|
|
في عيدكِ التاسع والثلاثين يا ابنتي..
ضحى عبدالرؤوف المل
الحوار المتمدن-العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 10:04
المحور:
الادب والفن
في عيدكِ التاسع والثلاثين يا ابنتي... في عيدكِ التاسع والثلاثين يا ابنتي، أكتب إليكِ لا كأمّ فقط، بل كامرأة عاشت دهشتين معاً دهشة الولادة، ودهشة الزمن. لأنني حين أنجبتكِ، لم أكن أعلم أنني لا ألد طفلة فحسب، بل ألد حياة كاملة ستعيد تشكيل قلبي، وتعيد ترتيب خوفي، وتعيد تعريف الأمومة داخلي مرة بعد مرة. جئتِ إلى الدنيا في عالم كان غريباً عليّ بقدر ما كان طبيعياً لغيري. أنا ابنة مدينة تربّت على أصوات الإسفلت، وعلى ضجيج الشرفات العالية، وعلى المدارس التي تشبه الساعات الدقيقة، بينما كان والدكِ ابن ريف يعرف أسماء الأشجار أكثر مما يعرف أسماء الشوارع، ويقرأ الفصول من لون التراب لا من نشرات الطقس. وحين حملتكِ بين يديّ أول مرة، شعرت أنني أقف على حافة قفزة زمنية لا مجرد انتقال جغرافي، كأنني خرجت من زمن ودخلت آخر. كنت أخاف عليكِ من الريف لأنني لم أفهمه، وأخاف عليكِ من المدينة لأنني أعرفها جيداً. وبين خوفين، صنعتُ لكِ حضناً أكبر من المكانين معاً. كبرتِ قليلًا، لكنني لم أكبر عنكِ يوماً. كنتِ طفلة تجعلني أراقب أنفاسها كأنها موسيقى سرّية. وعندما دخلتِ المدرسة، لم أدخلكِ إليها ثم أعود، بل شعرت أنني أنا التي دخلت عالماً جديداً معكِ. كانت مدارس الريف بالنسبة لي مثل لغة لا أجيدها، وكانت ضحكات الأطفال هناك مختلفة، أكثر تراباً، أكثر عفوية، أقل خوفاً من الحياة. كنتِ تمسكين يدي الصغيرة داخل يدكِ الصغيرة، دون أن تعرفي أنني أنا التي كنت أختبئ بكِ من الغربة. لم أستطع الابتعاد عنكِ إلا وقت الحصص، وحتى تلك الساعات كانت طويلة عليّ كأن الزمن يتعمّد اختبار أمومتي. كنتِ عمري كله، لا ابنتي فقط. كنتِ ونساً واسمحي لي تكرارها كنتِ ونساً ...كنتِ ونساً... يشبه كتاباً مفتوحاً، أتعلم منه كيف تُربّى الأرواح لا الأجساد، وكيف يمكن لطفلة أن تجعل أمّها ترى العالم أكثر نقاءً. كنتِ النافذة التي أطلّ منها على ضحكات الأولاد، وعلى البراءة وهي تمشي على قدمين. ثم جاءت المراهقة، وجاء معها ذلك السرّ الذي لم أفهمه تماماً وهو الحب. رأيتكِ تتحولين أمامي إلى شيء يشبه قطعة سكاكر غامضة، إن اقترب منها أحد شعر بحلاوة تسري في عروقه حتى التخدير، وإن ابتعد بقي شكلها وحده كافياً لإيقاظ الشغف. لم أفهم كيف استطاعت ابنتي الصغيرة أن تصبح امرأة تحمل هذا الوهج كله في عينيها. كنتِ تضحكين فأشعر أن البيت صار أخف وزناً، وتغضبين فأشعر أن الجدران نفسها تتبدّل. كنتِ تشبهين والدكِ في عنادكِ، ثم تفاجئينني بأنكِ تشبهينه جداً في كل شيء. كنتِ مزيجاً لا يمكن تفسيره من رقة المدينة التي أخافها، وصلابة الريف التي كنت أجهلها. وربما لهذا السبب كنتِ دائماً عصيّة على الفهم الكامل، كأن الله ترك فيكِ جزءًا غامضاً حتى تبقي في قلوبنا إلى الأبد. واليوم، وأنتِ على أبواب التاسعة والثلاثين، أراكِ تقفين في زمن جديد لا يشبه المدينة التي خرجتُ منها، ولا الريف الذي دخلته. زمن المال، والعمل، والاجتماعات، والهواتف