أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضحى عبدالرؤوف المل - متى أصبحنا نحن الحكاية التي كانت العجائز يبكين عليها دون أن ندري؟















المزيد.....

متى أصبحنا نحن الحكاية التي كانت العجائز يبكين عليها دون أن ندري؟


ضحى عبدالرؤوف المل

الحوار المتمدن-العدد: 8740 - 2026 / 6 / 18 - 16:19
المحور: الادب والفن
    


صديقتي ... يا ابنة الطريق الذي سار بمحاذاة طريقي حتى التبس على العمر أيُّ الخطين كان خطي وأيهما كان خطك، أخبريني بربك. متى حدث كل هذا؟ متى تحولت تلك الطفلتان اللتان كانتا تركضان بين البيتين كعصفورين أفلتا من يد الربيع إلى امرأتين تجلسان الآن على ضفتي الستين تنظران إلى النهر ذاته الذي جرف سنواتهما دون أن تسمعا هديره؟ أحياناً أستيقظ فجراً وأشعر أنني ما زلت أنتظر جرس المدرسة، وأن حقيبتي ما زالت معلقة خلف الباب، وأنك بعد دقائق ستنادينني من الشارع فنمضي معاً ونحن نتظاهر بالجدية فيما كانت الدنيا كلها مجرد لعبة كبيرة لا أكثر. ثم أنظر إلى المرآة فأرى على وجهي خرائط لا أتذكر أنني رسمتها، وأرى في شعري شتاءات كثيرة لم أستأذنها كي تنزل فوق رأسي، فأدرك أن العمر لم يمر بنا كما تمر الأيام، بل مر بنا كما تمر العواصف، لا نشعر بها وهي تعبر، لكننا نرى آثارها فجأة في كل شيء.

أتذكرين أول يوم جلسنا فيه على المقعد نفسه؟ لا أتذكر الدرس ولا اسم المعلمة ولا حتى لون الجدران، لكنني أتذكر إحساساً غريباً يشبه الأمان. كأن الحياة قالت لي يومها بهدوء: لا تخافي، لن تسيري هذا الطريق وحدك. ومنذ ذلك اليوم ونحن نسير. عبرنا امتحانات ظننا أنها مصيرية ثم نسينا أسئلتها كلها. بكينا لأسباب كنا نظن أنها نهاية العالم ثم ضحكنا منها بعد أشهر. كبرنا ونحن نعتقد أن المستقبل يقف بعيداً جداً خلف الأفق، ولم يخطر ببالنا أبداً أن ذلك المستقبل كان يركض نحونا بالسرعة نفسها. كم هو غريب أن الإنسان لا يتذكر معظم ما تعلمه في المدرسة، لكنه يتذكر دائماً الشخص الذي جلس إلى جواره وهو يتعلم الحياة دون أن يدري.

ثم جاءت سنوات الشباب، تلك السنوات التي كنا نظن أننا نملكها بينما كانت هي التي تملكنا. كانت الأيام واسعة كحقول القمح، وكانت الأحلام أكبر من المدن وأكبر من الخرائط وأكبر من قدرتنا على الفهم. كنا نقف عند النوافذ ونتحدث عن المستقبل كما يتحدث الملوك عن ممالك لم يفتحوها بعد. لم نكن نعرف أن الحياة ليست ذلك الطريق المستقيم الذي رسمناه على دفاترنا، بل متاهة جميلة وقاسية في الوقت نفسه. ومع ذلك، ورغم كل الانعطافات، بقي هناك شيء واحد لم يتغير وهو أنني كلما التفتُّ لأرى من بقي من زمن البدايات، كنت أجدك. ربما لهذا السبب لا أشعر أن صداقتنا تشبه العلاقات الأخرى. إنها لا تبدو لي حدثاً في حياتي، بل تبدو لي جزءاً من تكويني، مثل الذاكرة أو مثل نبض القلب.

أحياناً أتساءل يا صديقتي ماذا كان سيحدث لو انتقلت إحدى العائلتين إلى مدينة أخرى ونحن صغيرتان؟ ماذا لو افترق الطريق عند تلك النقطة المبكرة؟ هل كانت حياتي ستبقى هي نفسها؟ نحن غالباً نعتقد أن حياتنا تتشكل من القرارات الكبرى، لكنني صرت أؤمن أن مصائرنا كثيراً ما تتشكل من التفاصيل التي لا ننتبه إليها. بيتان متجاوران. مقعدان في صف واحد. طريق قصير إلى المدرسة. زيارة عابرة بعد الظهر. ضحكة مشتركة. سر صغير لا يعرفه أحد. هذه الأشياء التي بدت تافهة يومها أصبحت الآن أعمدة ذاكرتي كلها. وكلما تقدمت في العمر ازداد يقيني بأن الإنسان لا يبنيه ما يحققه فقط، بل يبنيه أيضاً من يشاركه الطريق أثناء تحقيقه.

