أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضحى عبدالرؤوف المل - لا تكبري قبل أن تقرئي هذا














المزيد.....

لا تكبري قبل أن تقرئي هذا


ضحى عبدالرؤوف المل

الحوار المتمدن-العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 11:58
المحور: الادب والفن
    


إلى حفيدتي التي تنظر أحياناً إلى أبيها ولا ترى إلا قسوته...
يا صغيرتي، أعرف أن في قلبك أسئلة كثيرة عن أبيك. أعرف أنك أحياناً تشعرين أن صوته أعلى مما يجب، وأن كلماته أقسى مما تحتملين، وأنك تتمنين لو أنه اقترب منك كما يقترب الضوء من الزهرة، لا كما تقترب الريح القوية من الغصن. وأعرف أن قلبك الصغير قد يقول لك أحياناً لماذا لا يفهمني؟ لماذا لا يراني؟ لماذا يطلب مني الكثير ولا يقول لي ما أحتاج أن أسمعه؟ وهذه الأسئلة ليست خطأ، يا ابنتي، بل هي دليل على أن قلبك يبحث عن الحب بالطريقة التي يعرفها. لكنني أريد أن أطلب منك شيئاً واحداً لا تنظري فقط إلى اليد التي تشد عليك، انظري أيضاً إلى القلب الذي قد يكون خلفها خائفاً من أن يتركك تسقطين.

يا حفيدتي، ستكبرين يوماً وستكتشفين أن الإنسان ليس وجهاً واحداً. قد ترين في أبيك الرجل الصارم، الرجل الذي يضع القوانين، الرجل الذي يرفض الأعذار، الرجل الذي يريد منك أن تكوني قوية حتى عندما كنت تحتاجين إلى أن تكوني محتضنة. لكن ربما ستكتشفين خلف هذا الوجه رجلًا حمل مخاوف كثيرة ولم يعرف كيف يضعها في كلمات. هناك رجال تربوا على أن الحب لا يُقال، بل يُفعل. تعلموا أن يوفروا، أن يعملوا، أن يحاربوا، أن يقفوا أمام العاصفة، لكنهم لم يتعلموا دائماً كيف يجلسون بجانب من يحبون ويقولون له "أنا خائف عليك، أنا فخور بك، أنا أحبك." أحياناً يكون الإنسان فقيراًفي لغة التعبير، لا فقيراً في المحبة.

لا أريدك يا صغيرتي أن تظني أن كل قسوة هي حب، أو أن كل جرح يجب أن نقبله بحجة النية الطيبة. فالقلوب تحتاج إلى الرحمة، والكلمات لها أثر، والإنسان مسؤول عن الطريقة التي يعامل بها من يحب. لكنني أريدك أيضاً ألا تحكمي على أبيك من أسوأ لحظاته فقط. لا تختزلي عمراًكاملًا في لحظة غضب، ولا تختصري إنساناً في كلمة قالها وهو متعب. الإنسان أكبر من أخطائه، كما أنه أكبر من نجاحاته. نحن جميعاً نحمل داخلنا أجزاء لم يفهمها الآخرون. ربما أنت ترين الأب الذي منعك من شيء، لكنه يرى نفسه الأب الذي حاول أن يحميك من شيء آخر.

يا ابنتي، تذكري أن والدك لم يولد أباً. كان طفلًا مثلك يوماً. كان له خوفه وأحلامه وجرحه الخاص. ربما في طفولته لم يسمع كلمات كان يحتاج إليها، وربما تعلم أن الحياة لا تعطي شيئاً بسهولة، فقرر أن يعلمك الصلابة قبل أن يعلمك الراحة. قد يكون أخطأ في الطريق، لكنه ربما كان يبحث عن مكان آمن لك في عالم يراه قاسياً. بعض الآباء يظنون أن بناء الجدار حول أبنائهم هو الحماية، ثم يكتشفون متأخراً أن الأبناء كانوا يحتاجون باباً يدخلون منه إلى قلوبهم.

لقد رأيت في الحياة يا حفيدتي كثيراً من الآباء الذين حصلوا على كل شيء إلا لحظة قريبة مع أبنائهم. عملوا، نجحوا، بنوا، جمعوا، ثم في لحظة صمت سألوا أنفسهم هل عرف أولادي أنني فعلت كل هذا لأنني أحبهم؟ وهل عرفوا أن خوفي عليهم كان أحياناً أكبر من قدرتي على التعبير؟ لا تجعلي أباك يصل إلى تلك اللحظة وحيداً. اقتربي منه أحياناً بطريقة لا ينتظرها. اسأليه عن تعبه، لا فقط عن أخطائه. قولي له ما تحتاجينه بدل أن تنتظري منه أن يخمن. فحتى الآباء يحتاجون أن يتعلموا، وحتى الأقوياء يحتاجون من يمسك بأيديهم.