التي لا تنام، والعالم الذي يسمونه البزنس كأنه دين جديد يبتلع الوقت والأعمار. أراكِ تركضين كثيراً حتى نسيتِ أحياناً أن تنظري إلى روحكِ. صرتِ امرأة تعرف كيف تدير الأرقام، لكنها تنسى أحياناً أن تعدّ نصيبها من الفرح. وهذا أكثر ما يخيفني عليكِ وهو أن تنجحي كثيراً لدرجة تنسين فيها نفسكِ. لأن الدنيا يا ابنتي لا تُقاس فقط بما نملكه، بل بما يبقى في قلوبنا حيًّا رغم التعب. أخاف أن يتحول قلبكِ إلى مكتب مزدحم، وأن تؤجّلي راحتكِ حتى يأتي يوم لا تجدين فيه الوقت لتعيشيها. أعرف أنكِ تداوين بُعدكِ عن نفسكِ بمشاكستي. أراكِ أحياناً تريدينني، ثم تبتعدين كأنكِ تخافين من شدّة حاجتكِ إليّ. وهذا طبيعي يا ابنتي. كل النساء يكبرن وداخلهن طفلة تريد أن تعود إلى حضن أمها ولو لدقيقة واحدة. حتى وأنتِ أمّ، وحتى وأنتِ امرأة تعرف كيف تواجه العالم، ما زال فيكِ ذلك الوجه الصغير الذي كان يلتفت نحوي قبل النوم ليتأكد أنني ما زلت هنا. وأنا هنا فعلًا، حتى حين لا أقول شيئاً. الأمومة ليست كلمات تُقال، بل حضور طويل لا يغادر. ربما لهذا أحبكِ بطريقة تكاد تؤلمني. أكاد أضمكِ في كل ثانية، لكنني أفعل ذلك اليوم عبر ابنتيكِ، عبر ملامحهما التي تسرّبت منكِ إليهما كأن الجينات لا تنقل الشكل فقط، بل تنقل الحنين أيضاًوعبر ذلك الشاب الذي يسكنك وكأنك أنت عبره تكبرين مجدداَ أمامي. وحين أنظر إلى حفيدتَيّ، أشعر أن الله أعادكِ إليّ مرتين. لم أكن أعلم يوم ولادتكِ أنكِ ستُولدين ثلاث مرات: مرة حين خرجتِ منّي طفلة، ومرة حين أصبحتِ أمًّا، ومرة حين رأيتُ في ابنتيكِ انعكاسكِ الحنون والمشاغب والعنيد. وما أغلاهنّ عليّ، ليس لأنهن حفيدتاي فقط، بل لأنني أراكِ تسيرين فيهما من جديد. أحياناً تضحك إحداهما فأسمع صوتكِ القديمة، وأحياناً تغضب الأخرى فأرى في عينيها تلك النظرة التي كنتِ ترمينني بها حين ترفضين أوامري. عندها أفهم أن الزمن لا يمضي فعلًا، بل يكرر نفسه بوجوه جديدة. وأن العائلة ليست سلسلة أعمار، بل سلسلة أرواح تسلّم الحب لبعضها البعض حتى لا ينطفئ. يا ابنتي، الحياة ستستمر في سحبكِ نحو الخارج أي نحو العمل، والالتزامات، والناس، والنجاحات التي لا تنتهي. لكن حاولي دائماً أن تعودي إلى الداخل، إلى تلك الفتاة التي كانت تضحك لأسباب صغيرة، وتبكي بسرعة، وتحلم بحياة دافئة لا بحياة مثالية. لا تسمحي للعالم أن يقنعكِ بأن القوة تعني القسوة، أو أن الاستقلال يعني الوحدة، أو أن النجاح يعني أن تحملي كل شيء وحدكِ. الإنسان لا يُهزم حين يتعب، بل حين يفقد قدرته على الشعور. وأنتِ خُلقتِ بقلب يشعر أكثر مما ينبغي، فلا تخجلي من ذلك أبداً. احتفظي ببعض الفوضى الجميلة داخلكِ، ببعض الطفولة، ببعض الوقت الذي لا يُنتج مالًا لكنه يُنتج روحاً قادرة على الاستمرار. وأريدكِ أن تعرفي شيئاً أخيراً وهو أن الأم لا تنسى النسخة الأولى من أبنائها أبداً. مهما كبرتم، ومهما صار لكم أولاد وأعمال وتجارب، تبقون في داخلها ذلك الكائن الصغير الذي نام يوماً على صدرها مطمئناً. أنا حين أنظر إليكِ اليوم، لا أرى فقط امرأة في التاسعة والثلاثين، بل أرى الطفلة التي كانت تمسك