واليوم، ونحن في هذا العمر الذي يبدأ فيه الناس بجردة الحساب الكبرى، أكتشف شيئاً لم أفهمه جيداً من قبل. أكتشف أن الزمن لا يسرق الأشخاص دفعة واحدة، بل يسرق المراحل. يسرق الحي القديم أولاً، ثم الوجوه المألوفة، ثم الأصوات التي كانت تملأ الأمسيات، ثم الأماكن التي كانت تعرف أسماءنا. وفجأة نجد أنفسنا واقفين وسط عالم ما زال يشبه عالمنا قليلاً لكنه ليس هو تماماً. وفي تلك اللحظات أشعر بامتنان عميق لأن هناك شخصاً واحداً على الأقل لا أحتاج أن أشرح له من كنت. شخصاً يعرف النسخة الأولى مني قبل أن تعيد الحياة كتابتي مرات كثيرة. شخصاً يتذكرني حين كنت مجرد فتاة صغيرة تضحك بلا سبب واضح، لا امرأة تحمل على كتفيها كل هذه الأعوام.

هل تعلمين ما الذي يخيفني أكثر من الشيخوخة نفسها؟ ليس التجاعيد ولا الشيب ولا تعب الجسد. ما يخيفني هو أن ينسى الإنسان فجأة حجم النعمة التي عاش داخلها. أن يعتاد وجود الأشياء الجميلة حتى يظن أنها أبدية. لهذا أكتب إليك اليوم. لأنني لا أريد أن أكتشف متأخرة أنني لم أقل لك ما يجب أن يقال. الحياة علمتني أن الكلمات المؤجلة كثيراً ما تتحول إلى ندم. وأن المشاعر التي لا تُقال تبقى معلقة في الروح مثل رسائل لم تصل إلى أصحابها. ولذلك أريدك أن تعرفي أن وجودك في حياتي لم يكن تفصيلاً صغيراً أبداً. لقد كنت شاهدة على معظم فصول عمري، ورفيقة صامتة لكثير من التحولات التي صنعتني.

وأحياناً أتخيل أننا نجلس الآن على مقعد المدرسة القديم نفسه. لا أحد حولنا. لا امتحانات ولا التزامات ولا سنوات ثقيلة. مجرد طفلتين تتحدثان عن الغد. فأبتسم لأنني أعرف شيئاً لم تكن تلك الطفلتان تعرفانه. أعرف أن الغد سيأتي أسرع مما تتوقعان. وأن بعض الأحلام سيتحقق وبعضها سيتبدد. وأن الفرح سيزوركما مرات كثيرة والحزن أيضاً. وأن العالم لن يكون عادلاً دائماً. لكنني أعرف شيئاً آخر أكثر أهمية وهو أني أعرف أن الصداقة الحقيقية قادرة على النجاة من كل ذلك. قادرة على عبور العقود كما تعبر الأشجار العتيقة الفصول المتعاقبة دون أن تفقد جذورها.

وحين أنظر إلى الستين من هذه المسافة، لا أراها رقماً مخيفاً كما يصورها الناس. أراها شرفة عالية نقف عليها لنرى المشهد كاملاً. من هنا تبدو السنوات كلها مرئية دفعة واحدة. الطفولة هناك تلوح لنا بيدها الصغيرة. والمراهقة تضحك من بعيد. والشباب يركض بلا توقف. ومنتصف العمر يحاول ترتيب الفوضى. أما نحن فنقف هنا وننظر إليهم جميعاً بمحبة ودهشة. وأدرك أن أجمل ما في العمر ليس أنه يضيف سنوات إلى حياتنا، بل أنه يكشف لنا تدريجياً قيمة الأشياء التي كنا نمر بها دون انتباه. وأنت واحدة من أثمن تلك الأشياء التي كشفها الزمن لي.

لهذا كله أكتب إليك الآن، لا لأن مناسبة ما فرضت عليَّ الكتابة، بل لأن القلب أحياناً يمتلئ حتى يصبح الصمت شكلاً من أشكال الجحود. أكتب إليك لأنني كلما فكرت في الطريق الطويل الذي قطعناه معاً أشعر أننا لسنا مجرد صديقتين، نحن أرشيف كامل من الضحكات والأسرار والخيبات والانتصارات الصغيرة. نحن شاهدتان على نسخ متعددة من أنفسنا مات بعضها ونجا بعضها الآخر. نحن الدليل الحي على أن بعض العلاقات لا تعيش لأنها قوية فقط، بل لأنها صادقة بما يكفي لتتجاوز تغير الزمن نفسه.

فإذا سألتني اليوم ما الذي بقي بعد كل هذه العقود، فلن أقول البيوت ولا الشوارع ولا الصور القديمة ولا حتى الذكريات وحدها. سأقول: بقي ذلك الخيط الخفي الذي بدأ بين طفلتين تسيران إلى المدرسة، وما زال ممتداً حتى الآن بين امرأتين تنظران إلى العمر بعينين أكثر حكمة وأشد امتناناً. وبقي السؤال الذي يزلزلني كلما فكرت فيه يا فوزية وهوهل كنا نعرف حقاً، ونحن نعبر سنواتنا الأولى بخفة العصافير، أننا نصنع واحدة من أجمل قصص الوفاء التي سترافقنا حتى آخر الطريق؟
طرابلس- لبنان -الخميس في 18 حزيران 2026 الساعة الواحدة ظهراَ



#ضحى_عبدالرؤوف_المل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رحلة درامية رمزية مع المداح الجزء الأخير
- لماذا يؤذي البشر بعضهم أكثر مما يحبون؟
- مأزق تشومسكي بين فضح السلطة وإعادة اختراعها في الاستياء العا ...
- في عيدكِ التاسع والثلاثين يا ابنتي..
- نقد -اختبار النحل 90-في كتاب بين الوحي والتأويل
- حين صارَ الطفلُ أباً… وبقيتُ أراهُ أبي الذي أركض نحوه
- من قال إن الثروة تصنع إنساناً أكبر؟
- رحلة كشفٍ اجتماعي وفلسفي عن طبيعة المجتمع نفسه
- دان براون وتحويل القراءة إلى فعل شكّ.
- هل يولد التمرد من معرفة العالم أم من القدرة على التخلي عنه؟
- هل يبدأ الإنسان حياة جديدة بعد النجاة من الموت ؟
- التنمّر غير المرئي بوصفه بنية لغوية لإدارة الانحراف لا إنهائ ...
- نَبْضُ الأُمَم بين الإيقاع والوجود
- هل الإنسان يستطيع أن يبدع وهو مقيد بالقيم الأخلاقية الصارمة؟
- هل نقرأ الرواية لنرى العالم كما هو أم لنخلق لأنفسنا عالماً ي ...
- سينما تُصنع لأن ثمة ما يجب قوله، وسينما تُنتَج لأن ثمة ما يم ...
- سرديات أدب المراهقة في دراما Girl Taken
- هل منحنا جون غرين مفاتيح شخصياته في رواية البحث عن ألاسكا؟
- الإنسان حين يُسلب من كل شيء ويظل حيّاً
- صياغة حبكة بصرية تُغيّر الوعيّ بين أني ألبرز وجبران طرزي


المزيد.....




- لماذا كانت الفرنسية هي اللغة السائدة في روسيا؟
- رحيل جيمس بوروز.. مخرج أسطوري صنع ضحكة -الأصدقاء-
- روسيا تعتمد برنامجا لتدريس اللغة العربية في المدارس اعتبارا ...
- سوريا.. الفنان نوار بلبل يقود حراكا شعبيا بمنطقة الصالحية دع ...
- اكتشاف مخطوطات موسيقية جديدة لموزارت في المكتبة الوطنية ببار ...
- الشيخ نعيم قاسم: نواجه كل أنواع التبعية السياسية والثقافية ...
- تعاون روسي صيني لإنتاج فيلم -الحلفاء-
- أصل اللغة الإنسانية: هل هي هبة إلهية أم اختراع بشري؟
- افتتاح معرض -إفريقيا المتلاشية- للمصور والطيار الروسي كازيمي ...
- محاكمة عاجلة لسائق متهم بقتل فنان مصري شهير


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضحى عبدالرؤوف المل - متى أصبحنا نحن الحكاية التي كانت العجائز يبكين عليها دون أن ندري؟