يا حفيدتي، لا تجعلي العلاقة بينك وبين أبيك محكمة يكون فيها أحدكما قاضياً والآخر متهماً. اجعليها حواراً بين إنسانين: ابنة تحاول أن تُحب بطريقة مفهومة لها، وأب يحاول أن يحب بطريقة تعلمها من الحياة. قولي له: "أبي، أنا أعرف أنك تريد لي الخير، لكنني أحتاج أحياناً إلى أن أشعر بهذا الخير لا أن أسمعه فقط." هذه الجملة قد تفتح باباً ظل مغلقاً سنوات. فالناس لا يتغيرون دائماً عندما نلومهم، بل عندما نساعدهم على رؤية أثرهم في قلوبنا.

وتذكري يا صغيرتي أن الحب ليس أن نتفق دائماً. أحياناً يكون الحب أن نختلف دون أن نكسر بعضنا. قد يأتي يوم تفهمين فيه بعض الأشياء التي لم تفهميها الآن. قد تنظرين إلى أبيك فتكتشفين أن بعض ما اعتبرته قسوة كان خوفاً، وأن بعض صمته كان تعباً، وأن بعض شدته كانت محاولة لحمايتك من عالم خاف هو نفسه منه. لكن لا تنتظري مرور السنوات لتكتشفي ذلك. حاولي أن تري الإنسان وهو أمامك، لا بعد أن يصبح ذكرى.

وفي النهاية يا حفيدتي، أريدك أن تعرفي أن والدك ليس بطلًا كاملًا ولا رجلًا قاسياً فقط. إنه إنسان يحمل النور والظل معاً، كما نحمل جميعاً. سامحيه حيث يحتاج إلى السماح، وواجهيه حيث تحتاجين إلى أن تُسمعي، وأحبيه دون أن تفقدي نفسك. لا تسمحي للألم أن يحول قلبك إلى حجر، ولا تسمحي للغضب أن يمحو كل اللحظات الجميلة. فربما كان أكثر ما يحتاجه أبوك ليس أن يعرف أنك تخافين منه، بل أن يعرف أنك ما زلت ترينه.

يا حفيدتي، سيأتي يوم تفهمين فيه أن أعظم هدية يمكن أن يمنحها إنسان لإنسان آخر ليست المال ولا النصائح، بل القدرة على رؤية قلبه. فانظري إلى قلب أبيك، كما أتمنى أن ينظر هو يوماً إلى قلبك. فقد يكون بينكما من الحب أكثر مما تظنان، لكنه يحتاج فقط إلى كلمة صادقة، ونظرة رحيمة، ويد تمتد قبل أن يصبح الندم هو اللغة الوحيدة المتبقية.



#ضحى_عبدالرؤوف_المل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يتكلم الفقر بلغة لا يفهمها الحب
- ماذا سيبقى منك لو نُزعت عنك ألقابك
- دراما الحياة اليومية بين التحديات الداخلية والخارجية
- يا حفيدي، كيف استطاعت كلمة عابرة أن تصنع جرحاً لا يشبه حجمها ...
- إلى ابني في عيده الثامن والثلاثين
- هناك من بقي يحتفظ بنسختي القديمة عندما بدأت أنا نفسي أن أفقد ...
- متى أصبحنا نحن الحكاية التي كانت العجائز يبكين عليها دون أن ...
- رحلة درامية رمزية مع المداح الجزء الأخير
- لماذا يؤذي البشر بعضهم أكثر مما يحبون؟
- مأزق تشومسكي بين فضح السلطة وإعادة اختراعها في الاستياء العا ...
- في عيدكِ التاسع والثلاثين يا ابنتي..
- نقد -اختبار النحل 90-في كتاب بين الوحي والتأويل
- حين صارَ الطفلُ أباً… وبقيتُ أراهُ أبي الذي أركض نحوه
- من قال إن الثروة تصنع إنساناً أكبر؟
- رحلة كشفٍ اجتماعي وفلسفي عن طبيعة المجتمع نفسه
- دان براون وتحويل القراءة إلى فعل شكّ.
- هل يولد التمرد من معرفة العالم أم من القدرة على التخلي عنه؟
- هل يبدأ الإنسان حياة جديدة بعد النجاة من الموت ؟
- التنمّر غير المرئي بوصفه بنية لغوية لإدارة الانحراف لا إنهائ ...
- نَبْضُ الأُمَم بين الإيقاع والوجود


المزيد.....




- نسيان اللغة الثانية بسبب الخرف يؤثر علي رعاية المسنين
- ندى يافي: -في فرنسا تعرضت اللغة العربية للتشويه ووصفت بأنها ...
- مصر.. تامر حسني يعلن وفاة والده الفنان المعتزل حسني شريف
- كارول سماحة تطلق كليب -يا حظي-.. وتدخل عصر الذكاء الاصطناعي ...
- كيجي.. عمارة خشبية صُنعت بالفأس واشتهرت ببنائها -من دون مسام ...
- الناطور ينفي والخاني يطالب بتوضيحات.. جدل في الوسط الفني الس ...
- متحف الإرميتاج يحصل على حماية قانونية لاسمه كعلامة تجارية مش ...
- الموت يفجع الفنان تامر حسني
- حين يتحول الخشب إلى حياة.. منحوتات ستيبان إرزيا في معرض تريت ...
- فيلم -الأوديسة-.. هذا هو موقع تصوير الملحمة السينمائية في اس ...


المزيد.....

- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضحى عبدالرؤوف المل - لا تكبري قبل أن تقرئي هذا