إصبعي خوفاً من الطريق، والمراهقة التي أخفت ارتباك الحب خلف ضحكة طويلة، والأم التي تحاول أن تبدو قوية كي لا ينهار بيتها. أراكِ بكل أعماركِ دفعة واحدة، ولهذا يبدو حبي لكِ بلا نهاية، لأنني لا أحب شخصاً واحداً، بل أحب كل النسخ التي مرّت بكِ وما زالت تعيش داخلكِ. فيا ابنتي، في عيدكِ التاسع والثلاثين، لا أتمنى لكِ مالًا أكثر، ولا نجاحاً أكبر، بل أتمنى أن تصالحي نفسكِ مع العمر، وأن تعرفي أن الحياة ليست سباقاً نخسره إن توقّفنا قليلًا لنحب، أو لنرتاح، أو لنعود إلى أمّهاتنا. أتمنى أن تنظري يوماً إلى المرآة فلا تري امرأة مرهقة من العالم، بل تري تلك المعجزة الصغيرة التي جعلت امرأة مثلي تؤمن أن القلب يمكن أن يُولد أكثر من مرة. لم أعد أتمنى لكِ يا ابنتي حياةً مثالية، لأنني تعلّمت مع العمر أن الحياة الكاملة ليست تلك التي تخلو من التعب، بل تلك التي يبقى فيها القلب قادراً على الحب رغم كل ما مرّ به. ولهذا، وأنا أراكِ اليوم تدخلين عامكِ التاسع والثلاثين، لا أفكر في نجاحاتكِ وحدها، ولا في مسؤولياتكِ، ولا حتى في أمومتكِ التي أرهقتكِ وأغنتكِ في الوقت نفسه، بل أفكر في تلك المرأة التي تسكنكِ بصمت… المرأة التي تحتاج أن تُحب من جديد، لا كواجب، بل كدهشة. لأن الزواج يا ابنتي ليس نهاية الحب كما يظن البعض، وليس المقبرة التي تُدفن فيها المشاعر تحت أكوام المسؤوليات والفواتير والأيام المتشابهة، بل قد يكون، إن انتبهنا له، الجنة الوحيدة التي يستطيع فيها الحب أن يكبر بدل أن يحترق بسرعة. الحب في بداياته يشبه المطر الأول، مفاجئًا، مندفعاً، مليئًا بالارتباك الجميل. لكن الحب الحقيقي لا يُقاس بالبدايات وحدها. البداية يستطيعها الجميع، أما الاستمرار فهو الفنّ الأصعب. كثيرون يحبّون حين تكون الحياة خفيفة، لكن القليل فقط يعرفون كيف يحبّون بعد التعب، وبعد الأطفال، وبعد الخلافات الصغيرة، وبعد الصمت الطويل، وبعد أن يتحوّل الشغف من نار مشتعلة إلى دفء يحتاج إلى من يحافظ عليه. ولهذا أريدكِ أن تكتشفي زوجكِ مرة أخرى، لا كما كان، بل كما صار. فالبشر لا يبقون النسخ نفسها، والزواج الناجح ليس أن نجد الشخص المناسب مرة واحدة، بل أن نعيد التعرّف إلى الشخص نفسه في كل مرحلة من العمر. أحياناً يسرقنا العالم من الذين نحبهم دون أن نشعر. يصبح الزوج شريك مسؤوليات أكثر منه شريك روح، وتصبح الأيام جدولًا مزدحماً بدل أن تكون حياة. المرأة تنشغل بأمومتها، والرجل يختبئ داخل تعبه، ثم يظن الاثنان أن الحب انتهى، بينما الحقيقة أن الحب لم يمت، بل تُرك وحيداً دون عناية. الحب يشبه الحديقة، إن لم نسقه بالكلمات والاهتمام والرحمة، يغزوه الجفاف بصمت. والله سبحانه لم يجعل الزواج مجرد عقد اجتماعي، بل جعله سكينة ورحمة ومودّة، فقال في كتابه الكريم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ صدق الله العظيم. تأملي كلمة لتسكنوا. لم يقل لتعيشوا فقط، بل لتسكنوا. وكأن الزواج الحقيقي ليس بيتاً من حجر، بل مكاناً تهدأ فيه الروح بعد فوضى العالم. يا ابنتي، لا تخجلي من الحب بعد سنوات الزواج. لا تسمحي لأحد أن يقنعكِ أن الرومانسية تخصّ البدايات فقط، أو أن الشوق يليق بالشباب وحدهم. أجمل أنواع الحب ذاك الذي يأتي بعد المعرفة الكاملة، بعد أن يرى الإنسان عيوب الآخر كلها ثم يختار البقاء. الحب في العشرين يشبه الحلم، أما الحب بعد السنوات فيشبه الإيمان، هادئاً، عميقاً، لا يحتاج ضجيجاً ليكون حقيقياً. أعيدي الضحك بينكما، ولو على أشياء سخيفة. أعيدي المشي الطويل، والكلمات الصغيرة، والنظرات التي كانت تكفي يوماً لتفسير العالم كله. لا تجعلا الأبوة والأمومة تسرقان منكما الرجل والمرأة اللذين أحبّا بعضهما أول مرة. أعرف أنكِ تعبتِ. وأعرف أن الحياة العملية جعلتكِ أحياناً أكثر صلابة مما تريدين. لكن لا تحولي نفسكِ إلى امرأة تؤدي الحياة فقط. هناك فرق بين أن نعيش، وأن ندير الحياة كأنها شركة. العالم الحديث علّم الناس كيف يحققون النجاح، لكنه لم يعلّمهم كيف يحافظون على دفء قلوبهم. ولهذا ترى كثيرين يملكون كل شيء إلا الشعور الحقيقي بالأمان. بينما الحب الصادق يمنح الإنسان شيئاً لا يُشترى وهو أن يشعر أن هناك من يعرفه تماماً، ورغم ذلك لا يغادره. والرجل أيضاً يا ابنتي يحتاج أن يشعر أنه محبوب، لا فقط مطلوب منه أن يكون قوياً ومسؤولًا. الرجال يتعبون بصمت أكثر مما نظن، ويخفون هشاشتهم خلف العمل والانشغال. ربما زوجكِ نفسه يحتاج أن يعود إليكِ لا كأمّ لأولاده فقط، بل كامرأة أحبها ذات يوم وشعر معها أن العالم أخفّ. لا أحد يبقى حيًّا من الداخل دون حنان. حتى أقوى البشر يحتاجون كلمة صادقة، ولمسة مطمئنة، وشعوراً بأنهم ما زالوا مرغوبين في قلب أحد. وفي القرآن، لم يكن الحب بين الزوجين شيئًا ثانوياً أو مخجلًا، بل كان جزءاً من صورة الرحمة الإلهية في الأرض. يكفي أن الله وصف العلاقة بالمودّة والرحمة، لا بالواجب وحده. المودّة هي الحب الذي يظهر في التفاصيل الصغيرة، والرحمة هي الحب حين يمرض، أو يضعف، أو يشيخ، أو يتعب. لذلك لا تخافي من مرور الزمن على زواجكِ، فبعض العلاقات لا يفسدها الوقت، بل ينضجها كما ينضج الضوء عند الغروب، أقل صخباً، لكنه أكثر جمالًا. أريدكِ أن تعيشي الحب بكل مراحله من جديد: بداياته، وارتباكه، وطمأنينته، وحتى خلافاته التي تجعل الصلح أكثر دفئًا. أريدكِ أن تكتشفي أن الزواج ليس نهاية المرأة، بل قد يكون المكان الوحيد الذي تستطيع فيه أن تكون نفسها بالكامل دون خوف. وأن الحب الحقيقي ليس ذلك الذي يجعلنا نهرب من الحياة، بل الذي يجعل الحياة نفسها أكثر احتمالًا. لم أعد أطلب منكِ يا ابنتي أن تحبيني كما كنتِ تحبينني يوم كنتِ طفلة. لا أطلب أن تعودي تلك الصغيرة التي كانت تبحث عني في كل غرفة، ولا أن تمسكي بطرف ثوبي خوفاً من الطريق، ولا أن يكون حضوري هو مركز العالم كما كان في عينيكِ يوماً. تلك المرحلة أدّت رسالتها الجميلة ورحلت، كما يرحل الربيع حين يسلّم الأشجار ثمارها. لكنني أطلب منكِ شيئاً أصعب وأعمق وأندر وهي أن تحبي نسختي الجديدة. أن تتعرفي إلى المرأة التي صرتُها الآن، لا المرأة التي كنتُها. لأن الإنسان لا يشيخ في وجهه فقط، بل يشيخ في طريقته في النظر إلى الأشياء، وفي عدد الأحلام التي ودّعها، وفي حجم الصمت الذي يسكنه. وأنا لم أعد تلك الأم