ...


المزيد.....

- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سهام يوسف علي - عندما يصبح الوطن مذهبًا