التي كانت تركض بين واجباتكِ المدرسية وملابسكِ الصغيرة وقلقها عليكِ من نزلة برد عابرة. أصبحت امرأة أخرى، امرأة بدأت تكتشف للمرة الأولى أن العمر ليس عدد السنوات التي عشناها، بل عدد الأشخاص الذين غادروا من داخلنا بهدوء وحلّ مكانهم آخرون. وأخشى أحياناً أن تكوني ما زلتِ تبحثين عن أمكِ القديمة، بينما أقف أمامكِ أنا، بنسختي الجديدة، غريبة قليلًا، متعبة قليلًا، وحكيمة أكثر مما كنت أتمنى. في شباب الأمومة كنتُ شجرة تمنح الظل ولا تشعر بحرارة الشمس. كنتُ قوية إلى درجة أنني لم أكن أنتبه إلى قوتي. كنتُ أظن أن الليل قصير، وأن الجسد لا يتعب، وأن القلب قادر على احتمال كل شيء. أما اليوم فقد بدأت أتعلم درساً مختلفاً. بدأت أتعرف إلى الهشاشة التي كنت أراها في الآخرين وأظنها بعيدة عني. صرت أبطأ في المشي، وأطول في التفكير، وأسرع إلى الحنين. الأشياء التي كنت أتجاوزها في الماضي أصبحت تستوقفني. صورة قديمة، رائحة ثوب، ضحكة تشبه ضحكتكِ الصغيرة، كرسي فارغ في زاوية البيت. لم يعد خوفي عليكِ كما كان، بل صار خوفي من الزمن نفسه. ليس لأنني أخشاه، بل لأنني بدأت أرى ملامحه تقترب بهدوء. وأريدكِ أن تفهمي أن هذه المرحلة لا تحتاج منكِ الشفقة، ولا الحزن، ولا الشعور بالذنب لأن الحياة أخذتكِ بعيداً. كل ما تحتاجه هو أن تنظري إليّ بعين جديدة. أن تري المرأة التي عبرت كل هذه السنوات، لا بوصفها أماً فقط، بل إنسانة أيضاً. إنسانة لها مخاوفها، ووحدتها، وأحلامها التي لم تتحقق كلها، وأسرارها التي لم تبح بها لأحد. أريدكِ أن تكتشفي أنني نعيش حيوات متعددة في جسد واحد والروح تنضج. يا ابنتي أنا قصة كاملة، فيها ما تعرفينه وما لا تعرفينه. يا ابنتي..نحن في زمن نسير فيه معاً بطريقة مختلفة تماماً عن كل ما سبق. لن أكون فيه الدليل كما كنت دائماً، وربما لن أكون صاحبة الإجابات الجاهزة. قد أسألكِ أكثر مما أجيبكِ. قد أحتاج إلى يدكِ وأنا أنزل درجة سلم، بعدما كنتُ أحملكِ لأصعد بكِ درجات الحياة كلها. وقد تصبح بعض ذاكرتي أبطأ من ذاكرتكِ، وبعض خطواتي أضعف من خطواتكِ. وهذا ليس حزناً كما يظن الناس، بل أحد أجمل أسرار العمر. لأن العلاقات العظيمة لا تبقى ثابتة، إنها تتبادل الأدوار. الأم التي كانت سندأً تصبح بحاجة إلى سند، والطفلة التي كانت تُقاد تصبح قادرة على القيادة. لكنني لا أريدكِ حين يأتي ذلك الوقت أن تنظري إليّ كواجب أخلاقي أو مسؤولية عائلية. أريدكِ أن تنظري إليّ كما ينظر القارئ إلى الفصل الأخير من روايته المفضلة، بحب، واهتمام، وامتنان، ورغبة في ألا يمرّ سريعأً. أريد أن أجلس معكِ أحياناً دون هدف، أن نتحدث عن أشياء لا أهمية لها، أن نضحك على قصص قديمة حفظنا نهاياتها، وأن أشعر أنكِ لا تزورين أمكِ فقط، بل تزورين امرأة تحبين صحبتها. فليس أقسى ما يواجهه الإنسان في آخر العمر ضعف الجسد، بل أن يشعر أنه أصبح معروفاً فقط من خلال ماضيه، لا من خلال الشخص الذي هو عليه الآن. لهذا، في هذه المرحلة التي بدأت تلوح لي من بعيد، لا أطلب منكِ أن تعودي ابنتي الصغيرة، ولا أن تعيدي الزمن إلى الوراء، ولا أن تمنحيني حب الأمس. أطلب شيئاً أكثر نضجأً وأعمق إنسانية وهو أن تمنحيني فرصة أن أحبكِ كامرأة ناضجة، وأن تحبيني كامرأة تتغير. أن نمشي ما تبقى من الطريق لا كأم وابنة فقط، بل كروحَين عرفتا بعضهما طوال عمر كامل وما زالتا تكتشفان بعضهما حتى الآن. فربما كانت أعظم هدية يمكن أن يقدمها الأبناء لآبائهم في السنوات الأخيرة ليست الرعاية، ولا الوقت، ولا الهدايا، بل أن يروا الإنسان الذي يختبئ خلف لقب الأم، وأن يحبوه من جديد بعد أن تتبدل ملامحه، وتثقل خطاه، ويصبح أكثر شبهاً بحقيقته من أي وقت مضى.فهل يوجد في الحياة حبٌّ أعمق من أن ينجح إنسانان في التعرف إلى بعضهما مرتين، مرة في بداية العمر، ومرة أخرى حين يقترب أحدهما من نهايته؟...أحبك وكل عام وأنت بخير وكل سنة وأنت الأم التي أفتخر بها. طرابلس- لبنان الإثنين 1الأول من حزيران 2026 الساعة السابعة والنصف صباحاً
#ضحى_عبدالرؤوف_المل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
نقد -اختبار النحل 90-في كتاب بين الوحي والتأويل
-
حين صارَ الطفلُ أباً… وبقيتُ أراهُ أبي الذي أركض نحوه
-
من قال إن الثروة تصنع إنساناً أكبر؟
-
رحلة كشفٍ اجتماعي وفلسفي عن طبيعة المجتمع نفسه
-
دان براون وتحويل القراءة إلى فعل شكّ.
-
هل يولد التمرد من معرفة العالم أم من القدرة على التخلي عنه؟
-
هل يبدأ الإنسان حياة جديدة بعد النجاة من الموت ؟
-
التنمّر غير المرئي بوصفه بنية لغوية لإدارة الانحراف لا إنهائ
...
-
نَبْضُ الأُمَم بين الإيقاع والوجود
-
هل الإنسان يستطيع أن يبدع وهو مقيد بالقيم الأخلاقية الصارمة؟
-
هل نقرأ الرواية لنرى العالم كما هو أم لنخلق لأنفسنا عالماً ي
...
-
سينما تُصنع لأن ثمة ما يجب قوله، وسينما تُنتَج لأن ثمة ما يم
...
-
سرديات أدب المراهقة في دراما Girl Taken
-
هل منحنا جون غرين مفاتيح شخصياته في رواية البحث عن ألاسكا؟
-
الإنسان حين يُسلب من كل شيء ويظل حيّاً
-
صياغة حبكة بصرية تُغيّر الوعيّ بين أني ألبرز وجبران طرزي
-
التحقيق الطبي والتحقيق الجنائي وجهان لعملة واحدة في مسلسل وا
...
-
النسوية لا تُقاس بالجندر، بل بالقدرة على اتخاذ القرار
-
الصوت بوصفه معنى خفياً في أنيمي عالم حرب الكأس المقدسة
-
هل القمامة في هذا الأنيمي Gachikutaهي تصنيف أخلاقي ؟
المزيد.....
-
مارادونا الغناء العربي.. كيف هزم جورج وسوف المعايير ببحة مكس
...
-
-شركاء-.. تركي آل الشيخ يكشف عن حجم مشاركة صندوق الأفلام في
...
-
-الشهداء يعودون إلى رام الله- ... الفن الفلسطيني في معركة ال
...
-
ترمب ينوي إحياء حفل الاستقلال بعد انسحاب فنانين: أنا أشهر من
...
-
فنانون في حديقة الحيوانات هذه يحوّلون النفايات إلى منحوتات ف
...
-
وزير الثقافة اللبناني: مدينة صور تواجه خطرا يهدد إرثها العال
...
-
من الرحلة إلى المجاورة.. كيف صانت التراجم المغربية ذاكرة بيت
...
-
قصة حب شبيهة بالأفلام.. كيف غيرت رحلة على متن طائرة حياة هذا
...
-
المتنبي الخفي.. كيف تصنع الثقافة سوقا موازية وسط بغداد؟
-
شاهد.. فنان يحوّل أقدم جسر في باريس إلى كهفٍ هوائيٍّ ضخم
المزيد.....
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|